آراء

فكر النهضة لا عصر النهضة

19-1-2021 | 12:11

بدأ نضال مفكرى النهضة العربية مطلع القرن التاسع عشر واستمر إلى القرن العشرين، دون أن ينجز نهوضا حقيقيا، فكان لدينا فكر نهضوى اندرج فى سياقه رواد معتبرون توزعوا على تيارات مختلفة، لكننا لم نمتلك عصر نهضة حقيقيا نشير إليه. يفسر لنا ذلك حقيقة أننا لم نتجاوز حتى اليوم القضايا الفكرية التى أثارها هؤلاء الرواد، فالعقلانية التى شغلتهم لا تزال همنا، والعلمانية التى أرهقتهم لا نزال نخشى منها، والوحدة القومية التى راودتهم يوما صارت محض أوهامنا، أما الديمقراطية التى مارسوها زمنا ولو قصيرا فباتت فريضتنا الغائبة. بل إن مواقفنا اليوم إزاء كثير من القضايا العملية تبدو أكثر رجعية عما كانت قبل قرن كامل، حتى إن القضايا التى بدت محسومة آنذاك لم تعد كذلك، فمن كان يتصور حينما بُنيت مدرسة الفنون الجميلة أوائل القرن العشرين أن يأتى من يحرم الرسم والنحت فى مطلع القرن الحادى والعشرين. ومن كان يتخيل فى ستينيات القرن الماضى أن لباس المرأة سيعود هاجسا بعد أكثر من نصف قرن، وبعد أن كانت بعض زوجات شيوخ الأزهر يرتدين الزى المحتشم دون غطاء رأس كعموم المصريات، أصبح غطاء الوجه نفسه (النقاب) يجد أنصارا يدافعون عنه. ناهيك عن فوائد البنوك التى لا يزال البعض يصمها بالربا ويدعو إلى أنظمة ادخار بديلة لا تتمايز عنها سوى فى مسمياتها، وفى المقابل تفضى إلى كوارث من قبيل شركات توظيف الأموال. وعلى منوالها تذوق الفنون السمعية والبصرية كالأغانى والموسيقى الذى بات البعض يراه رجسا من عمل الشيطان. وغير ذلك كثير من قضايا فكرية وعملية بدت محسومة لكنها عادت مجددا لتكشف عن ترددنا وتراجعنا.


حدث ذلك لأننا عجزنا عن إنجاز النهضة واكتفينا بتداول فكرها، ولأن التاريخ الإنسانى بطبيعته جدلى والموقف الإنسانى فيه ديناميكي، فإن من لا يتقدم محكوم عليه بالتخلف، وهو حكم يطول الفكر الذى يتعاطاه. أما عجزنا عن إنجاز النهضة فيرجع إلى تبعية الفكر العربى لنظيره الأوروبي، حيث سار خلفه يحاكيه ويتمثله فوقع فى إشكالاته من دون أن يمتلك نفس قدرته على الحسم، فالحسم سمة للفكر الرائد والتردد قدر الفكر التابع. يعكس الفكر الرائد هوية إيجابية منفتحة على التاريخ، كان لديها من الوقت والفرص ما سمح لها بالتطور عبر التجربة والخطأ. أما الفكر التابع فيعكس هوية سلبية، لا ترى نفسها إلا فى عيون الآخر، ما يضع على أهلها عبئا نفسيا يكاد يمزقهم، لأنهم إذا وافقوا الآخر ذابوا فيه، وإن رفضوه تحولوا إلى ضده، معكوس لصورته فى المرآة، مجرد ظل هولامى لا يمكن تحديده إلا بالجسد الأصلى.

كانت النهضة الأوروبية بمثابة ظاهرة تلقائية فى التاريخ، حركة مستقلة فى أفق مفتوح امتدت فى قرنين: الرابع عشر والخامس عشر، تليا العصر المدرسى خروجا من أفق العصور الوسطى، حيث تعانق لاهوت توما الأكوينى المسيحى مع منطق أرسطو الصورى ليصبغا معا فلسفة هذا العصر بنزعة توفيقية تقوم على التقليد والاجترار. وفى المقابل، لا يمكن لأحد أن يدعى بمثل تلك الاستقلالية لحركة النهضة العربية، فقد توارت تقريبا الدوافع الداخلية للتغيير فى ظل الحكم العثمانى البليد، ولم تصدر محاولات نهوضنا الحديث عن حركة ذاتية لتجربة تاريخية تتطور بثقة واستقلال بل فى سياق دفاعى حكمته الدهشة والخوف والرغبة العارمة فى اللحاق بالغرب، ولهذا تمكن فكر النهضة الأوروبى من فرض بعض تحيزاته على فكر النهضة العربى وعلى رأسها اثنان. أولهما يتعلق بعملية التحقيب التاريخي، حيث قام الفكر الأوروبى بتقسيم التاريخ إلى ثلاث حقب رئيسية انطلاقا من رؤيته لمسار تطوره الذاتى: القديمة أو الكلاسيكية المتمثلة فى العهدين اليونانى والروماني، وقد اعتبرت بمثابة عصر تأسيس الفكر الغربى. والوسيطة التى سادتها المسيحية، وقد اعتبرت عصر ركود وجمود. ثم الحقبة الحديثة التى افتتحت بعصر النهضة. ما يعنى أن العصور الوسطى (المسيحية) لم تكن سوى مرحلة انتقالية طارئة بين عصر التأسيس الكلاسيكى وعصر الحداثة المتوهج، وهو تحقيب موضوعى فى سياقه الخاص ولكنه يصبح زائفا تماما فى سياق الفكر العربي، الذى فقد تاريخيته عندما أذعن لهذا التحقيب المتعسف، فعصر النهضة العربى جوهريا، وهو عهد انبثاق الإسلام وتوسع دولته وازدهار حضارته يمتد فى القرون الأربعة الأولى هجريا، بين السابع والحادى عشر ميلاديا، بات يذكر باعتباره العصر الوسيط، وعندما يذكر مصطلح الوسيط من دون تفصيل، فإنه يقود الذهن إلى زمن الجمود الأوروبي، وليس إلى زمن النهضة العربية.

أما الثانى فيتعلق بالتفسير الدينى لتخلف العالم العربي، والذى ركز عليه تيار المركزية الأوروبية وعلى رأسه مفكرون من طراز أرنست رينان منظر العرقية الدينية واللغوية، ووزير الخارجية الفرنسى هانوتو الذى ساجله الإمام محمد عبده، نافيا ما ادعاه الرجل من وجود علاقة شرطية بين الإسلام والتخلف. اعترف الإمام بتخلف المسلمين، ولكنه سعى إلى تفسير ذلك بسوء فهم الإسلام وليس بالاعتقاد الإسلامى نفسه. وفى السياق ذاته ميز النهضوى الجزائرى عبد الحميد بن باديس بين (الإسلام الذاتي) و (الإسلام الوراثي). الأول هو الأصل الجوهري، الذى تبنى مفاهيم كلية غيرت وعى العرب ومنحتهم العافية الروحية والإيجابية التاريخية. والثانى هو التقليد الوراثى الذى مورس بقانون القصور الذاتي، وتلقاه اللاحقون دون نظر بل بحكم الانتماء العاطفى للآباء والأجداد، فجاء مشوبا بالبدع الاعتقادية والعملية. ورغم أنه منح المتمسكين به القدرة على الصمود فى وجه تحولات الزمن وحفظ على الأمة شخصيتها ولغتها وشيئا كثيرا من أخلاقها، فإنه بطبيعة الأشياء لا يصلح لبناء مشروع للنهوض. وهكذا يتبدى كيف أن وعى الإمام عبده، والشيخ بن باديس كان محكوما بالإشكالية التى فرضها الخطاب الأوروبي، هادفا إلى مجرد نفى علاقة الارتباط الشرطى بين الإسلام والتخلف، دون محاولة التنظير للواقع العربى مباشرة، أو طرح إشكالاته الفكرية والاجتماعية كبرنامج على أجندة السلطات الحاكمة.

نقلاً عن

التنوير الراديكالي ونزعة الشك الفرنسي

انطلق الفكر الأوروبى الحديث من الكوجيتو الديكارتى الذى وضع الفكر فى مقابل الامتداد. الفكر هنا يعنى العقل والروح وكل ما يمت للمعنويات كالعقيدة الدينية.

كانط. . رسول العقل الإنساني

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التي تعطل مسعاه في

الفلسفة المثالية بين التنوير والمسيحية

تحدثنا فى المقال السابق عن ثلاث مدارس في نظرية المعرفة تحكمت في أنماط التنوير الأوروبي: المثالية الذاتية، والتجريبية الحسية، والمثالية التجريبية. يشيع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة