كتاب الأهرام

ترامب.. مسرحية هزلية فى تاريخ أمريكا

22-1-2021 | 12:49

سوف يتوقف التاريخ طويلا أمام الأيام السوداء التى عاشها الشعب الأمريكى وهو يرى رئيسه يقود حشودا من الغوغاء ويقتحم مبنى الكونجرس أقدس مقدسات الشعب، ويعتدى وينهب وثائق وأسرار اكبر دولة فى العالم .. إن جرائم الغوغاء فى تاريخ العالم حدثت فى بلاد كثيرة ولكن لم تكن بتحريض حاكم أو بتشجيع منه..


< إن ما حدث فى أمريكا جريمة مع سبق الإصرار والترصد ولا شيء يبرر ما قام به الرئيس ترامب غير أنه رجل مجنون بالسلطة ولا يدرك مسئولية القرار .. إن كل مسيرة الرجل فى الحكم وما اتخذه من القرارات كانت تؤكد أننا أمام حالة شاذة وإنسان فقد كل مبررات السيطرة على قراراته .. كان واضحا أننا أمام رئيس ليس له فى السياسة ولا يصلح لأن يدير شئون دولة فى حجم أمريكا .. كانت كل ثقافة ترامب وتاريخه أنه يمتلك العقارات وبيوت الدعارة وله أنشطة تجارية خارجية مشبوهة ..

< لم يظهر ترامب فى الشارع السياسى الأمريكى فى يوم من الأيام وكان رصيده الحقيقى فيما يملك من الأموال والشركات .. كان نموذجا فجا لأسوأ صور الرأسمالية الأمريكية المتوحشة .. على جانب آخر فلم يعرف عن ترامب انه صاحب اهتمامات ثقافية أو فكريه أو حتى فنية، كان تولى ترامب السلطة فى أمريكا شيئا شاذا وغريبا .. خاصة ان البيت الأبيض جمع فى تاريخه كوكبة من الرموز الحقيقية ابتداء بكيندى وكارتر وريجان وانتهاء بكلينتون .. وكان شيئا غريبا ان تخسر هيلارى كلينتون الانتخابات أمام ترامب وإن حمل ذلك مؤشرات سلبية فى الشارع الأمريكى.

< منذ البداية أدرك العالم أننا أمام رئيس لا يصلح لكى يدير شئون العالم.. وهنا خرجت قصص وحكايات عن علاقات مشبوهة بين ترامب والرئيس الروسى بوتين .. وأن روسيا لعبت دورا غامضا فى الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب ومازالت هذه الاتهامات تخضع للتحقيق.. فى فترة لاحقة بدأت أخطاء ترامب تظهر فى سياسة ومواقف ترامب وأفكاره العنصرية فى قرارات كثيرة .. حين منع دخول رعايا عدد كبير من الدول الإسلامية أمريكا ولم يتردد فى أن يعلن تأييده السافر لإسرائيل ..

< ولم يكن غريبا أن يقدم القدس هدية للكيان الصهيونى ضاربا عرض الحائط بكل حقوق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته .. حين وقف ترامب أمام إحدى الكنائس أمام البيت الأبيض رافعا الإنجيل كان موقفا غريبا فى دولة تؤمن بتعدد الأديان وحرية العقائد .. وقد عمل ترامب لحساب إسرائيل وهو يقود حملة التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل فى صفقة تاريخية لم تحدث من قبل .. وبقيت خطته للسلام اكبر خطيئة ارتكبها ترامب فى حق الشعب الفلسطينى والشعوب العربية..

< إن ترامب سوف يقف أمام القضاء الأمريكى وهناك قائمة من الجرائم والأخطاء التى لن يهرب منها .. لقد حاول أن يصدر عفوا عن نفسه قبل أن يهرب من البيت الأبيض ولكن الكونجرس لن يمنحه هذه الفرصة وان أصدر عفوا عن العشرات بينهم متهربون من الضرائب وتجار المخدرات .. إن جريمة اقتحام مبنى الكونجرس ومجلس الشيوخ جريمة لا تسقط بالتقادم .. وسوف يخضع للمحاكمة بسببها وهى تحرمه من الترشح فى الانتخابات الأمريكية القادمة ولن ينجو منها .. إن الرئيس ترامب متهرب من دفع الضرائب وهى جريمة مخلة بالشرف ومن كبرى الجرائم فى أمريكا ..

< وإذا ثبت فى التحقيقات أن ترامب حصل على دعم من روسيا والرئيس بوتين فهذا ملف آخر قد يصل إلى الاتهام بالتجسس والعمالة .. خاصة أن هناك علاقات تجارية بين شركات ترامب والصين .. إن الشيء المؤكد ان صفقات الرئيس ترامب وابنته وزوجها مع العالم العربى لم تكن بالشفافية المطلوبة .. خاصة صفقات السلاح والمشروعات الكبرى والهدايا وهذا حديث قد يطول..

< نحن أمام صفحة سوداء فى تاريخ أمريكا ولا أحد يعلم آثارها.. لأن انقسام الشارع الأمريكى بهذه الصورة الغوغائية قد تترتب عليه نتائج خطيرة .. إن حشد 70 مليون مواطن أمريكى خلف ترامب ليس أمرا بسيطا .. خاصة أن هناك أفكارا غريبة وشاذة بين هذه الحشود يمكن أن تشعل الحرب الأهلية فى الشارع الأمريكى .. كانت أمريكا تستحق حاكما أكثر وعيا وحكمة وقد تكون تجربة ترامب فى الحكم درسا لشعوب أخرى ..

< لقد تعرضت الديمقراطية الأمريكية لتجربة صعبة أمام رئيس مجنون بالسلطة .. ولم يكتف بمئات القرارات والسياسات الخاطئة ولكنه حرض على اكبر عملية إرهابية فى أكثر دول العالم تقدما .. سوف يحتاج الشعب الأمريكى سنوات حتى يتجاوز هذه المحنة القاسية .. وسوف يحتاج العالم وقتا طويلا حتى يستعيد ثقته فى النموذج الأمريكى بعد كل ما أصابه من التشوهات .. كيف ضيع الرئيس الأمريكى فرحة مهرجان ينتظره كل اربع سنوات .. ورفض أن يشارك فى تسليم السلطة أمام الكونجرس لرئيس جديد منتخب بل إنه رفض أن يذكر اسم الرئيس بايدن على الإطلاق. اى فكر هذا وأى رئيس يدرك المسئولية..

< إن الشيء المؤكد أن أمريكا تعيش الآن مرحلة فارقة، وسوف يتوقف التاريخ أمام سؤال محير ما هو مستقبل أمريكا بعد ترامب؟.. إن الشيء المؤكد أن أمريكا ترامب شيء مختلف تماما عن كل ما كان قبله وما سيجيء بعده .. وفى التاريخ حكام كتبوا صفحات من نور، وآخرون كتبوا صفحات سوداء تشبه أيامهم .. ولاشك أن ترامب ترك للشعب الأمريكى صفحات طويلة من جنون السلطة .. سوف ينتظر العالم مصير الرئيس ترامب خارج البيت الأبيض أو خلف القضبان .. وما دام فى أمريكا امرأة مثل نانسى بيلوسى رئيسة مجلس النواب الأمريكى فلن تسقط الديمقراطية..

< كان موقفا فريدا من أعضاء الكونجرس أن يصر المجلس على تأكيد اختيار الرئيس الأمريكى الجديد ، وان يتم تنصيبه فى حماية الجيش وقوات الأمن، رغم حشود الإرهاب التى اقتحمت المبنى ونهبت ما فيه من الوثائق والأوراق واعتدت على كل شيء فيه .. ولكن رئيسة المجلس أصرت على تأكيد اختيار الشعب الأمريكى لرئيسه .. وعاد الأعضاء ونجحت الديمقراطية رغم انف الإرهاب .. رغم كل ما حملته محنة الديمقراطية فى الشارع الأمريكى إلا أن الوعى والثقة والإيمان بحق الشعب فى حرية الاختيار جعلت الكونجرس يتصدى بكل صلابة لمحاولات ترامب تغيير مسار الديمقراطية والاعتداء على قدسية المكان ..

< كانت المواجهة بين الحرية والاستبداد هى آخر فصول حكاية ترامب فى السلطة .. وهذا درس آخر لكل مجانين السلطة، وأن إرادة الشعوب سوف تنتصر فى كل الأحوال .. سوف تبقى قصة الرئيس ترامب واحدة من الحكايات الهزلية فى تاريخ الحكام .. وقد تتحول إلى مسرحية ساخرة او فيلم كوميدى إلا إنها ستبقى فى خيال الأجيال القادمة واحدة من الحكايات التى يتسلى بها الأطفال حين تسقط موازين العقل والحكمة..

< إن مسلسل ترامب لم ينته بعد فمازالت فيه فصول أخري، لأن الرجل لن يستسلم، وهو لن يقبل الخسارة حتى فى قبره .. إن المشكلة الأكبر الآن أن 70 مليون مواطن أمريكى فيهم أنواع وأجناس وأفكار متناقضة سوف يمثلون ألغاما موقوتة يحركها ترامب من أى مكان وفى أى اتجاه .. ورغم هذا مازال هناك من يدعى أن الإرهاب صناعة عربية إسلامية .. رغم أن الإرهاب صناعة محلية تحمل مواصفات أرضها وجنون حكامها..

< لم يكن غريبا أن ينتشر الجيش فى أرجاء العاصمة الأمريكية وهى من أهدأ الأماكن فى العالم .. بينما يأخذ الرئيس المهزوم الحقيبة النووية وهى أخطر ما يوجد فى البيت الأبيض من السلطات ويتجه إلى فلوريدا حيث اختارها مقراِ لإقامته.. رغم أن رئيسة مجلس النواب طلبت من رئيس الأركان فى البنتاجون أن يوقف عمل الحقيبة النووية حتى لا تواجه أمريكا كارثة عالمية..

< قد تكون هذه هى المرة الأولى التى يطلب فيها الكونجرس الأمريكى نزول الجيش لحماية أهم مؤسسات الدولة من ترامب وعصابات الإرهاب التى تجتمع حوله .. ولكن لا أحد يعلم مصيره بعد أن رفض المشاركة فى حفل تنصيب بايدن الرئيس الجديد ، وأخذ طائرته ومضى ليبدأ مسلسلا جديدا ما بعد رحيل ترامب.


ويبقى الشعر

مَاذا أخذتَ مِنَ السَّفـَرْ..

كـُلُّ البلادِ تـَشَابَهَتْ فى القهْر..

فى الحِرْمانِ..فى قـَتـْل البَشَرْ..

كـُلُّ العيُون تشَابَهتْ فى الزَّيفِ.

فى الأحزانِ.. فىَ رَجْم القـَمَرْ

كل الوُجوهِ تـَشابَهتْ فى الخوْفِ

فى الترحَال.. فى دَفـْن الزَّهَرْ

صَوْتُ الجَمَاجـِم فى سُجُون اللـَّيل

والجَلادُ يَعْصِفُ كالقـَدَر..

دَمُ الضَّحَايَا فـَوقَ أرْصِفـَةِ الشـَّوارع

فى البُيوتِ..وفى تجاعيدِ الصّورْ..

مَاذا أخـَذتَ منَ السَّفـَر ؟

مَازلتَ تـَحلـُمُ باللــُّيالى البيض

والدِّفْء المعَطـّر والسَّهَرْ

تـَشـْتـَاقُ أيامَا الصَّبابَةِ

ضَاعَ عَهْدُ العِشْق وانـْتـَحَر الوَتـَرْ

مَازلتَ عُصفـُورًا كسِير القـَلـْبِ

يشدُو فـَوْقَ أشـْلاءِ الشَّجَرْ

جَفَّ الرَّبيعُ..

خـَزائِنُ الأنـَهار خـَاصَمَها المَطـَرْ

والفـَارسُ المِقـْدامُ فى صَمت

تـراجَعَ..وانتحَرْ ..

مَاذا أخـَذْتَ مِنَ السّفـَر ؟

كـُلُّ القصَائِدِ فى العُيُون السُّودِ

آخرُهَا السَّفـَر..

كلُّ الحَكايَا بَعْدَ مَوْتِ الفـَجْر

آخرُها السَّفـَر..

أطـْلالُ حُلمِكَ تـَحْتَ أقدام السِّنِين..

وَفى شـُقـُوقِ العُمْر..

آخُرها السَّفـَر..

هَذِى الدُّمُوعُ وإنْ غَدَت

فى الأفقِ أمطـَارًا وزَهْرًا

كانَ آخَرُهَا السَّفـَر

كـُلُّ الأجـِنـَّةِ فى ضَمِير الحُلـْم

ماتـَتْ قـَبْـلَ أن تـَأتِى

وَكـُلُّ رُفـَاتِ أحْلامِى سَفـَر ..

بالرَّغـْم مِنْ هَذا تـَحنُّ إلى السَّفـَر؟!

مَاذا أخذْتَ مِنَ السَّفـَر؟

حَاولتَ يومًا أن تـَشُقَّ النـَّهْر

خَانـَتـْـكَ الإرَادَهْ

حَاوَلتَ أنْ تـَبنِى قـُصورَ الحُلـْم

فى زَمنِ البَلادَة

النبضُ فى الأعْمَاق يَسقـُطً كالشُّموس الغَاربة

والعُمْر فى بَحْر الضَّياع الآنَ ألقـَى رأسَه

فـَوقَ الأمَانِى الشـَّاحِبة ..

شَاهَدْتَ أدْوارَ البَراءةِ والنذالةِ والكـَذِبْ

قـَامْرتَ بالأيام فى»سِيْركٍ»رَخيصٍ للـَّعِبْ..

والآنَ جئـْتَ تـُقيمُ وَسْطَ الحَانـَةِ السَّودَاءِ.. كـَعْبَهْ

هَذا زَمانٌ تـُخـْلـَعُ الأثوابُ فِيهِ..

وكلُّ أقدار الشُّعوبِ عَلى الـَموائِدِ بَعض لـُعْبهْ .

هَذا زَمانٌ كالحِذاء..

تـَراهُ فى قـَدَم المقـَامِر والمزَيِّفِ والسَّفِيهْ..

هَذا زَمَانٌ يُدْفـَنُ الإنسَانُ فِى أشْلائِه حيّا

ويُقـْتلُ..لـَيْسَ يَعرفُ قـَاتِليهْ..

هَذا زَمانٌ يَخـْنـُقُ الأقمَارَ..

يَغـْتـَالُ الشُّمُوسَ

يَغـُوصُ..فى دَمِّ الضَّحَايَا ..

هَذا زَمَانٌ يَقـْطـَعُ الأشْجَارَ

يَمْتـَهنُ البرَاءَةَ

يَسْتـَبيحُ الفـَجْرَ..يَسْتـَرضى البَغـَايَا

هَذا زَمَانٌ يَصلـُبُ الطـُّهْر الـَبرىءَ..

يُقيمُ عِيدًا..للـْخـَطـَايَا ..

هَذا زَمَانُ الموْتِ..

كـَيْفَ تـُقِيمُ فوقَ القـَبْر

عُرسًا للصَّبايَا ؟!

عُلبُ القمَامَة زينـُوهَا

رُبَّمَا تبْدو أمَامَ النـَّاس..بُسْتـَانـًا نـَديّا

بَينَ القمَامَة لنْ ترَى..ثوْبًا نـَقِيّا

فالأرْضُ حَوْلكَ..ضَاجَعَتْ كلَّ الخطايَا

كيْفَ تحْلم أنْ تـَرى فيهَا.. نـَبيّا

كـُلُّ الحَكايَا.. كانَ آخرُهَا السَّفـَر

وَأنا..تـَعِبْت مِنَ السَّفـَر..
قصيدة «مَاذا أخذتَ مِنَ السَّفـَر»ْ سنة 1989

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة