ثقافة وفنون

البرديات والنقوش وثقت المحنة.. كيف كان الهكسوس أكبر فاجعة تاريخية فى مصر القديمة؟ | صور

29-1-2021 | 13:16

برديات ونقوش لحروب الهكسوس

محمود الدسوقي

وسط دراسات وأقوال يرددها علماء المصريات الأجانب،و تلقى رواجا على صفحات السوشيال ميديا ومقاطع فيديو على اليوتيوب، وبعض المواقع الأخبارية، لمحاولة تبرئة الهكسوس من غزو مصر، يري علماء الآثار المصريون أن الهكسوس كما تدل الشواهد الأثرية الموثقة أكبر محنة وفاجعة تاريخية حلت على مصر فى تاريخها القديم، وأن نضال الملوك المصريين القدامى فى طردهم تكلف الكثير من الدماء والأموال.


الدكتور محمد رأفت عباس الباحث في علم المصريات، المؤرخ المتخصص في دراسة العسكرية المصرية القديمة ومؤلف كتاب الجيش فى مصر القديمة (عصر الدولة الحديثة) 1550 – 1069 ق.م "يقول في تصريحات خاصة لــ"بوابة الأهرام " إن ظهور الهكسوس فى التاريخ المصرى يعد من الأمور التى أثارت جدلاً واسعا بين المؤرخين، حتى أن مسماهم نفسه فى المصادر المصرية يعد من القضايا التى تعددت فيها وجهات النظر التاريخية، فقد ورد عن المؤرخ المصرى الشهير « مانيتو » أن كلمة الهكسوس تعنى « الملوك الرعاة »، كما يحدثنا المؤرخ اليهودى « يوسف بن متى » بأن كلمة الهكسوس تعنى « الأسرى الرعاة »، وقد اتفقت الغالبية العظمى من علماء المصريات على أن كلمة هكسوس مشتقة دون شك من المصطلح المصرى القديم « حقاو – خاسوت » أى « حكام البلاد الأجنبية » الذى كان يعنى منذ عصر الدولة الوسطى « مشايخ البدو ».

وأضاف رأفت أنه قد تنوعت آراء المؤرخين حول الأصل العرقي والموطن الأصلي للهكسوس، فهناك من رأى أنهم من الشعوب الآرية التى كانت تسكن وسط آسيا، وهناك من رأى أنهم ساميون قد استوطنوا فى كنعان ( فلسطين ) قبل دخولهم مصر. ويبدو أن أقرب التفسيرات التاريخية للصواب فى هذا السياق يتمثل فى أن الهكسوس كانوا مجموعة من الشعوب التى سكنت مناطق آسيا الغربية، والتى اضطرت أن تهاجر من أوطانها تحت ضغط الشعوب القادمة من هضبة أرمينيا والذين عرفوا فى التاريخ باسم قبائل الحوريين، واستقروا فى مناطق نهر الفرات الشمالية حوالى عام 2000 ق. م.

ولقد أدت غارة الحوريين على مناطق شمال سوريا إلى نشر الفزع والرعب فى سكان سوريا وكنعان ( فلسطين )، فهرب الكثير منهم واندفعوا نحو الجنوب حتى وصلوا إلى مصر، ومن ثم فإن الدلائل التاريخية كانت تشير إلى أن الهكسوس لم ينتموا إلى جنس واحد، بل كانوا خليطاً من الآريين والساميين الذين أصبح الهدف الرئيس لهم الدخول إلى مصر للاستيطان فى أرضها بأى شكل من الأشكال.

ولكن كيف دخل الهكسوس مصر ؟ يجيب الدكتور محمد رأفت عباس أن من أكثر الحقائق التاريخية الجلية لدى مؤرخى مصر القديمة أنه لم يحمل المصريون كماً من البغض والحقد والكراهية فى تاريخهم كما حملوا للغزاة الهكسوس، وذلك فيما تشير الوثائق والمصادر التاريخية .. ويشير المؤرخ اليهودى « يوسف بن متى » نقلاًﹰ عن المؤرخ المصرى « مانيتو » إلى أن دخول الهكسوس إلى مصر إنما كان فى عهد الملك « توتيمايوس » ( ددو – موسى )، وهو الملك 37 من ملوك الأسرة الثالثة عشرة فى بردية تورين. ويحدثنا « مانيتو » عن غزو الهكسوس لمصر بعبارات تتسم بالألم والكراهية لهذه الفاجعة الكبرى فى تاريخ مصر قائلاً : « فى عهد الملك توتيمايوس ( تيمايوس ) لسبب لا أعرفه حلت بنا ضربة من الرب، وفجأة تقدم فى ثقة بالنصر غزاة من إقليم الشرق من جنس غامض إلى أرضنا، واستطاعوا بالقوة أن يتملكوها فى سهولة دون أن يضربوا ضربة واحدة، ولما تغلبوا على حكام الأرض أحرقوا مدننا بغير رحمة، وقوضوا أرض معابد الآلهة وعاملوا المواطنين بعدوان قاس، فذبحوا بعضهم، وساقوا زوجات آخرين من أزواجهم، وأخذوا أطفالهم إلى العبودية، وأخيراًﹰ عينوا من بينهم واحداًﹰ ملكاًﹰﹰ يدعى ساليتيس، وكان مقره منف، ففرض الضرائب على مصر العليا والسفلى، وكان يخلف وراءه حاميات فى الأماكن المهمة ".

وقد ظلت النصوص التاريخية المصرية تنعت الهكسوس بكل ما هو حقير حتى بعد طردهم من مصـر، ويوضح محمد رأفت عباس أن أحـد نصوص الأسـرة الثامنة عشرة – مـن عهـد الملكـة « حتشبسـوت » – وجود الهكسوس فى مصر بأنهم كانوا يحطمون ويخربون معابد الآلهة ويحكمون بدون رغبة المعبود رع الذى كان يكرههم، وأن الأرض قد محت آثار أقدامهم بعد أن طردوا.

وتشير بردية سالييه رقم 1 – التى يعود تاريخها إلى عهد الأسرة التاسعة عشرة – إلى أن حكم الهكسوس كان بمثابة محنة رهيبة حلت بمصر وأن ملوكهم لم يحترموا من بين المعبودات المصرية سوى « سوتخ » إله الشر الذى عملوا على عبادته ورفع شأنه بشكل مستفز للمصريين.

ويؤكد عباس أنه يبدو أن دخول الهكسوس مصر قد اتخذ صورة التسلل إلى حدود الدلتا الشرقية بأعداد قليلة وفى فترات متباعدة، وازداد هذا التسلل بمرور الزمن بسبب الضغط الذى مثلته الشعوب الأجنبية على سوريا والذى قد وقع خلال تلك الفترات المتسمة بالفوضى والاضطراب التى ضعفت فيها الحكومة المركزية المصرية والتى لم تعد بقادرة على حماية الحدود الشرقية . واستمر الحال هكذا حتى جاء وقت حاول فيه الهكسوس فرض سيطرتهم بالقوة على المصريين فوقع الصدام العنيف بين الغزاة الأسيويين وأهل البلاد، فقام الهكسوس بإحراق المدن وتدمير المعابد واستعراض القوة، وانتهى الأمر باستيلائهم على العاصمة المصرية القديمة منف وأصبحت لهم الكلمة العليا فى حكم مصر.

ويرى الكثير من المؤرخين أن التسلل الأسيوي الذي قام به الغزاة الهكسوس والذى فشل ملوك الأسرة الثالثة عشرة فى ايقاف زحفه قد أعقبه صدام حربي عنيف بين الغزاة وبين المصريين قبل نجاح الغزاة فى فرض سيطرتهم واستيلائهم على العاصمة منف، وقد انتهى هذا الصدام بهزيمة منكرة للمصريين الذين واجهوا للمرة الأولى فى تاريخهم شعوب محاربة بهذا القدر من الغلظة والشراسة، حيث امتلك الهكسوس عدة وعتاداً حربياً عظيماً لا قبل للمصريين به، وذلك بفضل استخدامهم للأسلحة البرونزية ومعرفتهم استخدام الخيول والعربات ( المركبات ) الحربية التى أدخلت إلى آسيا بواسطة الآريين منذ قرنين أو ثلاثة من قبل، وتعلم استخدامها عنهم الهكسوس ولنا أن ندرك مدى فزع المصريين وجزعهم، عندما كان عليهم أن يواجهوا لأول مرة هذه العربات المقاتلة.

وأضاف الخبير الأثري محمد رأفت عباس أنه قد قام الهكسوس بالتمركز فى شرق الدلتا واتخذوا من مدينة أواريس عاصمة لملكهم بعد أن أصبحت الدلتا ومصر الوسطى تحت حكمهم المباشر، واكتفوا بفرض الجزية على مصر العليا ( الصعيد ) تاركين الإدارة المحلية المصرية كما كانت عليه قبل الغزو، ومن ناحية أخـرى كـان الكوشيـون قـد استغلوا فرصة انهيـار المملكة المصرية وبعد ملك الهكسـوس عنهم وتمركزه فى الدلتا لكى يؤسسوا لأنفسهم مملكة كوشية مستقلة فى جنوب الجندل الأول اتخذت من كرما عاصمة لها، وهكذا انقسمت مصر إلى ثلاث كيانات سياسية بعد غزو الهكسوس المهين خلال تلك الحقبة المؤلمة والعصيبة من تاريخها.


برديات ونقوش لحروب الهكسوس


برديات ونقوش لحروب الهكسوس


برديات ونقوش لحروب الهكسوس

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة