آراء

كيف تصبح "هيرو" في أقل وقت؟

26-1-2021 | 16:15

فيه ناس "أخدوا ذيلهم في أسنانهم وفاتوا من الحيط"، وفي غمضة عين صعدوا سلم المجد، وكل ما يفتحوا أعينهم يرون الحياة بمبي، ولديهم يقين أنهم حكماء، والكل الآن سوف يستحلفني بأن أرشدهم السبيل إلى تحقيق هذا.

 
والحقيقة يا جماعة أن هؤلاء الناس تتملكهم أوهام وهلاوس، ويشكلون صنفين من الناس، الصنف الأول مرضى نفسيون، وينقسمون إلى فرعين أحدهما يصدّقون أكاذيبهم وأوهامهم، ويروجون لها، والفرع الآخر يشعر بأن أوهامه ما هي إلا مرض نفسي، ويحاول جاهدًا الشفاء منه، والصنف الثاني من الناس الذي يتخيل أنه "يفوت من الحيط"، هم من أصحاب "البلبعة" ومتعاطو المخدرات.
 
والمرضى الذين تراودهم الأوهام بصورة دائمة مثلهم كمثل متعاطي المخدرات، ولكن أسوأهم الصنف المصدق لأكاذيبه التي يصنعها بنفسه بداخله، ويمثل خطرًا على المجتمع نتيجة اعتقاده الجازم في صحة ادعاءاته، وتتجلى خطورته في ترويجه لها في محاولة منه لزراعته تلك الحقائق الزائفة في عقول الجهلاء وفاقدي الوعي، ويهدف من وراء ذلك تضليل مجتمعه وعرقلة تنميته.
 
ونعود مرة أخرى إلى الحديث عن الواقع المعاصر لتجارة المخدرات وعن تطور مزاج أصحاب "البلبعة"، مع ملاحظة توافر عامل مشترك بين تجار المخدرات ومروجي الأوهام وهو تغييب المجتمعات.
 
ويوضح الواقع الحالي انتشار تداول أصناف جديدة مصنعة من المخدرات أشد فتكًا للشباب ولجميع فئات المجتمع، وتختلف عن المخدرات المتعارف عليها كالحشيش والبانجو، وأصبح من السهولة اقتناء هذه المخدرات المصنعة، وكذلك متاح التعرف على طريقة تصنيعها من موقع مصدرها، وهو الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول آسيا ومنها خليجية.
 
ويرسو قطار المخدرات المصنعة على بعض محطات محافظات صعيد مصر، وأقام مروجوها معامل بدائية لتحضير مخدر "الكريستال ميث"، ويطلقون عليه في الصعيد "الشّبو"، وفي القاهرة يسمونه بالـ "آيس"، ومن المخزي أنه يجد إقبالًا عليه من شباب الصعيد.
 
وترك متعاطو المخدرات في الصعيد وفي مناطق أخرى في مصر إدمان الحشيش والبانجو، واتجهوا إلى "الشّبو"، برغم أن سعر الجرام الواحد منه بلغ نحو 1500 جنيه، ويمنح متعاطيه شعورًا كاذبًا بالسعادة والقوة المفرطة، ويخيل لمدمنيه القدرة على إنجاز بطولات ونجاحات بدون أدنى جهد.
 
و"الشّبو" مخدر لا يصنع من مكونات نباتية، ويتم تصنيعه من مواد صناعية بنسبة 100%، ويكون على شكل بلورات تشبه الكريستال الأزرق أو الأبيض، ووصل عدد مدمنيه من المواطنين الأمريكان إلى أكثر من 2 مليون شخص، وهذا طبقًا لإحصائية المعهد الوطني الأمريكي لرصد تعاطي المخدرات، ويعد مصدرًا للثراء السريع لأفراد الصعيد.
 
وتبدأ أعراض مدمنيه بظهور بثور على الجلد وتساقط الأسنان، وينتهي بهم الحال بنزيف في المخ أو بسكتة دماغية، وتدمير للرئة، وقد نجحت شرطة مكافحة المخدرات المصرية في القضاء على عدة أوكار في الصعيد لتجارته وتصنيعه.
 
ويغزو مصر مخدرٌ ثانٍ جديدٌ عن طريق سيناء، وهو أكثر خطورة من سابقه الـ"الشّبو"، والسنتي منه يصل سعره إلى 900 جنيه، ويطلق عليه "الهيدرو"، وهو من أصل نباتي مثل البانجو، ويضاف عليه ما يقرب إلى 60 مركبًا كيميائيًا ومبيدات حشرية، وتلاحقه أجهزة الشرطة.
 
وفي نهاية العام الماضي، أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا تحذر فيه من انتشار مخدر اسمه "الفنتانيل"، ويتحايل منتجوه من مافيا المخدرات المصنعة في الصين على تصديره، ويخفونه في داخل حاويات الأدوية المطلوبة عبر الإنترنت من الصين، وطالبت الحكومة البريطانية بمواجهته، لأنه يتم تداوله بين المرضى على هيئة مسكن، وقد أدى إلى وفاة أكثر من 37 ألف مواطن أمريكي، وكل هؤلاء وغيرهم وقعوا تحت تأثير رغبتهم في كيفية أن يصبحوا "هيرو" في أقل وقت.
 
Email: [email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
حسين خيري يكتب: 42 مليون جائع يتعلقون بقشة

سبقت الصومال أمريكا بأيام وأعلنت حالة الطوارئ، وقد أعلنتها الأخيرة لمواجهة خطورة متحور أوميكرون ، والصومال أعلنتها خوفا من تعرضها لأزمة إنسانية بالغة ناتجة عن موجة جفاف تضرب أراضيها.

حسين خيري يكتب: الرقيب الصيني يفرض مقصه على هوليوود

بدون مبالغة الصين تحدد حاليًا ما يراه المشاهد من أفلام في أي بقعة على الأرض، وأثبت ذلك في دراسته جيمس تاجير الباحث الأمريكي في صناعة السينما، وقال جيمس

حسين خيري يكتب: الشخصية المهزوزة علة المجتمعات

هل اعتدنا في شارعنا العربي رؤية عجز المارة الدفاع عن الضعيف؟ وحجتهم في ذلك شعورهم بالخوف من تعدي الجاني عليهم، وتلك الحقيقة المؤلمة توضح عظم المصيبة في

حسين خيري يكتب: الفاشل الجزء الأكبر من كل مشكلة

كلما قرأت عن جريمة، أجاهد نفسي في البحث بين السطور عن صفات فاعلها، ودائمًا ما تفسر عن تجسيد لملامح شخص فاشل حاصل على أدنى درجات المعرفة.

حسين خيري يكتب: "نشوة الموت" لعبة تنشر الكراهية

نشوة الموت كارثة جديدة تبعث القلق في نفوس رواد التواصل الاجتماعي، ويتزايد الخوف من انتشارها وسط مجتمعنا العربي، فقد مات في يونيو الماضي مراهقان بالولايات

حسين خيري يكتب: اقرؤوا إنصاف المستشرقين للعرب

قبل أن يصيب أي عربي التخاذل والتكاسل في تقديم عطائه لبلاده، يجب عليه قراءة كتاب معروف أسمه شمس الله تشرق على الغرب بفضل تراث العرب ، وكاتبته المستشرقة

حسين خيري يكتب: الاحتفالات تدعم الانتماء للوطن والأخلاق

لسنا وحدنا المصريين من يحب إحياء الحفلات في كل مناسبة، ويضعون طقوسًا مختلفة في أشكالها لكل مناسبة، فجميع البشر على الكرة الأرضية مهما تنوعت ثقافاتهم يعشقون

حسين خيري يكتب: السلاح الخفي لقتل الفلسطينيين

حروب خفية تمارسها إسرائيل في حق الفلسطينيين، ولا تعتمد فيها على القتل المباشر بالرصاص الحي، وتسعى منذ عقود لتدمير البيئة الفلسطينية، رغم أن الاحتلال الإسرائيلي

حسين خيري يكتب: الروح العدائية سببها كفاءة المدير

مفهوم الكفاءة لا يقتصر على أداء الموظفين، وإنما يشمل العديد من مجالات الحياة، فالزواج السعيد وليد حسن إدارة الزوجين، والأبناء الصالحين ثمرة الكفاءة الواعية

حسين خيري يكتب: البحث عن بديل "النفخة الكدابة"

شخص يدفع ما يقرب من 230 دولارًا لمجرد إجراء مكالمة مع فنان مشهور، ويقترح البعض بالحجر على أمثال هؤلاء، وهو ما حدث بالفعل في المملكة المغربية، وتشهد ضجة

حسين خيري يكتب: العلم والبركة في حكاية..

لايكيل العلم بالبتينجان عبارة يروجها المصدقون لمن يمشي على الماء، ويؤمن بها الذين شيدوا صرحا وسقط على الفور لافتقاره إلى دراسة طبيعة التربة، والفشل في

للوهم أوجه كثيرة وأزياء من كل لون

لم يقتل الجن عروس حلوان وقتلها جهل أسرتها، فمصيبة المجتمعات العقول التي يأكلها إدمان الوهم بتصديقهم لمروجي الأكاذيب، وينساقون مغمضي العينين خلف مروجيها

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة