آراء

التأمل فى أطلال ثورة

30-1-2021 | 11:42

منذ أربعة أعوام كتبت فى هذا المكان بعنوان «البكاء على أطلال ثورة». اليوم أكتب مرة أخرى تحت عنوان جديد. المشترك فى العنوانين هو عبارة «أطلال ثورة» أما المختلف فهو التأمل بدلاً من البكاء. فالبكاء حالةً وجدانية ورد فعل لا يتأخر كثيراً عن أسبابه، أما التأمل فحالة عقلية ونتاج التفكير فى مختلف جوانب الحدث. ولعلّ هذه المقدمة تعبر بشكل ما عن حالة النقاش الدائر فى الذكرى العاشرة لثورة يناير 2011. فالكثير مما كتبه أنصار الثورة محمولٌ بشحنة عاطفية ونفسية وكاشفٌ عن نوازع مثالية نبيلة، أما القليل فيبدو مسكوناً بعقلانية تقييم ما حدث. والواقع أن جزءاً من إشكالية تقييم ثورة يناير أن الأمر ما زال يحتاج لعمل تاريخى كبير وموثّق يتيح مناقشة اللحظات والمواقف الحاسمة بالتفصيل، لأن هذه (التفصيلات) قد تقدم أهم التفسيرات لفهم تحولات الثورة، وقد كانت حركة الثورة تتحوّل باستمرار كل يوم تقريبا.

لا يمكننا حتى اليوم الإفلات من الجدل حول المصطلح نفسه. من يحكمون على الثورة بنتائجها ينكرون على ما حدث فى 2011 وصف الثورة لأنها لم تُحدث التغيير الاجتماعى والسياسى والثقافى العميق الذى تُحدثه الثورات عادة فى حياة الشعوب. ومن يقيّمون الثورة بشرعية مطالبها ونجاحها فى إسقاط نظام الحكم القائم وقتها يتمسكون بوصف الثورة. وقد يرى البعض فيما حدث فى 2011 انتفاضة شعبية أو حركة احتجاجية واسعة، وهى حالة أقل قليلاً من الثورة وأكبر قليلاً من المظاهرة. بالمفهوم اللغوى الحرفى فما حدث فى 2011 ثورة لأن الثورة اسم مشتق من فعل ثار أى غضب وهاج وتمرد. لكن ليس بحرفية المفاهيم اللغوية تُبنى الحقائق. جزء من اللبس الحاصل فى التقييم أن مؤيدى ثورة يناير الذين شاركوا فيها وضحوا من أجلها أو تعاطفوا معها يعتبرون أن من ينكر عليها وصف الثورة إنما ينتقص من تضحياتهم ونبل مقاصدهم، وهذا استنتاج غير دقيق لأن فشل الثورة أو عدم اكتمالها كان نتيجة يتحملها أولئك الذين حاولوا توظيفها لحساباتهم وتطلعاتهم وليس ملايين المصريين الذين خرجوا منادين بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية. والواقع أن النقاش الدائر حول تقييم ثورة يناير يقفز على مسألتين مهمتين، الأولى تتعلق بالمرحلة الانتقالية والثانية خاصة بثورة يونيو/يوليو 2013 التى ما كانت لتوجد لولا ثورة 2011. ولهذا كان طبيعياً أن ينص الدستور عليهما معاً.

المسألة الأولى تتعلق بالمرحلة الانتقالية فى عامى 2011/2012 حيث كانت الثورة مستمرة فى إنتاج مفعولها، لكن لسبب ما قرر القائمون على إدارة المرحلة الانتقالية آنذاك أن يتخذوا من تيار الإسلام السياسى مفاوضاً أو ظهيراً أو حليفاً ربما لأنه كان الأكثر تنظيماً وربما تفادياً لسيناريو الفوضى الشاملة. لم يكن معروفاً من منهما الذى استغل الآخر وقام باستدراجه. ما هو معروف أن جماعة الإخوان المسلمين آنذاك آثرت خلافاً لكل النصائح الداخلية والخارجية أن تستحوّذ على البرلمان ورئاسة الدولة والحكومة وفشلت فى إشراك باقى مكوّنات الجماعة الوطنية والنخب الثورية والمدنية، وكان لحلفائها من بعض السلفيين والجهاديين تصريحات خطيرة وجارحة بحق إخوة الوطن من المسيحيين. وكانت النتيجة أنه تم إقصاء شركاء الثورة وهو الخطأ الذى لم تقع فيه حركة النهضة فى تونس ربما لأنها كانت أكثر حنكة أو لأنها استفادت من الدرس المصرى نفسه. يُضاف لما سبق واقع العجز فى إدارة شئون دولة بحجم مصر ومحاولة الاستقواء بقوى وتحالفات خارجية ذات حسابات إقليمية، واستدعاء البعد الأممى للتنظيم الدولى لحركة الإخوان المسلمين على حساب البعد الوطنى الذى يعتبر خصيصة لصيقة بمصر ويمنحها روحها المتفردة كنموذج للدولة/ الأمة الوحيدة فى منطقتها بخلاف إيران وتركيا. أفضت هذه العوامل الثلاثة إلى الفشل النهائى لمرحلة عامى 2011-2013 والذى سرعان ما أنتج حالة ثورية مضادة. لم تكن الملايين المشاركة فى ثورة يناير 2011 مسئولة عن هذا التحوّل الدرامى فى مسارها بل بدت ضحية لأكثرية النخب الحزبية والمدنية والدينية الذين حاولوا اقتسام الغنائم قبل أن يحل صباح اليوم التالي.

المسألة الثانية تتعلق بالحالة الثورية المضادة وفيها لا يمكن الفصل بين نهايات ثورة 2011 وبدايات ثورة 2013. فما حدث فى يونيو/يوليو 2013 شارك فيه كثيرون من الذين صنعوا يناير 2011وكان موجهاً بالأساس ضد الذين تولوا مقاليد الحكم باسم ثورة يناير ثم تسرعوا وحاولوا حرق مراحل التحوّل فاحترقوا هم بها. أما النخب الحزبية والمدنية فقد تصورت أن هذه هى الفرصة السانحة لإقصاء من قاموا بإقصائهم. كانت لحظة أخرى مكرّرة لمحاولة تصدر المشهد فانقلب السحر على الساحر وتجاوزت الأحداث الجميع لتبدأ الحالة الثورية الجديدة تنتج مفاعيلها بسرعة وحسم وشجاعة. تجلّى ذلك فى لملمة أوصال الدولة التى كادت تتفكك وسط قطع الدومينو المتساقطة فى المنطقة، وإعادة اكتشاف الروح الوطنية، واستعادة أراضى وثروات مصر المستباحة، وتحجيم جماعات وشبكات النهب المنظم التى ترعرعت داخل أحضان البيروقراطية الحكومية أو خارجها، وإطلاق أكبر حركة تنمية شاملة فى تاريخنا الحديث تحولّت معها مصر إلى ورشة عمل عملاقة على مدى الساعة فى طول البلاد وعرضها. لا يخلو الأمر من جدل حول بعض الأولويات، ولسنا بالطبع فى مدينة فاضلة بلا سلبيات أو عثرات خصوصاً على الصعيد الحقوقى هنا أو هناك، لكن المؤكد اليوم أن هناك يداً تبنى بهمة ويداً تدافع بجسارة عن الأخطار الخارجية المحدقة بنا من كل اتجاه.

كانت النتيجة أن حركة النهوض والتنمية الشاملة التى تهدر فى أرجاء مصر اليوم قد أربكت التقييم الدائر حول ثورة يناير 2011، وأصبح السؤال اليوم يدور حول ثنائية الثورة والإصلاح، فهناك دول حققت طفرات نهضوية مذهلة مثل الصين وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية لم تقم فيها ثورات لكنها شهدت إصلاحات وحركات تنمية كبرى وضعتها فى مصاف الدول المتقدمة بعد أن كانت أحوالها بالغة السوء فى بداية انطلاقها. لم يخرج دنج هسياو بنج مهندس التحوّل الصينى العظيم من مظاهرة كبرى فى الشارع، ولا مهاتير محمد بانى ماليزيا الحديثة، أو لى كوان يو مؤسس نهضة سنغافورة، لكن كلاً منهم كان إصلاحياً كبيراً وصاحب مشروع نهضوى تاريخى اتسم ببعد الرؤية، والجرأة، وطول النفس. كان بعد الرؤية بديلاً عن الإصلاح بالقطعة وإدارة أحوال البلد اليوم بيومه (مثلما كنا فى حقبة الثلاثين عاماً إياها) والجرأة كانت تعنى القوة والحزم وفرض الانضباط. وكان النفس الطويل يعنى الإرادة والمثابرة.

أنحنى لشهداء ثورة يناير وتضحياتهم، لكنى بعد عشر سنوات أصبحت أؤمن أن الإصلاح الجذرى العميق بلا مهادنة أو تردد فى كل أرجاء ومؤسسات الدولة هو فعل ثورى أيضاَ،وهو طريق خلاصنا الآمن الأقل تكلفة حتى نمتلك نظاماً تعليمياً حديثاً ينتج جيلاً مؤهلاً مستنيراً قادراً على التفكير النقدي، وحراكاً اقتصادياً واجتماعياً يتيح تحرير الطبقات الفقيرة من عبودية الحاجة والحرمان والأمية والمرض لتصعد من تحت الركام. تلك هى الثورة الهادئة العميقة طويلة النفس التى نبحث عنها.

نقلاً عن

العلوم الاجتماعية .. أزمة في الدور أم المكانة؟

إذا تجاوزنا مؤقتا مسألة الجدل حول تقسيمات العلوم ومعيار هذا التقسيم فإن العلوم الاجتماعية مثل القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والإعلام والفلسفة

الإصلاح التشريعي كضلع في مشروع مصر التنموي

يذكر التاريخ لنابليون بونابرت الفرنسي إنجازين كبيرين، أولهما حركة فتوحاته العسكرية لتأسيس إمبراطورية فرنسية، وهو إنجاز تجاوزه الزمن وربما طواه النسيان،

ماذا يعني القرار الأخير للمحكمة الجنائية الدولية؟

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية فى 5 فبراير الماضي قرارًا بشمول اختصاص المحكمة للأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو

متى نقولها بفخر «صُنع فى مصر»؟

حفلت صفحات الأهرام منذ فترة بمقالات مهمة عن التصنيع فى مصر فضلا عن كتابات وأطروحات تحتشد بها المكتبة المصرية.

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

ماذا جرى للأخلاق فى ديارنا؟

لأن المجتمعات الحية الواثقة لا تخجل من مصارحة نفسها ومراجعة أحوالها ثمة حاجة هذه الأيام لأن نتوقف ونتساءل عما جرى لأخلاق المصريين. فالذى نشاهده ونسمعه

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة