آراء

قراءة في خطاب تنصيب بايدن

23-1-2021 | 11:03

أخيراً تم تنصيب چو بايدن ليكون الرئيس الأمريكى السادس والأربعين بعد أن حبس العالم أنفاسه طيلة أسبوعين، فعلى مدى هذين الأسبوعين كانت هناك مخاوف من إقدام ترامب على مغامرة خارجية وتوجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران، وكانت هناك مخاوف أخرى من انفجار العنف الداخلى من جانب أنصار ترامب، ومع أن عمليات الاعتقال الواسعة لذوى الاتجاهات المتطرفة كانت كفيلة بتوفير حد أدنى من الاطمئنان لتأمين مراسم تنصيب بايدن، إلا أن الساعات الأخيرة فاجأت الجميع بأن الخطر يمكن أن يأتى من العناصر نفسها المكلفة بالتأمين: الحرس الوطني.

هذا السياق الخاص جداً لحفل التنصيب مع غياب ترامب عنه وحضور نائبه - سيجعله محفورا فى الذاكرة الأمريكية لفترة طويلة مقبلة، وسيظل شاهدًا على ذلك الشرخ الواسع والعميق فيما بين المواطنين الأمريكيين. أما الإدارة الجديدة نفسها فهناك الكثير مما سيُذكّر بها وبخصوصيتها، فالرئيس بايدن يبدأ عهدته الأولى وهو الرئيس الأمريكى الأكبر سنا، وهو ثانى رئيس كاثوليكى بعد چون كيندى وحريص تماماً على تأكيد هويته الدينية، ونائبته كامالا هاريس هى أول امرأة تتبوأ هذا المنصب، وهما معاً -أكثر من أى إدارة سابقة - نموذج لما وصفه مقال الچيروزاليم بوست فى يوم التنصيب بالعائلات اليهودية المختلطة blended Jewish families ، فجميع أبنائه تزوجوا من يهود وهو القائل عن نفسه إنه الكاثوليكى الذى تحقق حلمه بزواج ابنته من يهودي، كما أن زوج نائبته يهودي، هذا فضلاً عن أن إدارته تعج باليهود. وقد سبق أن رأينا ما فعله جاريد كوشنر صهر ترامب بفلسطين والفلسطينيين.

فى التعليق على خطاب بايدن تبرز ملاحظتان أساسيتان، الملاحظة الأولى أننا إزاء رئيس دولة مسئول يتبنى خطابا تصالحيا فى مخاطبة المواطنين الأمريكيين كافةً ويدعو لتوحدهم. ومع أنه ركّز على رفض فكرة تفوق الجنس الأبيض كفكرة تمييزية بامتياز تقسم الأمريكيين وكرر ذلك أكثر من مرة، إلا أنه رفض أيضاً كل ما من شأنه توظيف الاختلافات بين الأمريكيين وتحويلها إلى مبررات للحرب غير المتحضرة uncivil war،  من قبيل هذا التوظيف وضع الأحمر ضد الأزرق (أى الحزب الجمهورى ضد الحزب الديمقراطي)، وسكان الريف فى مقابل سكان الحضر، والمحافظين فى مواجهة الليبراليين. هذا الهدف الداخلى الكبير جعله بايدن ضروريا من أجل التغلب على كل مشكلات المجتمع الأمريكى وبالأساس المشكلة الاقتصادية ومشكلة وباء كورونا، واستعار بايدن من القديس سانت أوجسطين ما يؤكد به أن الشعب هو الذى يرتبط أفراده بمجموعة من المشتركات، والشعب الأمريكى يشترك فى الحرص على الأمن والكرامة والاحترام والشرف والحقيقة. مثل هذا المدخل الأخلاقى فى التعامل مع مشكلة الانقسام الأمريكى يفترض أن هناك اتفاقا عاما على تعريف كل قيمة من القيم التى ذكرها بايدن، وهذا غير صحيح.

فَلَو أخذنا قيمة كقيمة الأمن فسنجد أن ترامب نظر لها بالضبط عكس بايدن، فالأول اعتبر أن الإرهاب الداخلى هو إرهاب المتظاهرين للشرطة وعلّق بذلك على احتجاجات سبتمبر الماضى بولاية ويسكنسون بعد إطلاق الشرطة النار على متظاهر أسود. أما بايدن فعندما تحدث عن الإرهاب المحلى فكان يقصد به إرهاب ذوى الاتجاهات المتطرفة الذين اقتحموا الكونجرس وأرادوا تعطيل إرادة الناخبين، وهكذا يبدو أن أمن فئة من الأمريكيين وكأنه تهديد لفئة أخري. ومثل ذلك ينطبق على قيمة الحقيقة، فالحقيقة عند جمهور ترامب تختلف جذرياً عند جمهور بايدن، وهكذا.

أضف إلى ذلك أن دفاع بايدن عن الطبقة المتوسطة التى ينتمى إليها سيجعله يضع يده فى عش الدبابير ويدخل به فى مواجهة مع كبريات الشركات الأمريكية ومع طبقة رجال الأعمال، ولا ننسى اتهام ترامب له بالاشتراكية ولا المشنقة التى علقها مهاجمو الكونجرس لكارل ماركس. هناك إذن نوايا حسنة لدى الرئيس الأمريكي، لكن الطريق أمامه طويل جداً وصعب.

الملاحظة الثانية تخص السياسة الخارجية الأمريكية، فمع أن هذا الشق أخذ مساحة محدودة فى خطاب التنصيب لكن ما قيل بشأنه يعد كافياً. لقد تحدث بايدن عن جعل أمريكا مرة أخرى القوة القائدة للخير فى العالم، وأضاف اننا لن نقود بنموذج قوتنا بل بقوة نموذجنا، وهذا معناه باختصار إعادة الاعتبار للأدوات الناعمة فى تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، ومن هنا ما جاء فى خطابه عن المثالية الأمريكية والشراكة الأمريكية الموثوق بها والمرأة الأمريكية التى ناضلت من أجل حقوقها السياسية، كما جاء كلامه  الكثير عن انتصار الديمقراطية الأمريكية على من أرادوا تقويضها، فهذه الديمقراطية هى النموذج الذى تعتزم الولايات المتحدة أن تقود به العالم.

بمفهوم المخالفة لن ينتهج بايدن نهج ترامب فى استخدام سياسة العقوبات الاقتصادية العنيفة جداً لتطويع سياسات الدول غير الديمقراطية كما فعل مع إيران بشكل أساسى فضلاً عن دول أخري، وبالتأكيد هو لن ينتهج نهج بوش الابن فى استخدام الأداة العسكرية واحتلال العراق بدعوى تحويله لواحة للديمقراطية فى الشرق الأوسط.

إن بايدن يطرح مفهوم القيادة بالقدوة كبديل للقيادة بالقوة، ويعيد انخراط بلاده فى الأطر والمؤسسات الدولية بدلاً من تخريبها.

الخلاصة أن چو بايدن هو رئيس يمكن التنبؤ بسلوكه، لن يشعل المزيد من الحرائق فى منطقتنا لكنه لن يطفئ الكثير من أسباب اشتعالها، فالتاريخ يقول إنه لا مستقبل للسلام فى غياب العدل.

نقلاً عن الأهرام اليومي

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة