آراء

أمريكا الباقية فى الشرق الأوسط والمنسحبة منه

28-1-2021 | 10:43

أصبحت المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط أقل أهمية بكثير مما كانت عليه فى الماضى، فهل تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط ؟ لم يعد لنفط الشرق الأوسط ما كان له من أهمية فى عالم يتجه بسرعة لمصادر الطاقة النظيفة؛ بينما أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط فى العالم، وأحد العشرة الكبار المصدرين للنفط.

قويت إسرائيل، فلم تعد فى حاجة ملحة لحماية أمريكية لصيقة. انتهت الحرب الباردة، ولم يعد هناك هدف إستراتيجى أعلى تتمحور حوله سياسات الولايات المتحدة فى المنطقة، فأصبحت السياسة الأمريكية فى المنطقة بلا منطق واضح يربط بين مكوناتها.

الولايات المتحدة، مع ذلك، لن تنسحب من الشرق الأوسط، فهى لا تستطيع الانسحاب من منطقتنا، حتى لو أرادت؛ وهى تقف فى منطقة وسطى محيرة، فلا هى تستطيع التخلى عن الشرق الأوسط، ولا هى مستعدة لمواصلة تحمل تكلفة الهيمنة عليه؛ وكلما احتار الأمريكيون فى شأن المنطقة، احتار أهل المنطقة أيضا. يدرك خصوم الولايات المتحدة أن مصالح واشنطن فى المنطقة لم تعد تمثل لها أهمية كبرى، وأن واشنطن لن تكون مستعدة لإظهار الكثير من المقاومة، وأن ممارسة المزيد من الضغوط عليها سيدفعها تدريجيا للتخلى عن مواقعها.

لقد تم اختبار عزيمة الولايات المتحدة فى المنطقة عدة مرات خلال السنوات الماضية، وفى كل مرة فشلت واشنطن فى اجتياز الاختبار، ففضلت التراجع على تحمل تكلفة التصعيد. فى عام 2013 تراجع الرئيس أوباما عن تنفيذ تهديده بمعاقبة النظام الحاكم فى دمشق حال قيامه باستخدام الأسلحة الكيماوية فى الحرب الأهلية الجارية هناك.

رسم أوباما خطا أحمر، فاجتاز بشار الأسد الخط، ونجا بفعلته، وتقوضت مصداقية الردع الأمريكى. فى عام 2019 تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجمات جوية تم تنفيذها بدقة واحترافية كبيرة. أكدت التحقيقات مسئولية إيران عن الهجمات، وحبس العالم انفاسه فى انتظار الانتقام الأمريكى، لكن أمريكا لم تقصف مصادر الصواريخ أو منشآت نفط إيرانية، وإن قامت بعدها بنصف عام بقتل الجنرال الإيرانى قاسم سليمانى، دون أن تمس البنية التحتية والعسكرية المعقدة لقدرات إيران العسكرية ولنفوذها فى المنطقة.

ترغب واشنطن في التخفف من التزاماتها في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب تراجع أهمية المصالح الأمريكية في المنطقة، ولكن أيضًا بسبب المسافة النفسية التي أصبحت تفصل المواطنين الأمريكيين عن هذه المنطقة المربكة من الشرق الأوسط.
 
لم يفهم الأمريكيون لماذا جاء هؤلاء التسعة عشر إرهابيًا من بلادهم البعيدة لتدمير برج التجارة في نيويورك، وراحوا يتساءلون لماذا يكرهوننا. 
طوال العقد التالى حارب الأمريكيون فى المنطقة ردًا على هجمات الإرهاب التى جاءت من هناك. أنفقت الولايات المتحدة أموالا طائلة فى حروب الشرق الأوسط، ومات الكثيرون من جنودها، لكن محصلة كل هذا لم تزد كثيرًا على الصفر، لأن الولايات المتحدة ببساطة كانت تحارب الحروب الخطأ، وتحاول تحقيق أهداف لا تستطيع الترسانة العسكرية الأمريكية الهائلة تحقيقها. فالجيش الأمريكى يمكنه أن يقتل كل الأفغان، وأن يدمر كل مدن العراق، لكنه لا يستطيع أن يحول أفغانستان إلى ديمقراطية ليبرالية، أو أن يجعل العراق نموذجًا للحرية يقتدي به العرب الآخرون. 
 
لقد انسحبت بريطانيا من الشرق الأوسط قبل ذلك، فلماذا لا تنسحب الولايات المتحدة أيضًا؟ كان هناك وقت هيمنت فيه بريطانيا على أغلب بلاد المنطقة، من الخليج والعراق وعدن وصولا إلى مصر، ثم جاء وقت قرر فيه البريطانيون إنهاء وجودهم العسكرى فى المنطقة. 
 
كان للوجود العسكرى البريطانى فى الشرق الأوسط هدف هو حماية الطريق إلى أكبر المستعمرات البريطانية فى الهند، لكن الهند تحررت، ولم يعد الوجود العسكرى البريطانى فى الشرق الأوسط يخدم مصلحة بريطانية واضحة، فلماذا المكابرة، خاصة أنه لم يعد لدى الحكومة البريطانية ما يكفي من الموارد لتحمل نفقات القواعد العسكرية الكثيرة المنتشرة شرق السويس. 
 
لم يعد للولايات المتحدة مصالح مهمة فى الشرق الأوسط، بالضبط كما حدث مع بريطانيا في الماضي، لكن الولايات المتحدة غنية بما يكفي، وما زال بإمكانها تحمل بعض النفقات فى المنطقة، وفى هذا تختلف الولايات المتحدة عن بريطانيا. تختلف الولايات المتحدة عن بريطانيا أيضًا في أن الأخيرة عند انسحابها من الشرق الأوسط قامت بتسليم مسئولية حماية المصالح البريطانية والغربية فى المنطقة للولايات المتحدة، التى أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية زعيمة المعسكر الغربى والمتحدثة باسمه؛ أما الولايات المتحدة فليس لديها من تتنازل له عن مسئولية تمثيل المصالح الغربية فى المنطقة، فى مرحلة تاريخية تشهد تراجع الغرب مقابل صعود حضارات وقوى آسيوية. 
 
ستحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكرى فى الشرق الأوسط، لموازنة نفوذ الخصوم، ولمنع المنافسين الروس والإيرانيين من العربدة في المنطقة بلا حدود، لكنها ستتجنب استخدام قوتها المسلحة في المنطقة بقدر الإمكان. 
 
ستعيد الولايات المتحدة صياغة التزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها في الشرق الأوسط. لا مزيد من الالتزامات السخية المؤكدة للدفاع عن أمن حلفاء، أصبح عليهم تحمل مسئولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم. ستصبح مظلة الحماية الأمريكية عن الحلفاء هي خط الدفاع الأخير فعلا، وليس عصا غليظة يعتمد عليها الحلفاء في ردع خصومهم متى أرادوا. 
 
ستتدخل أمريكا للدفاع عن الدول الحليفة ضد غزو خارجي صريح، لكن تدخلها يصبح مشكوكًا فيه عندما يأتي الأمر للدفاع عن النظم والنخب الحاكمة.
 
ستكثف الولايات المتحدة الاعتماد على الدبلوماسية، وستجعل من الوجود العسكري العصا الغليظة عند الأفق، للمساعدة على إنجاح الدبلوماسية. ستواصل الحكومة الأمريكية إطلاق الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان، استجابة لضغوط جماعات ضغط محلية، ولكن ليس ضمن إستراتيجية كبرى لإسقاط أنظمة وإقامة أخرى. ستقلص الولايات المتحدة أهدافها في الشرق الأوسط، وتختزل وسائل تحقيق هذه الأهداف، وسترضى بنجاحات متواضعة، وفي هذه الحدود ستظل موجودة في المنطقة.

نقلاً عن

فك شفرة التخلف

منذ قرنين ومصر تتقدم كالضفدع، قفزة طويلة للأمام، ثم سكون طويل في انتظار القفزة التالية. قفزة كبيرة مع محمد علي باشا، ثم الخديو إسماعيل، وثورة 1919، وجمال

سلحفاة وضفدع وحصان

لا أتحدث عن حديقة الحيوان، بل أتحدث عن الدول. فالدول في علاقتها بالتنمية تتصرف إما كسلحفاة أو ضفدع أو حصان. فأين نحن من هذه النماذج.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة