آراء

الخيط الرفيع بين الثورة والمؤامرة

31-1-2021 | 09:48

ليست حكاية مملة ولا سفسطة فارغة ولا سؤالا خبيثا يواجهنا كل عام مع ٢٥ يناير‪.‬ هل ما حدث فى عام ٢٠١١ مؤامرة أم ثورة؟ على العكس هو سؤال جوهرى، يشبه سؤال «صابر» بطل رواية الطريق لنجيب محفوظ عن أصله وفصله، عن أبيه الذى لا يعرفه ولم يره منذ مولده، وإذا كان صابر قد عجز عن الإجابة، وانحرف عن الطريق إلى حبل المشنقة، فالسؤال عن يناير هو محاولة دءوب لنتجنب مصير صابر.

نعم يمكن للأمم أيضا أن تفقد البوصلة وتنحرف عن الطريق وتُشنق فى حبال الأكاذيب المعلقة حول تاريخها، عندما لا تعرف أصل وفصل أحداثها العظيمة، أو يختلط عليها الأمر فى تفسيرها، ويصورها البعض سواء كان منتفعا أو صادقا بأنها كانت ضحية للذئاب الجائعة التى نهشت شرفها الوطنى.

والسؤال بالفعل يمس ملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين فى كل مصر، مرددين شعارا نبيلا: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، غير ملايين غيرهم وقفوا فى الشبابيك والشرفات أو أمام منازلهم يلوحون بالأعلام ويهتفون: تحيا مصر.

هل كان هؤلاء جزءا من المؤامرة؟ بالطبع لا ننكر المؤامرة، وعليها دلائل ووثائق ودراسات ووقائع وتسريبات، لكنها مؤامرة تخص أصحابها ولا تخص عموم الشعب المصرى، المصريون الذى خرجوا رافضين أوضاعا سيئة فى وطنهم: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، كانوا ينادون بوطن أكثر عدلا وأمنا وحرية، وطن يسوده قانون صارم، يتساوى فيه الجميع حقوقا وواجبات، لا فرق بين أحد منهم بسبب اللون أو الدين أو الثروة أو المكانة الاجتماعية أو الانتماء السياسى، وتُوزع فيه عوائد التنمية بإنصاف يجعله محلا للسعادة لكل أفراده. نعم كانت كل أسباب الثورة ترعوى فى تربة المجتمع المصرى، ربما  بدأت مع مظاهرات يناير ١٩٧٧، التى سماها المصريون انتفاضة الخبز، واسمتها السلطة انتفاضة الحرامية، فالناس لا تفهم فى  نظريات علم الاقتصاد من عرض وطلب، إنتاج واستهلاك، ولا يستوعبون ميزان المدفوعات أو عجز الموازنة أو معدل الأمان الائتمانى أو التضخم التراكمى، فهم يعيشون حياتهم يوما بيوم، ولهم حاجات واحتياجات، من أكل وشرب ومسكن وملبس وتعليم وعمل وعلاج وانتقالات ثم ترفيه لو أمكن، فإذا كانت أحوال هذه الاحتياجات جيدة أو مقبولة أو الفارق بين المطلوب والمتاح يمكن أن يتحمله عموم الناس، تمضى بهم الأيام فى رتابة ويقبلون أيديهم حمدا لله، لكن إذا توسع الفارق بين احتياجاتهم وواقعهم يتسلل الغضب إلى نفوسهم مثل بخار فى إناء على نار هادئة، مصيره الحتمى هو الغليان فى لحظة ما، ويكون التغيير حتميا بالإصلاح أو بالعنف.

يبقى تيار المثقفين والسياسيين، وهم منقسمون بين غالبية تؤيد السلطة، لأن السلطة هى مفتاح المناصب والوظائف العليا والثروة والنفوذ، أو أقلية معارضة، والمعارضة إما منظمة فى أحزاب شرعية، أو منخرطة فى تنظيمات خاصة أو سرية، أو أفراد ناشطون فى منظمات مجتمع مدنى أو فى تجمعات صغيرة.

يهمنا هنا المعارضة خارج الأحزاب الشرعية، المعارضة الفردية وهى نوعان، نوع مصرى خالص من طين هذه الأرض حبا وولعا وحلما،  وهؤلاء على فيض الكريم وهم مثل ألونسو كيكسانو الذى ابتدعه الأديب الإسبانى ميجيل دى سيرفانتس فى روايته دون كيشوت، وفيه قدر من السذاجة دفعته أن يحارب طواحين الهواء على أنها تنانين عملاقة، وفى النهاية يكتشف أنه كان غبيا، وحين يحاول إصلاح نفسه يصاب بحمى ويموت على سريره.

الثاني: لهم ارتباطات إقليمية يسمونها قومية، ويمدهم المال النفطى بأسباب النمو والوجود البارز فى المجتمع، أو ارتباطات عالمية على أساس أن حقوق الإنسان والحريات هى من المواثيق الدولية التى لا يمكن أن يتمتع بها المصريون دون علاقات متينة مع مؤسسات عابرة للحدود فى الولايات المتحدة وأوروبا حبلها السرى داخل أجهزة مخابرات، وهى التى تمول لهم دراساتهم وندواتهم عن الديمقراطية والمعتقلات وانتهاكات حقوق الإنسان..إلخ، وهذا النوع لا يموت أبدا على طريقة دون كيشوت. ومن هنا تأتى المؤامرة التى لا علاقة للمصريين بها. بالطبع كانت بدايات ٢٥ يناير  خليطا من المؤامرة والثورة،  شباب مجهز ومدرب فى معامل الغرب ومؤسساته ومصالحه، وجرب الفكرة عام ٢٠٠٨ فى مدينة المحلة الكبرى وفشلت المظاهرات ولم ينضم إليها عمال المصانع كما خططوا، ثم جاءت حادثة خالد سعيد لتمنح هؤلاء الشباب زخما يمكن أن يبنى عليه، فحول موت خالد إلى أيقونة يدغدغ بها مشاعر عشرات الآلاف من الشباب الحالم بمصر مختلفة، شباب نقى برىء يؤمن بوطنه ومتمرد بطبعه ويريد أن يغير الواقع الذى يعانى فيه من مشكلات كثيرة فى التعليم والعمل والتحقق..ونجحت الفكرة هذه المرة.

وبعد ٢٥ يناير وجد أصحاب المؤامرة طريقا إلى أطفال الشوارع والبلطجية، الذين كانوا شرارة محاولات اقتحام وزارة الداخلية فيما عرف باسم اشتباكات محمد محمود١ واشتباكات محمد محمود ٢، والتى وصفها البعض بأنها العتبات المقدسة.

هذا جانب من ٢٥ يناير ٢٠١١. لكن الجانب الأهم هو نزول المصريين العاديين، آباء وأمهات وأجداد، مهنيين وحرفيين وموظفين وفلاحين وربات بيوت،  للميادين والشوارع فى ثورة حقيقية على أوضاع رديئة، لم يهجموا على أقسام الشرطة، ولم يقتحموا سجونا واطلقوا سراح ٢٢ الف سجين، بعضهم كان شديد الخطورة على أمن المجتمع. كان هدف المصريين مصر جديدة مختلفة..

لكن المؤامرة نجحت فى صناعة الفوضى بانضمام الإخوان إليها وتنظيمات الإرهاب التائبة، ثم تسللت الفوضى إلى الناس والمؤسسات والهيئات العامة، بعد انهيار منظومة الأمن العام، وباتت المطالب الفئوية والطائفية أوامر تطاع فورا أو تنال وعودا بالتنفيذ العاجل، ولم لا وقد طغت الانتهازية على الشخصيات العامة والسياسيين الذين كانوا فى ميدان التحرير، وراحوا يتكالبون على المغانم ويتقاسمون المناصب العامة، والثورة مازالت جنينا لم يكتمل نموه، فأراد الناس انتهاز الفرصة أيضا. نعم ثم خيط رفيع بين المؤامرة والثورة، خيط عازل بين ضفتى النهر،  ضفة الذين تآمروا، وضفة غالبية المصريين الذين خرجوا من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ولا يمكن أن يخجل المصريون مما صنعوه فى يناير ٢٠١١.

نقلاً عن

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة