ثقافة وفنون

مصطفى عبد المعطى بعد تكريمه فى ملتقى الأقصر للتصوير: الفن رؤية وحياة

19-1-2021 | 22:06

د.مصطفى عبد المعطي

حسناء الجريسى

سعيد بأن «الملتقى» تذكرنى بعد هذه السنوات


كنا جيلا محظوظا لأننا تتلمذنا على أيدى أساتذة كبار

أعجبت بلوحات دافنشى وجرأة بيكاسو


حققت الدورة الـ 13 من ملتقى الأقصر الدولى للتصوير، الذى ينظمه صندوق التنمية الثقافية برئاسة د. فتحى عبد الوهاب، نجاحا فى ظل ظروف استثنائية، وأفرزت لوحات عظيمة الإبداع لجيل من الشباب الصاعد، وتم خلال هذه الدورة الاحتفاء بتكريم قيمة فنية، وواحد من أهم التشكيليين فى مصر والعالم الدكتور مصطفى عبد المعطى..

أحد أهم الفنانين الكبار، حيث أسهم فى تطوير حركة الفن المصرى، واستحداث صور عصرية ممزوجة بروح التراث، وهو واحد من جيل الستينيات سعى بشكل دءوب لمواكبة حركة الفن العالمي، كون «جماعة التجريبيين»، لكنها لم تستمر للشروط الصعبة التى كان يضعها لاختيار أعضائها، تجول فى مختلف بلدان العالم، وتأثر بريشة بيكاسو ودافنشى، الفن بالنسبة له حياة وما عدا ذلك ثانوى، ظل مخلصا طيلة حياته للون، لكن نحت البرونز خطفه للحظة، تقلد مناصب عدة فى وزارة الثقافة فى الثمانينيات، وهو صاحب فكرة بينالى القاهرة، ويرجع له الفضل فى إنشاء متحف الفن الحديث، وقد تولى رئاسة أكاديمية الفنون بروما، حياته ثرية مليئة بالحكايات والأحداث، فهو يمثل حقبة تاريخية مهمة من تاريخ مصر الحديث لذلك قررنا فتح خزينة أسراره، ونقترب من ريشته، وعلى هامش فاعليات ملتقى الأقصر للتصوير التقته «الأهرام العربى» وكان لنا هذا الحوار.

> تكريمك فى ملتقى الأقصر الدولى للتصوير ماذا يمثل لك، خصوصا أنك حصلت على العديد من الجوائز، وكرمت فى مهرجانات عالمية؟

تكريمى أسعدنى كثيرا، والتكريم كحدث يجعل الفنان فى حالة من البهجة والسعادة لا يضاهيها شىء فى الوجود، أيضا أن يتذكرنى الملتقى بعد كل هذه السنوات، فهذا شىء مهم، خصوصا أننى لم أعد أشارك فيه، صحيح أننى شاركت فيه من قبل، وترأست الدورة الثامنة، لكن هذا التكريم له طعم خاص، فضلا عن أن مدينة الأقصر لها مكانة خاصة فى قلبى، أعتبرها عاصمة العالم الثقافية والتراثية، لأنها تحوى بين جنباتها أكبر مجموعة من التراث فى العالم تشع إمكانات فنية، العالم كله يستفيد منها، بها تراث إنسانى غير عادى، كله أنشأه المصرى القديم كرساله للعالم كله.

> أنت ابن وزارة الثقافة ولك دور كبير فى إنشاء عدد من المتاحف منها متحف الفن الحديث وبينالى القاهرة، وتقلدت العديد من المناصب والمهام بالوزارة، نريد أن نرجع بالذاكرة لابن جيل الستينيات، كيف كانت البدايات؟
البدايات كانت عندما تم إنشاء كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وكنت من الدفعة الأولى التى تقدمنا للدراسة بها، كنت سعيدا جدا، وكان الأساتذة متعاونين معنا، حريصين على تعلمنا كل شيء، قدموا لنا من الثقافة والمعرفة والفن بحورا، كنا نغرق فيها من كثرة التراث الذى كان ينهال علينا منها، منهم د. أحمد عثمان ومحمود سعيد، وعبد الله جوهر، كنا محظوظين بهذه النخبة العظيمة من الأساتذة، طبعا كانت عندنا أقسام عدة منها الديكور والزخرفة والحفر، مجموع درجاتى فى الثانوية كان كبيرا، وكان من حقى الاختيار، واختار زميلى عبد الله قسم الحفر، وأنا اخترت قسم التصوير، واقترحت عليه أن نتبادل المعرفة والخبرات، وكنت أميل للون بشكل غير طبيعى، لكن كان لدى شغف أن أعرف معلومات عن فن الحفر.

> لماذا كونت جماعة التجريبيين ولماذا لم تستمر؟
كونت جماعة التجريبيين مع محمود عدوى، كنا مجموعة شباب نهدف لعمل شىء جديد، ونتابع حركة الفن العالمية ونرغب فى البحث عن دور وسط هذا الزخم الفنى سواء فى مصر، لأنها كانت رائدة فى ذلك الوقت أم فى العالم، أما سبب عدم استمرار الجماعة هو أننا نضع شروطا لانضمام الأعضاء، وكانت الشروط قاسية وهذا كان سبب عدم اكتمالها واستمرارها، وبالتالى انتهى الأمر باستمرار الجماعة بى ومحمود، واستكملنا رسالتنا التى أنشأنا الجماعة من أجلها.

> ماذا عن دوركم خارج مصر؟
نحن كجماعة كنا نقطن فى مدينة الإسكندرية، وكان عندنا انفتاح على العالم، وكان يحيط بنا من الشمال أوروبا بثقافتها وفنونها، أما جنوبا فمصر بتراثها وقيمها وانتمائها إلى قارة إفريقيا، فنحن على الخط الفاصل والمفروض هذه جذورنا، لكن العالم كان يتحرك فى هذه الفترة بشكل غير عادى ثقافيا، لذلك قررنا أن ندرس فن العالم، ونأخذ من تراثنا ونمزجه بالفن المعاصر، بحيث نختلف عما حولنا، وتكون لنا التيمة التى تميزنا.

> ما التحديات التى واجهتكم خلال هذه الفترة؟
كنا نسعى لأن يكون لنا مكان وسط عمالقة الفن فى الداخل والخارج، وهذا تطلب مجهودا كبيرا منا، وإلا كنا سنصبح متكررين، طوال الوقت فى بداية تجربتنا كنا نريد أن نكون مختلفين، خصوصا أن الحركة العالمية فى الفن كانت متقدمة ومتطورة بشكل غير عادى، طبعا كنا جيلا محظوظا، لأننا تتلمذنا على أيدى أساتذة كبار كانوا لا يبخلون علينا بشيء، صحيح لم تكن التكنولوجيا متوافرة بالنسبة لنا مثل الجيل الحالى، لكننا كنا نجتهد ونبحث عن كل جديد.

> كيف ترى شباب الفنانين الحاليين؟
شباب صاعد وواعد، الحركات الفنية حاليا متعددة، والوسائل التى تحقق الرؤى الفنية كثيرة، فأصبح هناك أبعاد أخرى للفن، وفرتها التكنولوجيا الحديثة غير المسطح، أصبح اللون يتحرك والضوء، طبعا الفنان الجيد هو من يستطيع توظيف كل هذه الأبعاد للخروج بمنتج جيد.

> المتغيرات التى حدثت فى المجتمع كله أخيرا من ثورات وغيرها أثرت على اللوحة؟
بلا شك لأن الفنان يتأثر بكل ما يحدث حوله فى المجتمع، ولا يمكن أن يعيش فى صومعة، الفنان اليوم أصبح من السهل عليه متابعة كل ما يدور فى العالم من خلال ضغطة زر، أصبحت هناك هموم مشتركة بيننا وبين كل العالم، ومطلوب من الشاب المصرى أن يكون متابعا للحركة الفنية فى العالم.

> تجولت فى بلدان عدة ما مدى تأثير الخارج على ريشتك؟
عندما سافرت أول مرة إلى إسبانيا وبدأت أشاهد عمالقة الفن بعد ما كنت أقرأ عنهم، وأشاهد صورهم أصبحت أراهم وجها لوجه، وحدث احتكاك معهم، بدأت أشاهد أصول صورهم، وكنت أتساءل: كيف تكون ريشة الفنان على المسطح، طبعا كنت قابلت هنرى مور فى أحد المعارض الفنية بمصر أثناء وزارة د. ثروت عكاشة، وكنت مهتما فى ذلك الوقت بالفن الفرنسي، ومعجبا بجرأة بيكاسو، فى الخارج تجولت فى العديد من المتاحف واستفدت، لأن العين عندما تشاهد الأصل تتعلم فى هذه اللحظة كيف تتعامل مع اللوحة.

> القلم الرصاص البطل فى لوحاتك لماذا؟
لأنى لا أعتبر الخامة أو الأسلوب أو المذهب هو الفن، الفن بالنسبة لى رؤية، أعطى لنفسى مطلق الحرية لما يدور بداخلى، وهو يخرج على اللوحة دون تخطيط أو سابق انذار.

> هل نستطيع القول إنها لحظات تجل؟
الفن لحظات تجل خاصة بالشعراء، أنا مهنتى فنان، الفنانون فى العالم كله جادون، ولا ينشغلون بشيء غير الفن، أنا أعتبر الفن مهنة، فهو بالنسبة لى حياة.

> وصف النقاد لوحاتك بأنها ممزوجة بالإبداع الصوفى ما تعليقك؟
وصف النقاد يحترم ولهم رؤاهم، كل ناقد يكتب من منظوره الخاص للفن لكنى أتعايش مع المسطح، كل خط على المسطح يمثل لى حالة، وهناك حديث داخلى يدور بينى وبين المسطح وما يمليه أرسمه، لكن فكرة التوجه لا تعنينى فى فنى وليس عندى هذا الفكر.

> ما النصيحة التى توجهها لتلاميذك؟
أقول لهم: الفن كما يعطيك أعطه، هو لا يرتبط بوقت فراغ، الفن لا يعطى لمن لا يعطى، حتى يعطيك كل أسراره كرس له حياتك.

> إذن ما طقوسك اليومية؟
أستيقظ مبكرا، أتناول إفطارى وأدخل المرسم، أنظر للمسطح قبل بداية الرسم، ويحدث بينى وبينه حديث، المشكلة عند الإنسان كيف يبدأ؟ ومتى يبدأ؟ وبأى لون يبدأ على المسطح؟ كلها أسئلة نطرحها على المسطح، وهو ما يعطى لى الإجابات حيث تحدث استجابة، العلاقة بينى وبين العمل الفنى الأساسية فى حياتى.

> أقمت العديد من المعارض فى الخارج كيف كانت ردود الأفعال؟
قريبا يصدر كتاب عن رأى الغرب فى فنى، لأن الخارج كان يقول إننى أستخدم تراثنا بصيغة عصرية، وهذا ما كان يراه الغرب فى لوحاتى، خاصة، وكنت متابعا جيدا للفن العالمى.

> كنت أول من أسس بينالى القاهرة كيف جاءت لك هذه الفكرة؟
عندما توليت المركز القومى للفنون التشكيلية كان عبد الحميد رضوان، وزير الثقافة وقتها، وكان ذلك فى الثمانينيات، مع بداية عودة العلاقات المصرية - العربية، لكن بشكل تدريجى.
اقترحت على وزير الثقافة فكرة بينالى القاهرة، وكان لدينا بينالى الإسكندرية، لذلك قررنا أن ننتهز فرصة مشاركة الدول العربية، لعمل بينالى القاهرة، وتكون الدورة الأولى بمشاركة البلدان العربية، وكنا نهدف لعمل حوار الثقافات، طبعا رحب بالفكرة، وهنا أتذكر أن النيويورك تايمز كتبت مقالا بعنوان “نجح الفن فيما لم تنجح السياسة فى العالم” وسرعان ما دعيت إلى فينيسيا لمناقشة هذا الموضوع.

> بذلت جهدا كبيرا فى إنشاء متحف الفن الحديث الذى تم تطويره وافتتحته د. إيناس عبد الدايم منذ أسابيع؟
كانت مشكلتنا فى هذا الوقت التمويل، كانت أرض المعارض مكان وجود الأوبرا حاليا، هناك قابلت صلاح عبد الصبور، كان وقتها رئيس هيئة الكتاب، شاهدت المكان وجدته جيدا، وطبعا لم يكن عندنا متحف للفن نضع فيه أعمال الفنانين بدلا من وضعها فى مكان يشبه البدروم، وكنت طرحت هذا الأمر على الوزير عبد الحميد رضوان وأكد أن التمويل صعب، طلبت منه أن يعطيه لى، قلت له سأحاول أن أجهز شيئا فشيئا على حسب إمكانية الوزارة، شكلنا لجنة كان تضم وقتها بدر الدين أبو غازى، وطبعا عندما جاء الرئيس الأسبق مبارك ليضع حجر الأساس لمبنى الأوبرا، كلمناه عن المتحف، فطلب من رئيس الوزراء كمال حسن على، فى ذلك الوقت أن ينجز إنشاء المتحف بعد عام، خصوصا أننا عرضنا عليه الرسومات وانبهر بها وعلى الفور طلب من رئيس الوزراء أن يمولنا، وطلب منه أن نسرع فى بنائه، بحيث يكون جاهزا خلال عام .

> ما شعورك عندما تشاهد إنجازاتك اليوم من بينالى ومتحف الفن الحديث ومجمع فنون بالإسكندرية وغيره؟
سعادتى لا توصف ولا تعبر عنها كلمات وجمل وأعتبرها إنجازات مصر، ليست باسم مصطفى عبد المعطى، أنا غيرت مجمع الفنون بالإسكندرية، وأصبح يضم عددا من المتاحف لا يشغلنى من فعل هذا أو ذاك، لكن ما يشغلنى أن يعود هذا كله بالخير على مصر ويبرز وجهها التنويرى.

> كيف ترى مستقبل الفن التشكيلى فى مصر؟
لدينا شباب واعد، نعيش فترة الإرهاصات لأن التكنولوجيا الحديثة تحتاج أن تنفذ بفهم، خصوصا أن هناك من يخدع بها.

> على مدار تاريخك ما اللوحة التى أثرت فيك؟
ليست لوحه واحدة بل رسومات، الفن تاريخ، ميزة الفن أنه تاريخ ينقل حياة الإنسان ورحلته على الكرة الأرضية، ولكل عصر سماته ومنتجه الفنى فى مراحل كثيرة، هناك صور أقف أمامها ساعات، وأنا خارج مصر كنت أذهب للمتاحف وأجلس أمام الصور لساعات، أمام أعمال دافنشى وبيكاسو ومايكل أنجلو، كلهم فنانون يتمتعون بإنسانية رفيعة، الفنان وحدة كاملة قائمة بذاتها، أنا ضد الحديث عن وجود مدرسة متقدمة عن أخرى، ومهتم جدا بالرؤية المعاصرة، فهو ليس اتجاها.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة