آراء

فلسفة التنوير الغربي

2-2-2021 | 11:13

لعصور طويلة شكلت الحقبة التقليدية، كان السؤال الفلسفى أنطولوجيا بالأساس، يدور حول الوجود: ما سره وأصله؟، ما هو مغزى الخلق ومصير المخلوقات؟.


ولم يكن متصورا أن يأتى الجواب بعيدا عن أحد اتجاهين:

أولهما قام على نمط التفكير السحرى، حيث كان العقل الأسطوري الذى ساد طيلة المرحلة البدائية فى تاريخ الحضارة خصوصا عصرى الصيد والرعي.

وثانيهما قام على نمط التفكير الدينى، حيث كان العقل النقلى الاتباعى، الذى شارك الفلسفات التأملية الكلاسيكية، فى الهيمنة على الحقبة المحورية، قلب عصر الزراعي، فى تاريخ الحضارة.

فى المرحلة الأولى البدائية أنتج العقل الخرافى أساطيره عن العلاقة بين الخالق والإنسان والطبيعة، بنيت جميعها على رؤي سحرية، وتصورت وجود علاقة عضوية أو شبه عضوية بينها، فالخالق قوة سحرية كبرى حالة فى الكون، والإنسان جزء من الطبيعة، أو قادر على خطابها والحوار معها، وهكذا.

وفى المرحلة الثانية المحورية هيمن العقل النقلي/ الاتباعي المهجوس أساسا بالأخلاق والفضائل، والذى تبنى تصورات الكتب المقدسة عن العلاقة بين الله والإنسان والطبيعة، والتي تنهض جميعها على أساس التمايز الوجودي: فالإله متعال، خلق الكون وارتفع فوقه أو تسامى عليه. والإنسان أرقى من الطبيعة، مستخلف عليها، قادر على حوارها ولكن ليس مباشرة، وإنما عبر الواسطة الإلهية، فالطبيعة هي دليل الإنسان على وجود الله، والله هو دليل الإنسان إلى فهم الطبيعة. أما الحقبة الحديثة، فسادها نمط تفكير عقلاني، ومن ثم أخذ سؤال الوجود يتوارى خلف أسئلة المعرفة، خصوصا حول مصدرها، أهو العقل وما ينطوي عليه من مبادئ عامة كلية أو فطرية؟. أم هو الحس والتجربة؟.

وأيضا حدود المعرفة وهل هي مطلقة، قادرة على بلوغ اليقين إزاء كل القضايا أم نسبية، محصورة في دائرة الاحتمال والترجيح؟.

لقد ساد التفكير العلمي، وبات سؤال الحقيقة أكثر تحديدا وتواضعا، يطمح إلى فهم العالم الطبيعي وليس الإحاطة بالوجود الشامل.

ومن ثم ولد التنوير كحركة فكرية تبحث عن حديثة للوجود ظلت تنمو وتتسع لنحو القرنين، انطلاقا من عِلم جاليليو الطبيعي، وفلسفة ديكارت المثالية، وقوانين نيوتن الفيزيائية عن كون متسق وثابت يمكن معرفته على وجه اليقين، وجميعها جهود تراكمت حتى بات الناس يعتقدون منذ القرن الثامن عشر في أنهم قد اكتسبوا بالفعل رؤية جديدة للعالم والتاريخ والإنسان تنطلق من العقل/ العلم وليس من الإيمان/ الدين وحده.

غير أن ثلاث مدارس متمايزة، أو فلسفات مختلفة برزت في سياق هذا الأسلوب الجديد فى البحث عن الحقيقة، كان لكل منها طريقتها المائزة فى الدمج والتركيب بين العقل والإيمان. المدرسة الأولى تمثلت في (المثالية الذاتية)، التى يمكن اعتبارها جسرا ربط بين بدايات الحداثة مع فكر العصر التقليدى، وتقول إن المعرفة تنبع من العقل وتصب فيه، فهو المبدأ والغاية، البداية والنهاية. وهنا تدور المعرفة حول قوانين العقل المنطقية، ومبادئه الكلية.

إنها إذن المدرسة التي تعلى من شأن العقل على حساب الحس في عملية المعرفة، وتدعى بأن تصوراتنا عن الحقيقة (رؤيتنا للعالم والواقع) نابعة من أذهاننا نحن، لا من الظواهر الخارجية. ومن ثم تصوغ (عقلانية مثالية) لا تكترث بالواقع التجريبي كما كان الأمر مع المثاليين الكبار خصوصا مالبرانش وباسكال وليبنتز في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

والمدرسة الثانية هى (التجريبية الحسية) التى ولدت من رحم فرنسيس بيكون وتشكلت مع جون لوك ونمت مع ديفيد هيوم والوضعيين الانجليز ثم الوضعيين المناطقة، وتقول إن المعرفة تنبع من الحواس الخمس مباشرة، وليس من العقل الإنساني الذي لا يعدو أن يكون مجرد سطح أملس، لا يملك أي تصورات خاصة أو مبادئ كلية، ولا تصدر معارفه عن أي إمكانات ذاتية، بل تأتيه من خارجه، حيث الواقع الحسي الصلب هو ما يرفده بحدوس تجريبية لا يتدخل فيها إلا بحسبه أداة تبويب ورصد.

هنا نصبح أمام عقلانية مادية (وضعية متطرفة) لا تعترف إلا بما تلتقطه الحواس مباشرة من ماهيات وأشياء، ولا تثمن سوى الاستقراء التجريبي، بينما تدير ظهرها لكل المقولات والمبادئ التي تعلو على عالم الأشياء، ما يعنى تجاهل مبادئ العقل الكلية نفسها، وبالذات عدم التناقض، وكذلك المقولات الميتافيزيقية من قبيل الأفكار الفطرية التي يذهب كثيرون إلى أنها الحاضنة الأساسية للإيمان، باعتباره الجانب الغيبي من الوجود الإنساني.

أما المدرسة الثالثة فهى (المثالية التجريبية)، التي ترى فعل المعرفة نتاجا لنشاط الحواس والعقل معا، حيث تصل إلى العقل حدوث تجريبية عن أشياء مادية، يُعمل فيها العقل قوانينه ومبادئه الكلية، التي تنطوي على مقولات (وسائط للفهم والتأمل والتحليل) من قبيل: الزمان والمكان والعلية، تنظم الواقع وتجعله قابلا للفهم. هنا نجد أن الواقع المادي/ الحسي قائم ومعترف به اعترافا كاملا، جذرا لحقيقة يشترك فيه الجميع، ولكنه يعطينا فقط انطباعات أو مدركات حسية لا يمكن فهمها أو تحويلها إلى أفكار إلا من خلال العقل البشرى. نعم تبدأ المعرفة من الحواس الإنسانية التي تنقل إلينا تصورات أولية بسيطة عن أشياء واقعية، لكنها لا تكتمل من دون فعالية العقل، القادر على أن يُعمل فيها قوانينه ومبادئه، وصولا للاستدلالات الكلية والنظريات المعرفية.

هكذا يدور العالم الطبيعي في فلك العقل الإنساني، الذي احتل موقع المركز في عملية الفهم، مثلما تدور الأرض حول الشمس التي احتلت موقع المركز في النظام الفلكي، وتصير المعرفة بمثابة تأويل مستمر لواقع يحيط بالإنسان وليست مجرد اكتساب معلومات دقيقة عن هذا الواقع، عبر إشارات حسية نتلقاها هكذا مباشرة وببساطة، أو مجرد تراكيب ذهنية صافيه منبعها الخيال النفسي والاستبطان الذاتي. نحن هنا أمام (عقلانية نقدية) أسس لها إيمانويل كانط، تتوسط بين المثالية الذاتية المتمركزة حول العقل وحده، والتجريبية الحسية المتمركزة حول الواقع المادي وحده، تعول على الاستدلال المنطقي والاستقراء التجريبي معا.

نقلاً عن

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة