سوشيال ميديا وفضائيات

حكومات التواصل الاجتماعى.. دخلت شركات التكنولوجيا على الخط فانكشف المستور

4-2-2021 | 16:17

صورة أرشيفية

ميرفت فهد

البنتاجون: السياق السياسى الأمريكى تغير بشكل كبير فى سنوات حكم ترامب بسبب تغريداته المحرضة

ترامب قبل الرحيل: تويتر يخنق حرية التعبير تماما وأنا بصفتى رئيساً لن أسمح بحدوث ذلك

حظر ترامب من على وسائل التواصل الاجتماعى لم يكن حدثا عابرا.. بل كان صفعة فى وجه عالم السياسة بأكمله، ليس فى واشنطن وحدها بل فى كل عواصم العالم.. الأمر الذى دعا العالم بأسره لأن يفكر فى ضرورة حدوث تحول كبير فى سياسة الشركات التى أنشئت وتدير هذه الوسائل، فهذه الشركات الآن تتخذ قرارات تتعلق بالإشراف على المحتوى، ليس فقط فيما إذا كان المستخدم أو المنشور قد انتهك قواعدها، لكن أيضا التأثير الذى قد يحدثه هذا المحتوى على الأشخاص، وبالرغم من الانتقادات التى صدرت من برلين وبريطانيا وغيرها من العواصم، فإن ما حدث كرس سابقة فى التاريخ اسمها «الديكتاتورية الرقمية».

فى البداية علق موقع تويتر بشكل دائم حساب ترامب، بعد يومين من قيام أنصاره باقتحام مبنى الكونجرس لعدة ساعات فى 6 يناير الماضى.. وقتها قال مسئولو موقع تويتر «تم تعليق حساب ترامب بشكل دائم، بسبب وجود خطر استغلاله فى التحريض على المزيد من العنف».

وبنص البيان: «بعد المراجعة الدقيقة للتغريدات الحديثة الصادرة عن حساب الرئيس دونالد ترامب والسياق المحيط بها، وتحديدا كيفية تلقيها وتفسيرها على الموقع وخارجه، قمنا بتعليق الحساب نهائيا بسبب خطر حدوث مزيد من التحريض على العنف.»

بعد قليل قال مارك زوكربرج، الرئيس التنفيذى لـ»فيسبوك»، إن الشركة ستمدد الحظر على حسابى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على «فيسبوك» و»إنستجرام» لأسبوعين على الأقل، حتى اكتمال عملية انتقال السلطة.
وهكذا أغلق كل من «تويتر» و»فيسبوك» و»سناب شات» حسابات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يوم الأربعاء 6 يناير الجارى، حيث سارع عمالقة التكنولوجيا لكبح مزاعمه بشأن تزويرالانتخابات الرئاسية، وسط أعمال شغب فى العاصمة واشنطن.

بالمناسبة، عدد متابعى حساب ترامب على تويتر يصل إلى نحو 90 مليونا. وكان تويتر المنصة المفضلة للرئيس الأمريكى طوال فترة حكمه، لإعلان مواقفه وإقالة كثير من المسئولين فى إدارته.
وفى الوقت نفسه، منع موقع يوتيوب حساب ترامب من تحميل مقاطع فيديو بسبب مخالفته لسياسة الموقع، كما قال فى بيان له، لمدة أسبوع اعتبارا من مساء الثلاثاء 12 يناير الماضى قابلة للتمديد.
وقال موقع يوتيوب فى بيانه: «فى ضوء المخاوف بشأن احتمال استمرار عمليات العنف، أزلنا المحتوى الجديد الذى تم تحميله على قناة دونالد ترامب، وأصدرنا إنذارا لانتهاك سياساتنا الخاصة بالتحريض على العنف». كما عطل يوتيوب التعليقات فى حساب قناة ترامب التى تضم أكثر من مليونى مشترك.
الخطوات التى اتخذتها مواقع التواصل الاجتماعى ضد حسابات ترامب، أثارت الجدل حول طريقة تنظيم عملها. إذ يريد البعض تغيير التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى واعتبارها «شركات نشر إعلامي» بدلا من مجرد «منصات» لمشاركة آراء المشتركين، وهو ما يعنى وقوعها تحت مزيد من القواعد التنظيمية لعملية النشر.
وبرغم ذلك يرى معارضو هذه الفكرة، أنها قد تسمح للحكومات بالتدخل والحد من النقاش على منصات التواصل الاجتماعى.
وقد أثارت خطوة حظر ترامب ردود فعل متباينة على مواقع التواصل، التى سارع روادها لإطلاق وسم «ترامب المحظور». وانقسم المغردون ما بين مؤيد لهذه الخطوة وما بين معارض لها.
من جانبه، هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بـ «تنظيم» و»إغلاق» منصات التواصل الاجتماعى، بعدما اتهمه موقع تويتر بنشر معلومات كاذبة عبر تغريدتين «لا أساس لهما من الصحة».
وغرد ترامب قائلاً: «يشعر الجمهوريون بأن منصات التواصل الاجتماعى تمارس رقابة كاملة على أصوات المحافظين. سنقوم بتنظيمها بشدة أو إغلاقها لعدم السماح بتكرار أمر مماثل». وقال: «تويتر منصة تخنق حرية التعبير تماما، وأنا، بصفتى رئيساً، لن أسمح بحدوث ذلك».

السياق السياسى الأمريكى

فى مقال للكاتب بيتر سنجر نشره موقع (ديفنس وان) التابع للبنتاجون، قال: إن السياق السياسى الأمريكى تغير بشكل كبير فى سنوات حكم ترامب، بسبب تغريداته المحرضة، إلى أن وصل الأمر إلى اقتحام الكونجرس، وسيكون حظر حساباته عاملا مهما فى تهدئة الأوضاع. ومع ذلك يرى الكاتب أن التطرف لن ينتهى بحظر ترامب، فالمتطرفون يتجمعون فى شبكات أقل تقييدا وأكثر حرية.
وتابع سنجر، أنه من بين جميع الأحداث الجسام التى وقعت الأسبوع الماضى، كان إسكات الحسابات الخاصة بترامب على وسائل التواصل الاجتماعى، هو لحظة «فارقة» ليس فقط للسياسة الأمريكية، لكن لمجموعة من القضايا من الصحة العامة إلى الأمن القومى. فلم يقم أى شخص فى تاريخ البشرية بنشر نظريات المؤامرة بين عدد كبير من الأشخاص، مثلما فعل الرئيس الأمريكى.
سنجر رأى أن ترامب سكب البنزين على النار مرة أخرى، بعد إعلانه أنه لن يشارك فى حفل تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن. وبالتالى خلص مسئولو تويتر إلى أن تغريدات ترامب، من المرجح أن تلهم الآخرين لتكرار أعمال العنف التى وقعت فى 6 يناير 2021. أضف إلى ذلك سلسلة العمليات المتطرفة التى كان المخطط لها أن تقع فى 17 يناير فى عواصم الولايات المختلفة.
لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو، أن المحللين الأمنيين بدأوا مناقشة عبر الإنترنت حول «مسيرة المليون ميليشيا»، التى كان من المقرر تنظيمها فى 20 يناير فى واشنطن العاصمة، والغرض منها ليس فقط تعطيل تنصيب بايدن، لكن أيضا السعى للانتقام العنيف من الشرطة بسبب ما وصفوه «استشهاد» مشاغب فى أحداث اقتحام الكابيتول.
ويضيف سنجر، أن تداعيات حظر ترامب، ستحدث تحولا كبيرا ليس فقط فى الأيام المقبلة، لكن على المدى الطويل ــ وفى كل شىء بدءا من الإرهاب إلى الصحة العامة. باختصار ملعب السياسة سيتغير بشكل كلى.
فكل شىء فى وسائل التواصل الاجتماعى كان يميل فى السابق لصالح القوى السامة، بدءا من الخوارزميات التى تدفع نحو التطرف، إلى تحفظ الشركات على الاعتراف بذلك. لكن الشركات بدأت فى اتخاذ سلسلة من الإجراءات فى السنوات القليلة الماضية، بسبب التضليل الانتخابى والقتل الجماعى والمعلومات المضللة عن كوفيد 19، مما يجعل من الصعب على القوى السامة استغلال الأفراد.كما قامت هذه الشركات أيضا بحظر أنواع معينة من الإعلانات قطعة تلو الأخرى، إلى أن تم حظر الصوت الأعلى (ترامب).
بالطبع، هذا التحول طال انتظاره. ومن يعملون فى هذه الشركات يدركون أن العديد من الأحداث المروعة التى تغذيها وسائل التواصل الاجتماعى، كان من الممكن تجنبها أو على الأقل التخفيف من حدتها بمثل هذه الإجراءات.

منصات لحرب المعلومات

مع ذلك، واجهت الشركات أعمالا ومعارك متغيرة بسرعة. وسيكون اتخاذ هذا النوع من القرارات ليس ما تخطط له معظم شركات التكنولوجيا، فهم يريدون البناء والربح وليس المراقبة.

ويبدو أخيرا أن الشركات قد توصلت إلى اقتناع بعد سنوات من المراوغة، بأن لديها مجموعة جديدة من المسئوليات. فهم ليسوا مجرد مبتكرين تقنيين أو حتى محررى وسائل إعلام إخبارية. بل يديرون منصات لـ «حرب المعلومات». وأن وسائل التواصل الاجتماعى، ليست مجرد مساحة اتصال، لكنها مساحة صراع.

لكن هناك حقيقة علينا إدراكها، وهى أن حظر ترامب من المنصات لن ينهى انتشار نظريات المؤامرة، ولن ينهى خطر التطرف. فالمتطرفون يتجمعون فى شبكات أصغر وأكثر حرية والبعض الآخر مخفى عن الأنظار.

المهم أنه تم إخراج الممثل الأكثر خطرا من المشهد، وسيكون من الصعب على متابعيه أن يكون لهم نفس التأثير. فالأرقام الأولية تظهر أن ترامب مركز العديد من نظريات المؤامرة والتطرف أمثال اليمين المتطرف، وكيو آنون، ومناهضى اللقاح. ويوجد ممثل رئيسى فى كل منهم يحتاج للحظر.

سيناريوهات الكر والفر

ما قامت به شركات التكنولوجيا أحدث دويا فى العالم، لأنه أصبح شبحا لسيناريو قابل للتكرار فى أى دولة أخرى، ومع أى قيادة قائمة أو محتملة.. ومن جديد أبرز السؤال:

من صاحب القرار فى عالم السياسة اليوم؟ هل هم القادة والمشرعون المنتخبون أم أصحاب منصات التواصل الاجتماعى؟ العالم بأسره شهد هذه المنصات وهى تقوم (بالإعدام الرقمى) لقائد دولة تزعم أنها تقود العالم.. تويتر وفيس بوك وإنستجرام ويوتيوب، كل منها قام بدور وكيل النيابة والقاضى والجلاد على رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو فى السلطة يمتلك مفاتيح شفرة إطلاق الصواريخ النووية من منصاتها، لكنه ـ فيما يبدو ـ نسى شفرة الاتصال بالمنصات الرقمية صاحبة النفوذ الحقيقى على المجتمعات البشرية هذه الأيام.

فى ألمانيا صدر استنكار لتكميم فم ترامب، ليس مجاملة لرئيس دولة هى الحليف الأهم للاتحاد الأوروبى، إنما فزعا مما يمكن أن يكون عليه الوضع إذا ما قررت هذه الشركات صاحبة المنصات التفاعلية أن تعزل قادة أوروبا عن جماهيرها.. وحكوماتها عن ناخبيها.. ففى يوم 11 يناير الماضى صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل – التى لا تملك حسابا على تويتر بالمناسبة - أن ما قامت به شركة تويتر من إجلاء لترامب عن منصتها هو إشكال كبير.. وقال المتحدث الرسمى باسمها ستيفن سيبرت: صحيح أن مشغلى منصات التواصل الاجتماعى يتحملون مسئولية ضخمة عن الاتصال السياسى كى لا يتم تسميمه بالكراهية والأكاذيب والدعوة للعنف، إلا أن حرية التعبير قد تنتهك بهذه الطريقة.. لذلك فهذه المسئولية ينبغى أن يحددها المشرعون لا مدراء المنصات!!

بعد ذلك بيوم واحد انضم رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون إلى ميركل فى تعليقه على ما جرى، إذ قال إنه ينبغى فتح نقاش عميق بشأن ما إذا كان ينبغى تطبيق معايير قانونية، تنظم عمل شركات الإنترنت الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعى، على غرار المعايير التى تطبق على التليفزيون والصحافة، مشيرا إلى قدرة هذه المنصات على عزل السياسيين عن ناخبيهم فى أى وقت من تلقاء نفسها!!
هل انتهى الأمر إلى هنا هل الحل فى إخضاع منصات التواصل لنفس معايير الإعلام التقليدى؟ فلننظر إذن إلى هذا الإعلام وما يخفيه عن أنظارنا.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة