آراء

إنهم يقيدون التواصل الاجتماعى

4-2-2021 | 11:44

قبل عشر سنوات كانت ثورة يناير، التي أطلقوا عليها اسم ثورة الفيس بوك، فدبج مئات الكتاب في جميع أنحاء العالم مقالات وكتب عن الدور الثوري للسوشيال ميديا. كتب وائل غنيم كتابا عن الثورة التي أسهم في إطلاقها، فأطلق عليه اسما مستوحى من عالم الإنترنت والبرمجيات، فسماه الثورة 2.0, واختار له عنوانا فرعيا يقول: إذا الشعب يوما أراد الحياة.

في ذروة الاضطراب الثوري قبل عشر سنوات قام نظام مبارك بقطع خدمة الإنترنت عن عموم البلاد، في محاولة منه لاحتواء الثورة، وهو السلوك الذي تكرر كثيرا بعد ذلك في مناسبات ثورية عدة حول العالم. أما بعد عشر سنوت فقد شهدنا شركات التكنولوجيا الكبرى تجمد حسابات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بعد اتهامه بالتحريض على اقتحام الكونجرس. لقد دار الزمن دورة كاملة، وبعد أن كان الأمريكيون يعايروننا بأننا لم نحتمل الحرية غير المحدودة التي جعلتها الإنترنت والتواصل الاجتماعي ممكنة، وجدناهم يرحبون بفرض القيود على شبكات التواصل الاجتماعي، ويطالبون بالمزيد.

كان الإخوان واليسار والليبراليين هم الأسرع في الاستفادة من السوشيال ميديا، التي مكنتهم من القفز فوق الحواجز والقيود التي يفرضها الرقباء. لقد أصبح ممكنا بعد اختراع السوشيال ميديا وبجنيهات قليلة، امتلاك جهاز كمبيوتر متواضع، ووصلة إنترنت، واستخدام كل ذلك في إطلاق الدعوة للتمرد مائة مرة في اليوم. إنه فعلا أمر ثوري لو قارناه بالمعاناة والمخاطر التي كان الثوريون قبل سنوات قليلة يخوضونها لطباعة وتوزيع بضع مئات قليلة من نسخ رديئة الطباعة، لمنشور ثوري، ينتهي هو موزعه في يد السلطات، قبل أن يصل لأيدي قرائه المستهدفين.احتفى الأمريكيون والأوربيون بالسوشيال ميديا، فأخيرا أصبح بإمكان الفرد، بتكلفة قليلة، التعبير عن نفسه، وتوجيه الانتقاد لنخب حاكمة مستبدة، تحتكر كل شيء، وطالما حرمت الشعب من الحق في التعبير. نصب الغربيون أنفسهم حماة للإنترنت والسوشيال ميديا، وجعلوا من حرية التعبير على شبكة الأنترنت مقياسا إضافيا للحرية، ورسموا خططا لاستخدامها من أجل قلب النظم في شرق أوربا والشرق الأوسط.

دفعت روسيا ثمنا باهظا بعد أن تم استخدام الإنترنت في تنظيم ثورات ملونة في بلاد الجوار السوفيتي السابق. راح الروس يشكون من استخدام الإنترنت لتحقيق أغراض سياسية، فتجاهلهم الغرب، ونظر إليهم بازدراء باعتبارهم بلدا استبداديا يكره الحرية ولا يحتملها، فانتقلت روسيا لتطبيق الخطة البديلة. الإنترنت فضاء فسيح تلتقي فيه الشعوب والأجناس، بلغاتها وأفكارها وقيمها المتنوعة، فإما يتفاهمون كما لم يحدث من قبل، أو يذهبون إلى آخر المدى في التنازع والصراع، بالضبط كما تحكي الأسطورة التوراتية عن برج بابل الشهير. تقول الأسطورة إن نسل النبي نوح بنوا برجا شاهقا، يعيشون فيه جميعا، ضد إرادة الإله، الذي أراد لهم الانتشار في الأرض وتعميرها، فخلط الرب ألسنتهم، وبلبلها، وتعذر عليهم التفاهم، ففقد بنو البشر لغتهم الواحدة وقدرتهم على التفاهم، ومن هنا ولدت اللغات المختلفة المعروفة في العالم.

هذا هو ما تحكيه الاسطورة في سفر التكوين، والمغزى هو أنه ما إن يجتمع البشر، إلا وتفرقهم نزاعاتهم، وهذا بالضبط هو ما فعلته روسيا في الإنترنت، إذ انتقلت لمحاربة الغربيين بنفس سلاحهم، فنشرت عملاءها على شبكات التواصل الاجتماعي، لإطلاق الأخبار المتعارضة في كل اتجاه، والترويج لكل رأي متطرف يصادفونه، وكأنهم يقولون لأهل الغرب إن كنتم تريدون الحرية فامشوا في الطريق إلى نهايته؛ وأنكم لستم الوحيدين الذين بإمكانهم استخدام الإنترنت والتواصل الاجتماعي لتحقيق أغراض سياسية. هكذا ببساطة تدخل الروس في السياسة الأمريكية، بالضبط كما تدخل الغربيون في سياسات الدول المستهدفة في شرق أوروبا والشرق الأوسط. فهم الروس الطريقة التي تعمل بها شبكة الإنترنت، وقرروا توظيفها لمصلحتهم.

الإنترنت ليس مجال الحرية المطلقة كما حاولوا الترويج بيننا، فالشركات الأمريكية الكبرى تدير الإنترنت وتوجهه من أجل إبقاء المستخدمين على الشبكة لأطول فترة ممكنة، عبر تزويدهم بتيار لا ينقطع من الأشياء التي تجذبهم. إن كان المستخدم يحب كرة القدم، فلن يجد على الإنترنت سوى سيل لا ينقطع من أهداف بأقدام ورءوس رونالدو وميسي ومحمد صلاح؛ وإن كان يحب الموسيقى، فتيارها لا يتوقف؛ وإن كان يحب الإباحية والعري، فستطارده مشاهد الفسق، حتى عندما يحاول الامتناع عنها. ماذا عن السياسة؟ لا فرق؛ فلو أن الشخص يحب الأفكار اليسارية، فسيجد نفسه يخرج من موقع الحزب الشيوعي، ليدخل في موقع الحزب الاشتراكي، ومنه إلى موقع الفوضويين؛ وإن كان عنصريا يعتبر هتلر أعظم من أنجبت البشرية، فلن يصادف على شبكة الإنترنت سوى أشخاص يشبهونه.

الإنترنت ليس كما روجوا بين الناس هو عالم الحوار والتفاهم الخلاق بين الأفكار والآراء المتنوعة؛ ولكنه عوالم متعددة متجاورة، لا تعرف بعضها، ولا يهتم أحدها لوجود الآخر، بل إنها قد تتبادل الكراهية والاحتقار. هل مشجعو الأهلي والزمالك أكثر تفهما وتقديرا لبعضهم في زمن الإنترنت والسوشيال ميديا مما كان عليه الحال قبل ذلك؟ هل الليبراليون الأمريكيون الآن أكثر تقبلا لآراء الأمريكيين المحافظين بالمقارنة بما كان عليه الحال زمن الرؤساء كارتر أو ريجان؟ دار الزمن دورة كاملة، وانتقل الأمريكيون من المطالبة برفع كل القيود عن الإنترنت، لمطالبة شركات التكنولوجيا بالتدخل لحجب المحتوى المهدد للسلم والاستقرار.

إنها إعادة الاعتبار لحراس البوابات، الذين تحملوا مسئولية إدارة وتوجيه الصحف وقنوات التليفزيون لعقود، والذين نظر فوضويو الإنترنت لهم كجزء من أجهزة القمع، التي ستتولى شبكة الإنترنت القضاء عليهم.تراجع دور حراس البوابات الظاهرين من المهنيين والسياسيين، وملأ الفراغ آخرين يعملون في الظلام وراء ستار، لا يشغلهم سوى زيادة الأرباح، فأشاعوا الفوضى وهدموا المجتمعات. ما يجري الآن فيه اعتراف بأهمية النخب والتقاليد المهنية، في مواجهة الشعبوية والفوضى التي زعمت تمكين الفرد، وإعطاءه صوتا، حتى لو لم يعرف ماذا يفعل به.

نقلاً عن

فك شفرة التخلف

منذ قرنين ومصر تتقدم كالضفدع، قفزة طويلة للأمام، ثم سكون طويل في انتظار القفزة التالية. قفزة كبيرة مع محمد علي باشا، ثم الخديو إسماعيل، وثورة 1919، وجمال

سلحفاة وضفدع وحصان

لا أتحدث عن حديقة الحيوان، بل أتحدث عن الدول. فالدول في علاقتها بالتنمية تتصرف إما كسلحفاة أو ضفدع أو حصان. فأين نحن من هذه النماذج.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة