آراء

الغارقون فى التفاهة

24-1-2021 | 11:57

ما كل هذه الجلبة على حفل عيد ميلاد تشكلت قطع الجاتوه فيه على هيئة أعضاء من جسم الإنسان يعد كشفها قلة أدب وفعلا فاضحا فى الطريق العام؟ هل نحن تافهون إلى هذه الدرجة التى ندخل فيها فى جدل ونقاشات واتهام ودفاع وأحكام على مجموعة من سيدات المجتمع أردن الترفيه عن أنفسهن بنكات قبيحة؟

كم من الرجال يجلسون معا فى قعدة فرفشة يتناوبون سرد نكات جنسية لاذعة ويقهقهون حتى يسقط بعضهم على الأرض من فرط تواصل الضحك العاري؟ هل يعد ذلك عيبا أو جريمة اجتماعية أو دعوة للفسوق والتحريض على الأفعال البذيئة؟

أليس بين هؤلاء الرجال قامات رفيعة وشخصيات لامعة ومناصب مرموقة؟ بل إن مسئولا مصريا كبيرا سابقا كان ابن نكتة ولا يقابل أحدا من معاونيه ومساعديه المقربين دون أن يسأله، ما هى آخر نكتة؟ ويرضى عنه كل الرضا كلما كانت النكتة ساخنة جدا؟ هل نصفه بالانحطاط وانعدام الأخلاق وأشياء فظيعة كما حدث مع سيدات خرجن عن الأطر التقليدية فى حفل عيد ميلاد بقطع الجاتوه العارية؟

قطعا ثمة أخطاء، أخطاء من سيدات النادى أصحاب الجاتوه، لأنهن وثقن فى أمانة الحاضرات منهن، وهن يمارسن نوعا من السخرية العارية اللاذعة، فصورت إحداهن أو بعضهن الحفل ونشرن الصور على صفحات التواصل الاجتماعى فى مجتمع أعصابه الجنسية متوترة وملتهبة طوال الوقت، ويكاد يختنق من كثرة استنشاقه أبخرة العلاقات بين الذكر والأنثى.

ما صنعته إحداهن أو بعضهن خيانة أمانة، وهى جريمة أخلاقية دنيئة، لأنها قلبت جلسة خاصة إلى مولد شعبي، ونقلت نادى الجزيرة من ثقافته الخاصة المحدودة بأعضائه إلى قلب الشارع العام بكل غوغائيته وانفلات أفكاره.

أما إذا كانت ناقلة الحفل أو ناقل الحفل تلصص على الجماعة النسائية وصورهن وهم يتضاحكن من المشهد ويتندرن على قطع الجاتوه العارية، دون علمهن، والموبيلات الذكية تتيح إمكانات هائلة فى التصوير الدقيق، فهى جريمة منصوص عليها فى قانون العقوبات.

وقد يسأل أحد المنافقين: إذا كانت السيدات يردن أشكالا من الجاتوهات قليلة الحياء، فلماذا لم يفعلن ذلك فى بيت إحداهن الخاص ويرتحن من وجع الدماغ؟ سؤال ساذج فى زمن فيروس الكورونا، والإجابة بسيطة جدا، لأن الهواء الطلق للتجمعات أكثر أمنا من الأماكن المغلقة.

عموما أيا كانت الطريقة التى طارت بها الحكاية خارج جدران الخصوصية إلى مشاع العامة فهى نزعت ورقة التوت عن حجم الانهيار القيمى فى المجتمع فى مستوياته المختلفة، ولم يكن ذلك مفاجئا، فالمجتمعات الكسولة غير المنتجة المستنزفة فى حمى الاستهلاك الشره تستهلك حتى قِيَمها، ومجتمعنا لم يفلح فى أن يصون كثيرا من مصانعه وهيئاته ومؤسساته وشركاته ويُحَدِّث خطوط إنتاجها باستمرار، وتركها لعوامل التعرية من فساد إدارى وبطالة مقنعة وإهمال متعمد، ويعرضها للبيع بأبخس الأسعار.

نعم نحن مجتمع يستهلك أكثر مما يعمل، ويعيش على إنتاج الآخرين، حتى فى اتفه السلع، فاستهلكنا قيمنا، لتصير جلدا على عظم، وحفل عيد الميلاد بقطع الجاتوه العارية مجرد دليل إضافى بالصوت والصورة على ما وصلنا إليه.

كيف يتحول حفل أشبه بنكتة جنسية إلى قضية رأى عام؟، فضائيات ومواقع وفتاوى واتهامات وبوليس ونيابة وخروج بكفالة.. لكن أغرب جوانب الحفل هو المطاردة القانونية، التى يصعب أن نعثر لها على حيثيات فى أى تشريع على وجه الأرض، لكن ضغوط المجتمع وإلحاحه وغوغائية صفحات التواصل الاجتماعى قادرة على تحويل الفرضيات البعيدة إلى واقع معاش.

المدهش أن العقل الغوغائى لم يتوقف أمام جرائم حقيقية فظيعة وقعت فى السنوات الأخيرة، ولم يضعها على بساط البحث ولا المناقشة على شاشات الفضائيات أو فى معاهده العلمية أو صفحات جرائده، ومرت مجرد حوادث عابرة، مثل أن يستل أب فى قرية بسوهاج سكينتين اشتراهما خصيصا، وبعد أن يصلى الفجر يهجم على بناته السبع ويذبحهن وهن نياما، فماتت خمس ونجت اثنتان بمعجزة، وعندما تسأله النيابة عن السبب، يجيب بكل بساطة: الخوف من العار.

نعم خوفه من العار الذى يحمل هاجسه فى عقله طول الوقت كان دافعا لجريمته البشعة، خوفه من أن تزل إحدى بناته يوما وتفقد عذريتها لأى سبب، خاصة وهو رجل فقير على باب الله، ويمكن أن يموت قبل أن يسترهن بالزواج، ولا يمكن أن يتركهن لمهب الريح وهو فى قبره، والحل أن يتخلص من الهاجس خلاصا نهائيا، حتى لو سٌجن أو أُعدم.

قطعا هذا موروث فى غاية الفقر إنسانيا وربما عديم الإنسانية، موروث يظن أن الشرف كامن فقط فى جسد الإنسان، ليس كل إنسان، وإنما فى جسد الأنثى وحدها، بل فى أجزاء محددة من هذا الجسد، وليس فى سلوك الإنسان العام من صدق وكذب، أمانة وخيانة، شجاعة وجبن، مرؤة وخسة، عدل وظلم، تواضع وغرور، مثابرة ورخاوة، التزام وتسيب، جدية وكسل، وحق وباطل.

اقتصر الشرف والعزة على الأعضاء العارية التى يتناسل بها البشر، كما لو أنها منبع الفضيلة والرذيلة. والإنسان الأنثى هى محور هذا الشرف، والإنسان الذكر مجرد دبور طارد للفراشات فى حرية، فلا تمس سلوكياته عيوبا أو مثالب، وإذا تندر وضحك على نكات عارية أو قبيحة أو بذيئة، فهذا يمكن قبوله أو التغاضى عنه أو تمريره أو عدم التعليق عليه، لكن لو سيدات مجتمع فى لحظة مرح طائشة أو حتى منفلتة قليلا انغمسن فى نكتة بذيئة، فالمقصلة مسنونة والشرطة على الأبواب مقتحمة والاتهامات فى معامل التقاليد والعادات مكتوبة، وسيوف حماة الأخلاق والفضائل والشرف الرفيع الذى يراق على جوانبه الدم مشهرة.

قطعا لا أحبذ ما فعلته هؤلاء السيدات، لكن علينا أن نتفهم الحدث فى سياقه، دون تهويل، ولا نُصوره كأن الفجور عَمَ علْيَة القوم، فهو لحظة فرح طائشة لا أكثر ولا أقل، ونعود إلى أعمالنا بجدية، ونبحث فى أحوالنا بعمق ونسأل عن قضايانا الحقيقية بفهم، إذا كنا فعلا جادين فى الخروج من مستنقع التفاهة والتخلف.

نقلاً عن

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة