ثقافة وفنون

50 عاما على بناء السد العالى.. تاريخ من لحم ودم وأدب

2-2-2021 | 23:29

الرئيس جمال عبد الناصر خلال بناء السد العالي

سيد محمود

مرت الأسبوع الماضى الذكرى الخمسون لافتتاح السد العالى، أحد أكبر المشروعات العملاقة فى التاريخ بشهادة الهيئة الدولية للسدود والشركات الكبرى، التى وضعته فى صدارة جميع المشروعات، واختارته كأعظم مشروع هندسى شيد فى القرن العشرين.

وتكتسب تجربة بناء السد قيمة إنسانية ووطنية كبرى فى حياة المصريين، تعززت بالمكاسب والإيجابيات التى حققها المشروع عبر تاريخه، فقد نجح فى السيطرة على فيضان النيل، وأسهم فى تخزين مياهه وتوليد طاقة كهربية، مكنت الدولة من إنارة جميع مناطق الجمهورية.

كان السد ولا يزال، عنوانا للاستقلال الوطنى قبل كل شيء، ودليلا على قدرة المصريين فى إنجاز مشروع عملاق، عبر مدة زمنية، ووفق برنامج عمل محدد.

ورغم حروب إعلامية استهدفت السد من الداخل والخارج، لا تزال الأرقام منصفة فقد أحدث السد نقلة نوعية كبيرة فى التنمية داخل مصر، بعد أن نقلها من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة، وحماها من أضرار الفيضانات، وأسهم فى استصلاح وزيادة مساحة الأراضى الزراعية.

لا تقول الأرقام ما يؤكده الأدب الذى احتفى بحضور المشروع فى الوجدان الشعبى العام أو كما قالت الأغنية «الحكاية مش حكاية سد» لكنها «حكاية شعب».

كتب أدباؤنا عن السد، وخلد بفضل أعمالهم الأدبية فى رؤوس وقلوب الأجيال الجديدة التى لم تعايش التجربة ولم تعرفها إلا من الكتب.

«الأهرام العربى» تستعيد التجربة من وجهة نظر ممثلى الأجيال الجديدة، التى تقرأ نصوص الآباء من عين أخرى تقرن العام بالخاص، بحثا عن القيم التى رسختها تلك النصوص، أردنا أن نستعيد مع «حراجى القط» تصوره عن العالم الجديد، ونفهم كيف أن الشخصية التى أوجدها الأبنودى لخصت بعبقرية فائقة طموح «إنسان السد العالي» الذى تأمله صنع الله إبراهيم ورءوف مسعد وكمال القلش، وكانوا جميعا عند حسن الظن فعلى الرغم من طابع الخصومة مع النظام الناصرى، فإنها ليست الخصومة التى تحجب الإيمان بقيمة التجربة الوطنية، لذلك ذهبوا إلى موقع العمل، باحثين عما يحققه للناس، وكان محمد مستجاب من بين هؤلاء الذين جاءوا لخوض التجربة، ورسخت فى قلبه مثل الوشم التاريخى.

نعتنى بما أسماه يوسف فاخورى «التاريخ الإنسانى للسد العالي» من كتبوا «التاريخ من أسفل» حيث يمكن دائما رؤية الحدث الكبير من زاوية أخرى تحتفى بالتفاصيل الصغيرة التى صنعتها الأصوات التى همشتها السرديات الكبرى والتقارير الرسمية، بفضل طابعها البيروقراطي، وهى كتابات تتعزز معها صورة الرئيس جمال عبد الناصر وقيمة قراراته فى لحظة تاريخية حرجة، اختار فيها المواجهة وتحول إلى «أمل» وجعل من السد «حلما» لا تزال آثاره باقية إلى اليوم.

ولا بد أن يبقى مشروعا للإرادة الوطنية، ودرسا ينبغى العودة إلى أوراقه دائما.


كتاب التاريخ الإنسانى للسد العالي



التاريخ الإنسانى للسد العالى

دينا عزت

ما الذى كان فى أذهان آلاف من العمال المصريين والفنيين والمهندسين الذين كانوا يعملون فى أكبر مشروع للأمة فى القرن العشرين، السد العالى؟ وكيف يتذكرون اليوم عقدًا من البناء الذى بدأ فى 9 يناير 1960 وانتهى مثمرًا فى يوليو 1970 عن السد الذى افتتح فى 15 يناير 1971؟

هذان هما السؤالان اللذان حاول الكاتب يوسف فاخورى الإجابة عنهما فى كتابه الصادر فى طبعته الثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «التاريخ الإنسانى للسد العالى»، الذى صدر فى 2020 كجزء من سلسلة كتب حكاية مصر التى تصدرها هيئة قصور الثقافة .

يوفر لنا فاخورى فى 150 صفحة يضمها كتابه نصوصا لحوارات ومقابلات أجراها مع الرجال الذين بنوا السد.وفاخورى يقيم بمحافظة أسوان، وهو أحد أهم كتاب القصة من بين أبرز أعماله: «حكايات الغريب» (عنوانها الأصلى حكاية الغريب الغرابي)، و«فرد حمام»، و«كانت تعترف لي»، و«تانجو»، وروايته «فتنة اللحظات الأخيرة».

يقول فاخورى فى مقدمته إنه من الصعب على أى شخص أن يقرأ هذه الشهادات الشفهية مع الذين شاركوا فى التجربة دون التفكر فى هؤلاء الرجال خاصة العمال والفنيين الذين ينظرون لأنفسهم على أنهم أبناء السد. وهم يشيرون للسد العالى باعتباره إنسانًا حيًا وليس مجرد مشروع عملاق من حجر وخرسانة.

إيمان هؤلاء الرجال بالمشروع والبادى فى شهاداتهم لا تخطئه عين، وهو إيمان لا ينبع بالضرورة من معرفة هؤلاء الرجال بما سيجلبه السد من خير إلى الأمة، لكنه فى أغلبه نابع من إيمانهم بالمشروع الذى قاده جمال عبد الناصر، الذى يبدو فى تلك الشهادات كأسطورة وليس مجرد إنسان.

ناصر كان هو الرئيس الذى منحهم وهم الفقراء والمعوزون حسًا بالكرامة والقيمة بحسب ما ذكروا لفاخورى فى شهاداتهم، وهو الرجل الذى جعل من تلك المشروعات الضخمة حلمًا يتحقق على أرض الواقع بمكافأة العمال المصريين عن جهدهم وليس عبر استعبادهم وإجبارهم.

تظهر الشهادات ناصر ليس فقط كقائد أسطورى فهو أيضًا الرجل الذى ألهم أتباعه ليس بالكاريزما ولكن بالحب والتفاني. تحمل كل واحدة من تلك الشهادات جزءًا عاطفيًا عن ناصر، الطريقة التى حيا بها العمال وتواصله المباشر مع كبير المشرفين على موقع العمل وحتى الطاقة الإيجابية التى خلفها وراءه فى كل مرة كان يغادر فيها الموقع.

فى واحدة من الشهادات يقتبس فاخورى إحساس الألم والأسى الذى شعر به آلاف العمال حين علموا بوفاة ناصر فى سبتمبر 1970. «الناس كانوا يصرخون ويقولون أبونا أبونا ليه سبتنا».

من المستحيل أن تقرأ هذه الشهادات دون أن تفكر فى الـ34 ألف رجل الذين أتوا لأسوان من كل ربوع المحروسة لكى يحركوا الجبال حرفيًا ويحولوا مسار النيل وأن تعتقد أن هؤلاء كانوا هناك فى مهمة بناء، لقد كانوا هناك يتبعون ناصر فى حلمه، والذى لازمهم فى الموقع أمام نظرهم حتى وإن لم يكن هناك.

كان ناصر منخرطًا بشكل مباشر ومكثف فى المشروع بحسب شهادات المهندسين والفنيين وكان يفوض على غير عادته الوزير صدقى سليمان، المسئول عن المشروع فى سلطاته.

لم يكن ناصر راغبًا فى الوثوق فى القطاع الخاص للقيام بأعمال البناء ما أدى به إلى تأميم جزء من شركة المقاولون العرب ليضمن السيطرة للدولة على المشروع.

الشهادات التى جمعها فاخورى تظهر موقع بناء السد كموقع حركة دائمة لا تتوقف، لا شيء بدا وكأنه يمكنه أن يوقف العمل فى هذا المشروع الضخم الذى أعطاه ناصر إشارة البدء فى 9 يناير 1960، لا هزيمة 1967 أوقفته ولا حتى وفاة ناصر نفسه أو الرجال الذين فقدوا أرواحهم أثناء العمل. بدا كأن كل شخص آمن بأن العمل لا يمكن أن يتوقف واستمر دوام العمل مقسما على دوريات لمدة عشر أعوام لا تتوقف. تظهر الشهادات أن الالتزام فى موقع العمل ساد فوق كل شيء آخر.

كانت هناك مشكلات ومشاجرات وإساءات أحيانًا ولكن الشعور السائد كان الالتزام بإنهاء العمل. لكل هذا أحب العمال سماع صوت عبد الحليم حافظ وهو يغنى «حكاية شعب» التى روى فيها قصة بناء السد العالى.


العمل فى تحويل مجرى نهر النيل



ذلك اليوم الرهيب.. أين سيذهب به هؤلاء المؤرخون؟

محمد مستجاب

من بين أغلى أمنياتي: أن أكتب رواية عن السد العالى لسبب واحد أصلي، ومائة سبب ثانوى.. أما السبب الأصلى فيرجع إلى إننى عملت فى مشروع السد العالى ولعدة سنوات، وفى عدة مواقع منه، من أدنى الأعمال إلى أعلى المراتب (صيغة فرضتها العلاقة المتعاكسة بين الأدنى والأعلى!) وكدت أفصل من عملى لأنى رفضت النقل من أسوان إلى القاهرة حتى أوقفوا راتبي، لقد همت حبا، وأغرقت عشقا بمنطقة أسوان الملتهبة صيفا والجميلة شتاء كل هذا هو السبب الأصلى.

أما الأسباب الثانوية فهى كثيرة، من بينها أن كل القصص والروايات التى كتبت فى تلك الفترة كانت لهؤلاء الذين مروا فى زيارة منظمة إلى السد العالى وأقاموا فى الفنادق المكيفة مع العبور «السياحي» على المشروع، ومنها أن البعض كتب دون زيارة للمنطقة أصلا قياسا على ما كتبوه عن حفر قناة السويس قبل ذلك بأكثر من مائة عام! والبعض وقع فى خندق السد العالى دفاعا عن أمجاد عبد الناصر.. فقام المناوئون والكارهون بتدمير السد العالى فى مقالاتهم وبحوثهم ودراساتهم، وأثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أن السد وراء انهيار الأخلاق وظهور الجماعات المتطرفة! مع إفساد التربة وبيع الوطن للروس (دون الأمريكان)!
ومنها أن البعض اعتبر السد العالى مجرد مشروع لمجد القائد الذى يوازى فى نهمه وديكتاتوريته رمسيس الثانى المشهور بالاستيلاء على تماثيل ومعابد من سبقوه من حكام، وإزالة أسمائهم عنها مع تدبيج اسمه عليها..(ولعل «نجمة أغسطس» لصنع الله إبراهيم هى المثال) مع أن ذلك وارد فى حياتنا المعاصرة، حينما نزعت أسماء مشروعات ومدن تحمل أسماء حكام، أو إنشاء مدن لصالح الحكام الحاليين، ولم يكن الأمر يحتاج إلى مشروع خطير مثل السد العالي، أخذ حقه المكثف أيامها فى الإعلام والطنطنة والشعارات والأغانى الوطنية الزاعقة، دون تأن وتريث وإمعان ودراسة، لا تقف عند حدوده كمشروع هندسى نقل البلاد من عصر إلى عصر: الكهرباء ومشروعات الأسمدة والحديد والصلب والسكر وإصلاح الأراضي، ثم هذه المساحة الشاسعة من أراضى الصعيد التى كانت تزرع لمرة واحدة فى العام بسبب فيضان النيل الذى كان يغطيها شهور الصيف.. فأصبحت تزرع طوال العام.. وحتى عندما أراد المعنيون التعرض للموضوع، ضاعت جهودهم فى الضجيج الذى يغطى على أية حقائق!

كل هذا جعلنى أتبرم من الكتابة الروائية عن المشروع..عشرات القصص التى نشرتها منذ خروجى «1970» من السد العالى ونزوحى إلى العاصمة، لم تقترب أبدا من هذا المشروع، حيث إنى أعتبره خميرتى الخصوصية وتجربتى الخصوصية وكيانى الخاص، لا يصلح معه أن يطلب رئيس التحرير قصة أو مقالا عنه، فأنعزل جانبا كى أحقق لرئيس التحرير المراد، إنما هو يحتاج إلى نوع آخر من العزلة الطويلة التى يتم التخطيط لها، دون أن تقطعها تلك العوائق والمناوشات اليومية المرتبطة بالعمل والأسرة والكتابة والأصدقاء، ولهذا فقد ظلت هذه الكتابة المنشودة حلما مؤجلا، لا أريد ألمس جلده أو أفسد خميرته، إلى متى؟ الله وحده يعلم!

غير أن أمورا تحدث للواحد منا، أمورا غير مرئية لكنها، مؤثرة، تجعله غير قادر على الهروب أو التأجيل أو المراوغة تحاصره وتضع أحاسيسه ومناطق تفكيره ورؤاه فى مربع مضغوط، قد يكون حلما أو ذكرى أو مقالا متقن الإنشاء لكاتب مغرض، فيجد هذا الواحد، وهو أنا فى هذه المرة – نفسه لا يفكر ولا يأكل ولا يشرب إلا تحت سطوة وهالة مثل هذا اليوم، يوم غريب لم يره أصحاب التدوينات التاريخية باسم التصحيح، ولم يدركه كل ذوى القدرة فى الإنشاء التاريخى الحديث، ولم ينتبه إليه من شاهدوه أو لمسوه أو حكى لهم عنه، يوم يخرج على كل وجهات النظر المطروحة لحساب التعصب لعبد الناصر أو المناوئة المعادية لعبد الناصرّ
كان 5 يونيو 1967 الشهير، قد مضى بطائراته وقصفه وادعاءات الإعلام المصرى بتحقيق الانتصار المطلوب – أو رد الهجوم الغادر- للقوات الإسرائيلية، وأول من انتبه إلى خطورة ما يحدث، هو المهندس محمد حافظ فى الساعة الحادية عشرة صباحا، والذى كان رئيسى فى منطقة (عملية الطمية) وكنت مرافقه فى سيارته من العملية فى الصحراء الغربية إلى المكاتب الإدارية بجوار مشروع السد العالي، وكان آخر بيان منفعل بالوطنية والانتصار قد جاء من الراديو محملا بإسقاط عدد مهول من الطائرات وصل إلى مائتين وستين، فأوقف السيارة جانبا ونظر إلى الأفق – حيث كان السد العالى قد وصل إلى مرحلة عالية من التنفيذ – وقال بوضوح: أنا غير مطمئن، ثم صمت قليلا وهمس: كم طائرة هاجمتنا لنسقط منها هذا العدد؟ وأضاف: ربنا يجعل العواقب سليمة!

ولم يبارحنى هذا القلق الذى تسرب واضحا من المهندس حافظ، إذ أنى أعرف عنه – من خبرة طويلة فى العمل والتعامل والمعايشة- أنه ذكى قادر على تحليل الظواهر للوصول من غلافها المراوغ إلى البواطن غير المرئية!

ومر يوم الإثنين الشهير هذا ببياناته وانتصاراته وأناشيده.. يليه يوم الثلاثاء، فازددنا قلقا على قلق، وكانت الأنباء المروعة قد تسربت من الإذاعات الخارجية إلى الناس فى بوتقة العمل فى السد العالي، هذه البوتقة الواسعة التى تكاد تغطى مستطيلا أطواله « 10X 40» كيلو مترات بما يساوى مساحة قدرها 400 كيلو متر مربع ( لكى لا يتهمها أحد بأنها مسافة طويلة وليست مساحة مربعة) وبدا واضحا مدى التناقض بين الذى وقع والذى يذاع ويعلن، فاضطرب العمل فى المشروع اضطرابا واضحا، ولم يستطع يوم الثلاثاء الإجابة عن أى استفسار أو وضع أى نقط على أى حروف، بل زاد الأمر سواء أن الكثيرين تحولوا إلى أصحاب رؤى وتحليلات واستنتاجات، البعض ينتظر من الجيش الروسى أن يتدخل، والبعض استعان بالجيش الصيني، وآخرون استعانوا بالجيوش اليابانية أو الألمانية أو أية جيوش لأمم ودول ليست لها جيوش مقاتلة أصلا! لكن المؤكد أن يوم الأربعاء 7 يونيو 1967 قد جاء محملا بالنذر والشرور والعذاب، ذلك أن صباحه قد أتى بخبر أذاعته محطة إسرائيل لمن يسمع محطة إسرائيل، وتناقلته الإذاعات الأخرى بسرعة معروفة: فقد طلبت إسرائيل من العاملين فى مشروع السد العالى إخلاء الموقع كله تمهيداً لضرب محطة كهرباء السد العالى بالقنابل!

لم تكن محطة الكهرباء قد استكملت أركان وعناصر كونها محطة كهرباء، هى مجرد إنشاءات فى الصخور حول قناة التحويل وداخلها، وهى القناة التى تم شقها فى نفق تحت الجبل فى جانب، لكى تصبح مساقط مياه داخلية تستخدم فى تشغيل توربينات توليد الكهرباء! ولم يكن تم تركيب أى توربين أو أية أدوات والآلات وتوصيلات فنية!

كانت مجرد إنشاء بنائى صخرى معظمه فى باطن الجبل، ولا يوجد بها إلا معدات البناء والتخريم وتحريك الصخور، وكلها سهلة الإخفاء والتحريك كما أنها لا تتعرض للضرب بأية حال لأنها ليست فى منطقة مكشوفة!

وكان من المتوقع أن يلجأ العاملون فى المنطقة كلها إلى الهرب بعيدا ولو بالسير على الأقدام، منذ ترديد الإنذار الإسرائيلى صباح ذلك اليوم، حتى أن بعض العاملين أصابته عصبيه كاسحة فاعترض على الذين يسمعون الراديو، بل وحدثت مشاجرات أدت إلى تحطيم راديو النادى وراديو مطعم الشركة!

فى مثل هذه الحالات تنتابنى حالة من الانشقاق النفسى ما زلت أدركها وأفهمها، إذ – دائما – أفاجئ نفسى وقد انقسمت قسمين: واحد منفعل ويصرخ ويؤكد وينفى، واحد ينزوى داخلى يرقب ويمعن ويرصد فى يقظة جادة وحادة وبالغة الحساسية، ذلك أن الناس الذين اعتقدوا أنهم تجاوبوا مع الإنذار الإسرائيلي، الذين تحركوا من المواقع البعيدة مستخدمين سيارات اللورى أو على أقدامهم، وبدون واعظين من التنظيمات السياسية ولا مؤثرين من الاتحاد الاشتراكي، وبدون أى فرد يقود أية جماعة من الخمسة والثلاثين ألفا الذين يعملون فى الموقع، الأميين والجهال الذين يفكون الخط ويعملون فى مختلف الأعمال الفنية أو الترابية أو الهندسية.. المظلومين والظالمين وعمال الرمل والزلط والمتخصصين فى التفجير وفى قيادة الكراكات والبلدوزرات والسيارات، الذين يعملون فى أنفاق الأرض أو على سطحها، الذين فى ورديات العمل والذين خارج الورديات، القادرين والعاجزين..الكل تحرك، كل واحد بنفسه ودون دعوة تحرك..إلى أين؟

إلى مشروع محطة الكهرباء، تلك الواقعة فى نفق التحويل، وفى عز حرارة ولهيب يونيو المشتعلة فى منطقة أسوان «حيث الشمس عمودية على مدار السرطان الذى تقع المنطقة فيه» الكل يتحرك يزأر ويصرخ ويبكى ويلعن! ثم يجلس على فتحة محطة الكهرباء، حول الفتحة الواسعة وعلى شفتيها وعلى أصداغها وتحت أنفها وفوق هامتها، كل منطقة محطة كهرباء السد العالى سواء ما كان منها داخل النفق أو خارجة أصبح محتميا بأجساد كل العاملين فى السد العالي، منذ التهاب الظهيرة فى الصخور والرمال والزلط والحديد المسلح، ودون أن يمر أحد بين كل هذا الحشد الذى يعلو على أى مشهد، ليبيع الشاى والمعسل والطعام والماء، أجساد فقط تتحرك فى حدود أن يجد كل جسد المساحة التى تصلح مستقرا ساخنا، ودون اعتبار لما قد يدور فى الذهن- وقد دار بالفعل الجزء المنشق مني: ماذا يمكن أن تفعل هذه الأجساد العزلاء إزاء قنابل الفانتوم والميراج؟!
يدور هذا فى العقول دون أن يتجرأ أحد ويعلنه جهرا.. يكفى هذا الشعور الجمعى الذى هيمن على الناس بمختلف قدراتهم ووعيهم وإدراكهم، أن هذا المشروع هو ملك للناس، وليس لأحد آخر حتى لو كان عبد الناصر، لم يقولوا ذلك لكنهم فعلوه!

وقد ظللنا ننظر إلى السماء طوال ذلك النهار الملتهب، ثم عندما حل الليل، حيث لم يغادر أحد مكانه، حتى آخر الليل، ودون اضطراب لظهور طائرات اقتربت أو ابتعدت، لقد ظل المشهد الرهيب رهيبا!
دعنا الآن مما حدث فى اليوم التالي، أو الذى تلاه، أى يوم تنحى عبد الناصر وما كتبه المحللون والقوالون والخباصون والزاعمون أنه حدث – بتأثير من قيادة التنظيم السياسى – ودعنا أيضا مما حدث بعد ذلك بثلاث سنوات فى 28 سبتمبر 1970 يوم رحيل عبد الناصر نفسه، إذ إن العاطفة قد لعبت دورا فيه قبل أى تنظيم سياسى بالتأكيد.

أما ما حدث يوم الإنذار بتدمير محطة كهرباء السد العالى، فقد كان خارج قدرات العاطفة والانفعال وأية تنظيمات معروفة فى التاريخ! لقد كان يوما رهيبا وعظيما، وأعظم ما فيه أن جميع الكتّاب لم يدركوه، ولم ينتبهوا له، لأنه خارج قدراتهم المحدودة أيضا.

الرواية التى لم يكتبها مستجاب
لسنوات طوال، ومنذ رحيل أبى فى يونيو 2005، وأنا أتعثر بالكثير من الأفكار بداخلى ناحية السد العالي، خصوصا أن مستجاب الأب، يشعر بالتقصير لأنه لم يكتب روايته المأمولة عن السد العالي، فقد ظل لسنوات يعتبر مشروع السد العالى خميرته الخصوصية وزاده الإبداعى الذى ينتظر الفرصة كى يسجله أو يكتبه فى روايته تلك.

ولم أجد أحدا فى الحقيقة لديه هذا الولع وهذا الانجذاب ناحية مشروع عمل فيه، فالسد العالى بالنسبة لمستجاب الأب، هو الإنقاذ من حياة متعثرة فقيرة عاشها هذا الولد الصغير منذ أن جاء للقاهرة فى عام 1957، فلم يجد لنفسه أى مكان أو أى موقع إلا عندما ذهب للجنوب حيث عمل مستجاب فى جميع الأعمال بمشروع السد: أعمال ترابية، وأعمال إدارية، وذلك منذ 1962 حتى عام 1970، وخلال تلك السنوات شاهد واحتك بالكثير من البشر، وللأسف كلما حاولت جمع تلك المقالات أو السطور المتفرقة عن السد العالي، يحدث شيء يقوم بتعطيلي، فربما حتى الآن لم يحن الوقت لصدور هذا العمل.

وأنا هنا أحب أن أقدم شهادة بقلم مستجاب ذاته عن السد العالي، احتفالا بالعيد الخمسين لافتتاحه، والتى كلما قرأتها أشعر بهذا الإنجاز العظيم الذى تم، وأشعر بالحيرة والغضب بأنه لم يكتب روايته تلك، وأشعر بالغضب من نفسى أننى لم أستطع حتى الآن جمع تلك الأفكار فى عمل إبداعى.


الكاتب والروائي محمد مستجاب



كلهم كانوا «حراجى» وأبى أولهم

سيد محمود

«إيه يعنى لما الواحد يزرع وردة يا حراجى/ والناس ما تشوفهاش.. ولا تتنفسهاش/ انتو زرعتوا الوردة واحنا نشممها للناس» هذا ما كتبه الشاعر الراحل الكبير عبد الرحمن الأبنودى فى ديوانه الشهير «جوابات حراجى القط» تعبيرا عن الدور الذى لعبه بسطاء الناس فى ملحمة السد العالى، فقد خاض هؤلاء تجربة المشاركة والبناء آملين فى بلوغ «الأثر» الذى تتركه الوردة، إنه عطر السيرة.
نشأت فى بيت صعيدى داخل القاهرة ، ويمكن أن تقول إن بيتنا كان قرية بكافة معالمها، ربما اختلفت أدوات العيش، لكن أنماط التفكير توقفت عند أماكن الخطوة الأولى.
والمفارقة الأهم أن أبى عاش فى القاهرة لأكثر من نصف قرن، وعلى الرغم من ذلك لم يتخل أبدا، عن لهجته الصعيدية ولا خلع جلبابه البلدى إلا فى المرات التى كان يلبس فيها «بدلة الشغل»، وحين كبرت عرفت أن اعتزازه بتلك اللهجة كان آلية دفاعية لمواجهة زحام «المدينة الكبيرة «وما يطرحه من تحديات العيش فى «مدينة بلا قلب».

جاء أبى شابا لينخرط فى ملحمة بناء أخرى ضمن جحافل من العمال الريفيين، الذين وفدوا إلى حلوان للعمل فى المصانع الحربية التى كانت تنهض وتعيد رسم ملامح المدينة التى كانت «مشتى» الأرستقراطية التقليدية وتغير فى تركيبتها السكانية.

فى أوقات كثيرة كنت أستمع إلى الأبنودى يلقى أشعاره فى «إذاعة الشعب» بناء على طلب والدى الذى كان يحفظ السيرة الهلالية كاملة ويرددها خلف جابر أبو حسين وسيد الضوى الذى كان يشبهه تماما.
وعبر تلك الوسيلة نجح فى ترسيخ «هويتي» الصعيدية وتعزيز انتمائى لفضاء جغرافى وعائلى كان بمنطق الجغرافيا بعيداً تماما عن مخيلتى، لكنه قرب يدى.

ومن يقرأ شعر الأبنودى يعرف أن لديه أكثر من ديوان شعرى، يمكن عبرها الاستدلال على هويته الصعيدية ولهجته التى استعملها على عكس أبى كإشارة «تمييز» أو «علامة تجارية « تشير إلى اختلافه فى الأوساط الأدبية، وتعزز صورته كـ «صوت خاص» عند مقارنته مع أى شاعر من شعراء جيله.

وطوال سنوات أدت «لهجة» أبى القناوية أكثر من وظيفة، فقد كانت التعبير الصريح عن انتماء ورسوخ وهوية يسهل استدعاؤها فى محيط مدينة حفلت بهويات متفاعلة ومتصارعة أحيانا، وكان سكانها الوافدون يفاخرون بأصولهم الأولى ومن ناحية أخرى صنعت تلك اللهجة مسافة مع المدينة كان على أن أتجاوزها دائما لأعزز انتمائى الشخصى إلى مدينة القاهرة التى ولدت فيها وصرت أعرفها مثل كف يدي.

ورغم مفارقة الهوية تلك، بقيت محتفظا بالأثر الذى تركته عندى «جوابات حراجى القط» وقت أن استمعت إليها لأول مرة بصوت صاحبها، فقد فهمت أن محبة أبى لهذا الديوان جاءت من شعوره بالتماهى مع البطل، فقد ظل طويلا يعتقد أن لا فرق بينه وبين «حراجى» الذى استعار الأبنودى صوته، وبفضل هذه الاستعارة تمتع فى بيتنا بمكانة خاصة لم تهتز أبدا، حتى إن صورتى لدى أبى قد اختلفت وصار أكثر اطمئنانا بعد أن اتصل بى الأبنودى فى بيتنا لأول مرة ليسأل عني، ورد أبى على اتصاله بالمصادفة التى طورها الشاعر الكبير، وصار يعامله فى كل اتصال كصديقين بينهما الكثير من الذكريات المشتركة، وهى سمة لم يكررها سوى الراحل خيرى شلبى الذى كان يعتنى بتنمية ما بينه وبين أبي، عناية لا مثيل لها.

وظل صاحب ديوان «وجوه على الشط « يتصل بى ليسأل عن أبى ويبنى معه أنهارا من الذكريات، يدققان معا فى سيرة أماكن ووقائع لا أعلم عنها أى شيء سوى أن الأبنودى عمل فى شبابه كاتبا بمحكمة «دشنا» وهى المدينة التى ولد فيها أبى وعاش صباه والتى أعود إليها فى مناسبات متباعدة، مفتشا فى الوجوه التى خلدها الأبنودى فى ملاحمه التى توالت منذ أن جاء القاهرة أوائل الستينيات.

ومن يقرأ دواوينه «عماليات» أو»وجوه على الشط» أو «سيرة أحمد سماعين» لابد وأن يكون قد التقى أو تعرف بهؤلاء الذين فروا من ضيق الرزق فى الصعيد إلى فضاءات أخرى، حملوها بأحلامهم ومنحتهم صكا دائما ب»الاغتراب» سواء المارين فى القاهرة أو من استقروا فى قرية الجناين على شواطئ القناة عند السويس، وميزة الأبنودى أنه أوجد لنصوصه دائما الفضاء الدرامى وبلور سياقات تراهن على طابعها الشفاهي، وعلى قدراته الفريدة فى صناعة تاريخ لشخوصه التى اعتنى برسم ملامحها وتحوت إلى بورتريهات حية.

فى مرحلة أخرى من حياتى، وتحت تأثير رغبتى فى القبول بتصنيف الأبنودى كشاعر قريب من السلطة، اعتقدت أن لهجته الشفاهية فى دواوين مثل «حراجى القط» أو «يامنة» هى لهجة تسويقية أو مجرد استعارة صوتية أو قناع بلغة النقد لمراوغة القراء، إنها «مخاتلة» شعرية.

وبفضل قراءة «سوء الظن» تصورت أنه لا يمكن لى العودة إلى «حراجى القط» من جديد، لكنى حين قرأت الديوان بعد سنوات طويلة من آخر قراءة للنص هزنى جماله وتأكد يقينى بأن الأبنودى الشاعر لا يزال كنزا مجهولا، وأن النقد تجنب نصوصه لأن جماهيريته الكبيرة حالت دون قراءته نقديا بشكل منصف، ولعلها نفس المأساة التى عانى منها شعر صلاح جاهين الذى حجبه الحضور الشخصى لصلاح جاهين «الطفل الإلهي» أو مصنع السحر الذى تعددت خطوط إنتاجه.

وربما كانت مشكلة فؤاد حداد من نوع آخر فقد تجنبه النقد لأسباب سياسية غيبت نصوصه التى تضاعفت غربتها بسبب غزارتها، مما فاقم من حجم المشكلة، فهذا الإنتاج الغزير حال دوما دون قراءة منصفة.
أول ما يلفت النظر فى الديوان، البناء الذكى فى التعامل مع صوتين رئيسيين، الأول لرجل صعيدى هو حراجى، يغادر قنا إلى أسوان للعمل فى السد العالى، ويرسل خطاباته إلى زوجته «فاطنة» التى بقيت فى القرية ترعى ابنته»عزيزة» وابنه «عيد».

والصوت الثانى للزوجة (فاطنة) أحمد عبد الغفار التى تكشف فى ردودها على خطابات الزوج، ليس فقط عن لوعة وشوق عاشقة، وإنما تشير إلى طريقتها فى إدارة شئون البيت وصون العرض وتدريجيا يتسع العالم ليشمل أصواتا أخرى ترسم المسار الجديد الذى يعيشه الزوج بين بناة السد العالى وتفتح الأفق الذى لا حل لزوجة بعد أن اضطرت للقيام بأعباء كان ينهض الزوج لإدارتها فى القرية، فضلا عن مهمة أخرى هى الإخبار عن عالم الزوج أمام نساء القرية من خلال الحكايات، وعملية التلقين التى كانت تؤديها وهى تنقل خطاب التغيير.

وتسمح تقنية تعدد الأصوات التى يجيدها الأبنودى فى النص بإدراك طبيعة المفارقات الدرامية بداخله، فهو يبنى عقدا ويخلق أزمات بعد أن تباين العالمان واختلفت المساعى لتكشف عتبات انتقال مجتمع الصعيد، بل مصر كلها إلى عالم جديد يخلقه الحلم ببناء السد.

ولا ينطلق الأبنودى من تصور مثالى عن التجربة، ولا يعزز لدى القارئ مفهوم الحلم منذ الصفحات الأولى، وإنما يأخذه فى رحلة مع حراجى ليكتشفا معا حجم التغيير، ليس فقط فى جغرافيا المكان، حين يكتشف حراجى اتساع النيل أو قسوة الجبل ومحاولات ترويضهما لصالح الكيان الجديد، وإنما بالتأكيد أن الدافع الرئيسى لوجود حراجى ورفاقه فى المكان يتعلق بطلب الرزق والعيش الأفضل.

وداخل التجربة يكتشف القارئ أن بلوغ ذلك الهدف كان يتطلب نوعا من الإيمان بجدوى التجربة التى تتحول إلى حلم، وميزة النص الرئيسية، أنه لم يرهن تحقيق هذا الحلم بإرادة الزعيم جمال عبد الناصر بقدر ما رهنه بقدرة شعب وترسخ هذا المفهوم لدى الأبنودى القادم من خلفية يسارية كان أصحابها على مسافة نقدية من التجربة، ولا يرغبون فى الانخراط فى حمى الإيمان بالبطل الفرد وتزكى دائما فكرة الجموع وقد يلحظ القارئ احتفال النص بفكرة «الجماعة»ويدافع عن تنوعها، فقد وفد أفرادها من بيئات مختلفة لغرض واحد هو»الرزق» الذى يرتبط بمعنى الحلم والمصلحة وتدريجيا تتسع الفكرة لشركاء تجربة البناء من الخبراء الروس الذين شاركوا فى التجربة ويقول: (الناس دى يا فاطنة مش مجبورة على الشغل عشان روحها / مجبورة عشانا احنا / نقف على رجلينا ويبقى الواحد مننا حر).

وهكذا تتلقى الجماعة من النص الشعرى الدوار قيمة أخرى من قيم التجربة وهى الاستقلال الوطنى والتحرر من استغلال الاستعمار.
وطوال صفحات الديوان ينتقل القارئ بين ما يعيشه حراجى من تحولات وما تعيشه فاطمة ومع اتساع العالمين، تبدل الأولويات، فيصبح العلم هو الشاغل الرئيس لحراجى الراغب فى التحرر من مهامه القديمة والارتباط بحلم العلم ليتحول من «فلاح أجير» يعمل فى أرض الغير إلى «أسطى» يعمل لصالح البلد.

ينقل حراجى عبر رسائله لفاطمة سلسلة من التوقعات ويدعم فكرة ذهاب ابنه «عيد» إلى «كتاب القرية» ليتلقى تعليما أوليا يتطور من فى مسار النص ليصبح تعليما حقيقيا، لأن النماذج التى احتك بها فى تجربته الجديدة كانوا من المتعلمين، وأولهم المهندس (طلعت) الذى يعلمه قيمة الكلام ويقرن التعليم بالصعود الطبقى وتحسين الأوضاع وهى قيمة ترجمتها شعارات ثورة يوليو على الأرض فعليا، ومع ذلك قد تتراجع قوة هذا الإيمان أو تخفت قليلا حين تصل إلى الرأسمالية الطفيلية التى يمثلها (جشع المقاولين) (حسين العكرش يا فاطنة / ده هو اللى بانفد من ايده ولادي/ عزيزة وعيد لازم يكبروا فى طريق تاني).

اختار الأبنودى الشاعر أن يكون معبرا عن صوت الجماعة وفى الوقت نفسه يكشف الديوان عن القيمة الأهم للعلم، كمدخل التنمية عبر إشاراته المتكررة لما تفعل التكنولوجيا مع «الديناميت» والأوناش يقول الشاعر: «السد يا فاطنة فتح عينى ع الدنيا/ زى ما اكون طلعنى للنور من بير/ علمنى كتير ويوماتى بيعلمنى كتير».

أو كما يقول بوضوح: (العلم يا فاطنة العلم / العلم دا أمره غريب / دماغات زى الدماغات اللى فى جبلاية الفار/ لا عين زايدة ولا دون لكن بتسوى الأعاجيب) وهكذا تتحول جبلاية الفار إلى أمثولة للعالم القديم الذى ينبغى التخلص من قيمه السلبية والانطلاق إلى العالم الجديد المفتوح على أفق التجربة وغرابتها، لدرجة أن حراجى يتجاوز فاطنة التى يقتلها الشوق وتدعوه للعودة إلى القرية، وقد تحولت إلى (هدهد ناشف متعلق على خشب الباب) ثم يدافع عن ارتباطه بالمشروع وهو ارتباط الفرد والجماعة : (إن سبت السد وقعت فى البير تاني/ ده أنا حتى ساعات بأحدت نفسى وأقول يكونشى السد دا عاملينه عشانى / علشان يا حراجى تعرف قيمتك وتفتح على الكون والناس) العلم كما يظهره الديوان (العلم يحقق الأحلام) (الجهل يا فاطنة مريح).

أما فاطمة، فهى تختصر اللوعة والشوق وتقول: «يا حراجى يا أغلى من قشرة عينى وحيطان بيتى وولدي/ ربنا يتاقى لك فى عيالك وف مالك ولا يقفل قدامك سكة ولا يقطع لك مشوار).

والقصد هنا دعم فكرة السعى ودون أن يدرى يعزز الديوان من فكرة تقدمية حول مسئولية المرأة ودورها لأن زوجها يترك لها مطلق الحرية فى إدارة شئونها فهى تقول له: «من يوم ما خدتنى يا حراجى وأنت مكبرنى فى عين الناس، ومحسسنى إنى ست الكل» وفى مقاطع أخرى تطالب فاطنة بالمشاركة فى العمل داخل موقع السد وتناهض خطابات التمييز على أساس النوع (اشمعنى الشغل تمللى للرجال/ أمال الناس كانت راح تعمل كيف/ لوربنا بس خالقها كلها نسوان) لذلك ينتهى الديوان وفاطنة تعمل فى الغيط محل زوجها وتعمل غيط كمون وتكتب له (دلوقت الكمون خضر وأنا حاحكى لك أخباره أولاً بأول وانت تكلمنى ع اللى عمللته فى أسوان).

يرفض حراجى العودة إلا بعد اكتمال الحلم حاسما ومؤكدا (اللى مخوفنى من الجية حداكم/ لا اتبعتر بين الراحة وخلو البال والجهل/ وبين المعرفة والعلم اللى دخل دمي).

وينهى الديوان قائلا: أغلى ما عندى زارعه فى جبال أسوان/ شايفه بعين العمر يكبر/ شايفه بيخضر وتزهر فيافيه/ كيف ابنى بيت ما سكنتش فيه/ يا فاطنة أنا خدام السد/ ده أنا أطلق دقنى واتصوف واعمله خلوه واتعبد فيه).

ما أحدثه السد واضح وعبر عنه بالقول الحاسم (حراجى عرف السر/ عرف المعنى التانى للخير والشر/ عرف المعنى التانى للحب وللبر/ كشف الكتشينة وشاف / الشوف خلاه استقوى وخلاه خاف).

والخوف هنا على التجربة التى تتحرر من ارتباطها بفرد، لتصبح تجربة الشعب، وهذه هى القيمة الأسمى للسد العالي.


الكاتب والروائي محمد مستجاب


عن «إنسان السد العالى».. تجربة أشخاص «هدهم الفقر»

دنيا كمال القلش

«الله الله.. هيلا هيلا.. يا واقف تحت الشمس عشان الحفنة تصير كيلة..
الله الله.. هيلا هوبة.. يا طابع ايدك فوق بوابة الشمس الخضرا أمانى ومحبة..
اعمل لى من الحبة قبة.. واعمل لى من جيل الراحة مليون عيلة.. الله الله يا حليلة..»
فى عام 1965 وبهذه الأبيات للشاعر عبد الرحمن الأبنودى افتتح والدى كتاب «إنسان السد العالى» مع مقدمة مفصلة تحمل عنوان (أصعب كتاب فى العالم!) أما أنا فقرأت نفس الكلمات بعد ثلاثين عاما من كتابتها، فى تسعينيات القرن، وأنا أستلقى فى غرفة مريحة بأحد أحياء القاهرة التى لم تكن مزدحمة قدر اليوم حينها.

دارت فى رأسى عشرات الأسئلة وقتها وأنا مراهقة، لا أفهم لماذا قرر والدى مع اثنين من أصدقائه المقربين ورفقاء سجنه، الكتابة عن مشروع قومى تروّج له الدولة بقوة، وأتذكر أن مشاعرى كانت مختلطة تجاه المشروع نفسه مع كل تفاصيل نقل أهالى النوبة من بيوتهم بسبب مشروع بناء السد العالى.

لم يكن والدى مرتبكا تجاه تجربته وقتها ولا بعدها بثلاثين عاما، كانت لديه عشرات الحكايات حول المهمة التى حزم من أجلها حقائبه، وذهب مع رفاقه إلى أسوان فى قيظ صيف يونيو، فبالنسبة لهم كان لابد للتجربة أن يتخللها أى قدر من المعاناة، فإن لم نستطع أن نموت فى المعتقل أو السد، فلندع شمس أسوان الحارقة تقوم بالمهمة، كان ثلاثتهم عاشقين للمعاناة، حتى إن لم تكن ضرورية فى بعض الأحيان.

ومع أسئلتى المتشككة عن طبيعة الكتابة، قابل والدى اتهاماتى الخرقاء بكثير من الضحك والسخرية شارحًا لى قدر الإيمان والفخر الذى حملوه معهم إلى حر أسوان، كان والدى ورفاقه يرون المشروع كأعظم مشروع مصرى فى تاريخ مصر الحديثة، كان تركيزهم طوال الوقت فى الحكى والكتابة عن من قابلوهم فى الأشهر القليلة التى قضوها بين خنادق ودهاليز وسقالات السد العالي، عادوا منها شاعرين بكثير من أحاسيس الذنب، لأنهم لم يستطيعوا نقل كل ما رأوه من تجارب أشخاص، نزحوا من شرق مصر وغربها للمشاركة فى بناء المشروع، الذى لم يترددوا يوما فى وصفه بالتاريخي.

كان والدى يصبغ كل شيء برومانسية محببة لا تخلو من سخرية وفكاهة، بدءا من السوق والمدينة، ليل أسوان الساحر، مشاهد النيل المهيبة، مصنع الكهرباء حتى ليالى المستشفى التى قضى فيها أياماً مع رفاقه عند إصابتهم بضربة شمس كادت تودى بحياتهم.

لم أفاجأ كثيرًا عندما حكى لى والدى عن اتجاه الثلاثة كُتّاب فى الحكي، كان صنع الله إبراهيم يركز على كل ما هو تقنى من مواتير وخزانات وخلاطات الأسمنت العملاقة، مرورًا بالتوربينات والكابلات ومحولات الكهرباء الخ، أما رؤوف مسعد، فكان يضفى لمساته التى تمزج بين التاريخ الفرعونى لمدينة أسوان القديمة، وحاضرها الذى عاصروه فى الثلاثة أشهر التى عايشوا فيها بعض مراحل مشروع البناء، أما أبى فبالطبع لم يستطع سوى الكتابة عن الناس، عن الوجوه والأعين التى تحيط بها هالات سوداء من قلة النوم، عن العزم والإصرار وحتى نوبات اليأس والإرهاق التى لم تخل منها أيام من عملوا فى البناء، آلاف الأشخاص لم تخل منها حكاياته، تذكرهم حتى أيامه الأخيرة.

حكى لى والدى كثيرًا عن الإنتاج، عن روعة أن يكون الشخص مُنتجًا، عن الفخر الذى يشعر به المرء عندما يجد أن هناك ما صنعه بيديه، وعن لحظة النشوة التى تصاحب رؤية هذا المنتج قائمًا، ناجحًا، وأن على الرغم من مشاركة الآلاف فى بنائه، إلا أن كل شخص يشعر بملكيته الخصوصا وكأنه بناه وحده.

حكى لى والدى أيضًا الكثير من الحكايات الطريفة عن الأيام الصعبة التى قضاها مع رفاقه فى غرفتهم الضيقة بأسوان، عن معاناتهم مع قلة الأموال التى كان يتسلم مسئوليتها بحزم شديد الروائى صنع الله إبراهيم بصفته أكثرهم إحساسًا بالمسئولية تجاه الأمور المادية والتى كانوا يمزحون أنه كاد أن يضع لهم نقود الغداء اليومى داخل حذاء أحدهم ليقول: «الفلوس آهيه ع الجزمة» سمعت عشرات الحكايات عن أشخاص قابلوهم من عُمال ومهندسين وممثلين مغمورين ومزارعين وطباخين وغيرهم، عشرات الأسر والزوجات والأطفال جمعهم موقع بناء واحد وحلم أصيل وثلاثة كُتاب شُبان يؤمنون بأن البشر قادرون على المستحيل.

بعد سنوات من قراءة كتاب «إنسان السد العالي» لم تعد الأسئلة الوجودية تشغلني، لم أعد متشككة فى الغرض من الكتابة عن المشروع وبالتأكيد تصالحت كثيرًا مع فكرة الإيمان بمشروع قومى فى ستينيات القرن، ربما يعد ضربًا من الحماقة إن لم نتفهم اليوم ما شعر به آباؤنا منذ ستين سنة، السد لا يزال واقفًا حتى اليوم فى أسوان، والحكايات الكثير منها لا يزال حاضرًا فى أوراق كل من كتبوا عن أبطالها من قصص وكتب وأشعار وقصاصات.

لم تخل الحكايات أبدًا من أسى الفقد، فكلما كانت الحكاية تصل إلى منتهى الفخر بقصص كل من قابلهم والدى فى موقع السد، كانت إحدى حكايات من فقدوا «النيل والسمك والنخيل» مثلما تقول الحكاية وقبل كل هذا فقدوا البيت والراحة وربما حياتهم بأكملها تأخذ دورها فى الحكي، لم تخل الحكايات أبدًا من ألم كل من هُجر واضطر إلى الرحيل ليعطى المجال لحياة من نوع آخر، لكن بالتأكيد هذه حكاية أخرى لا يتسع لها المجال.
فى أعوام حديثة وظروف قد تكون أصعب، أقرأ اليوم «إنسان السد العالي» لأتونس بأشخاص لم أقابلهم، لكنى أعرفهم أكثر مما أتصور، أشخاص بسطاء، ليسوا مثاليين ويتخلل حكاياتهم الكثير من الفقر والإرهاق، لم يختر جميعهم الذهاب لمواجهة تلك الأيام الصعبة فى جنوب مصر، ولكن ذهبت بهم الظروف كى يتسببوا فى إلهام أشخاص لم يقابلوهم أبدًا، الإصرار على الحياة بعد عشرات السنوات.

مع كل الاختلاف والظروف المتغيرة والسنوات التى مضت، والأحلام التى انتهت صلاحيتها فى ألفينات القرن، تظل أكثر القصص إلهامًا هى قصص البشر، هؤلاء العاديون الذين يمتلكون صفات خارقة لا يعرفون أنها لديهم، هؤلاء الذين امتلأت بهم صفحات كتاب من القطع المستطيل يحمل رسومات كروكية لأيام تبقى منها ليل أسوان الساحر وصباحها المشمس وأسماء كل من مروا مرورًا يستحق الوقوف عنده وتحية أحلامهم، حتى إن كانت اليوم منتهية الصلاحية.
 

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة