آراء

اصرفوا عنا ليالي الشتاء

19-1-2021 | 00:14

لسعات البرد القارس تضرب عظام اللاجئين السوريين وسكان المخيمات، وأشدها ألمًا حين يئن منها الأطفال، ويعلوا صراخهم من قسوة أمراض البرد التي تصيب أجسادهم النحيلة، وتتبدى مخاوف الأسر السورية أمام وباء كورونا، وتعتبر توحش البرد وهطول الأمطار أشد شراسة من فيروس كورونا.


وتناشد المنظمات الإنسانية التابعة لـهيئة الأمم المتحدة الحكومات إنقاذ اللاجئين بشكل عاجل، وخاصة بعدما وصل حال المخيمات من اهتراء وتدنٍ في أوضاع البنية التحتية، ومن فقر مدقع تشهده المخيمات لأبسط ضروريات الحياة الآدمية.

وألحقت الأمطار أضرارًا مادية على ساكني المخيمات، ويستغيث أهالي المخيمات من سوء بنيتها التحتية، لأنها غير مجهزة لتحمل الأمطار والرياح والعواصف، ولك تخيل منظر تدفق المياه إلى المخيم، والمفروشات والأغطية بداخله عائمة، حتى الحطب لا يقوى على مقاومة الرياح، وتنطفئ ناره، ولا يجد آلاف النازحين السوريين وسيلة للتدفئة ولحمايتهم من قسوة الصقيع.

وترصد الإحصائيات أعداد النازحين في مخيمات الشمال السوري بنحو مليون و49 ألف لاجئ، بينهم 410 آلاف طفل، ويفتقرون إلى ملابس شتوية أو أرخص أجهزة للتدفئة.

ومن ألوان معاناتهم الأخرى ندرة مياه الشرب، نظرًا لعدم وجود بديل طبيعي أو صناعي للمياه من آبار وشبكة مياه، ويلجأون إلى تدبير ما يقدرون عليه من مال لشرائه، وتسجل أسعار المياه أرقامًا كبيرة، ويصل سعر المتر المكعب من الماء إلى 600 ليرة سورية، وهناك أسر لا تستطيع توفير هذه المبالغ المالية.

ويحكي عائل إحدى الأسر النازحة، أنه يوفر - بشق الأنفس - القليل من الوقود وبأسعار باهظة، والذي لا يصمد سوى بضعة أيام، وتأكيدًا لكلامه تكشف الصحف عن أزمة وقود في المخيمات السورية واللبنانية.

وتبكي سيدة سورية من سوء أحوال أحفادها الخمسة، وقد فقدت ابنها ووالدهم في إحدى الغارات الجوية، وتقول أعيش على مساعدات الجمعيات الخيرية، وبقية أبنائي نزح أحدهم إلى مخيم آخر، واضطر الثالث للهجرة إلى أوروبا، وتقول كل دقيقة تصرخ ألمًا على أنين أحفادها، وهي عاجزة عن توفير الدواء والطعام والملابس لهم.

وتروي ربة أسرة عن خيمتها، أن الرياح اقتلعتها، وبعد مرور وقت ليس بالقصير في العراء أنا وأولادي، نجح الشباب من المخيمات المجاورة في إعادة إقامتها، وتقول: لم يكن برد الشتاء الوحيد من أسباب معاناتنا، إنما كذلك فصل الصيف نقاسي فيه من شدة ارتفاع درجات الحرارة، والغبار يؤثر على صدورونا، وخاصة أصحاب مرضى الحساسية.

وفي الليالي الشتوية قارسة البرد ينام العديد من الأسر والجوع يعتصر أمعاءهم، ويرجع ذلك إلى النقص الشديد في الغاز لطهي الطعام، برغم أنه توافر القليل من الطعام، ولكن نيران الحطب والأخشاب لا يمكنها الصمود أمام الرياح والأمطار، وأحيانا يأكل أطفالنا الخضراوات غير ناضجة.

وتتعدى معاناة برودة الليالي الشتوية إلى قاطني مخيمات الفلسطينيين، ويعاني أهلها من فقر مدقع من مقومات الحياة، ونفس الأمر تغرق مخيماتهم من الأمطار، وصاروا لا يتمنون حلول فصل الشتاء، ويأملون في إنهاء معاناتهم والعثور على ملاذ آمن يحميهم من تقلبات ليالي الشتاء العاصفة، مع العلم أن مخيمات الفلسطينيين مشيدة منذ عشرات الأعوام على النقيض من حداثة مخيمات لاجئي سوريا.

والسبيل الوحيد للحفاظ على كرامة إنسانية هؤلاء اللاجئين المشردين من أطفال ونساء وشيوخ، يتمثل في بناء منازل ذات دور واحد من الأسمنت والحديد المسلح، وتكون أسقفها مائلة، لأنه من المتوقع استمرار إقامة هؤلاء اللاجئين إلى عدة سنوات قادمة، وحتى يتوقف نزيف الموت والإصابة بالأمراض والجوع، ولابد من تجهيز بنية تحتية جيدة، خلافًا على إنشاء أسواق حول المخيمات توفر سلعًا رخيصة، ويحتاج ذلك إلى تضافر منظمات الأمم المتحدة والمجتمع المدني ومراقبتها على مراحل البناء، فقد وصل حال ساكني المخيمات إلى أنهم يأملون بأن يُصرف عنهم ليالي الشتاء، كمن يُصرف عنه الشيطان.

Email: [email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
حسين خيري يكتب: 42 مليون جائع يتعلقون بقشة

سبقت الصومال أمريكا بأيام وأعلنت حالة الطوارئ، وقد أعلنتها الأخيرة لمواجهة خطورة متحور أوميكرون ، والصومال أعلنتها خوفا من تعرضها لأزمة إنسانية بالغة ناتجة عن موجة جفاف تضرب أراضيها.

حسين خيري يكتب: الرقيب الصيني يفرض مقصه على هوليوود

بدون مبالغة الصين تحدد حاليًا ما يراه المشاهد من أفلام في أي بقعة على الأرض، وأثبت ذلك في دراسته جيمس تاجير الباحث الأمريكي في صناعة السينما، وقال جيمس

حسين خيري يكتب: الشخصية المهزوزة علة المجتمعات

هل اعتدنا في شارعنا العربي رؤية عجز المارة الدفاع عن الضعيف؟ وحجتهم في ذلك شعورهم بالخوف من تعدي الجاني عليهم، وتلك الحقيقة المؤلمة توضح عظم المصيبة في

حسين خيري يكتب: الفاشل الجزء الأكبر من كل مشكلة

كلما قرأت عن جريمة، أجاهد نفسي في البحث بين السطور عن صفات فاعلها، ودائمًا ما تفسر عن تجسيد لملامح شخص فاشل حاصل على أدنى درجات المعرفة.

حسين خيري يكتب: "نشوة الموت" لعبة تنشر الكراهية

نشوة الموت كارثة جديدة تبعث القلق في نفوس رواد التواصل الاجتماعي، ويتزايد الخوف من انتشارها وسط مجتمعنا العربي، فقد مات في يونيو الماضي مراهقان بالولايات

حسين خيري يكتب: اقرؤوا إنصاف المستشرقين للعرب

قبل أن يصيب أي عربي التخاذل والتكاسل في تقديم عطائه لبلاده، يجب عليه قراءة كتاب معروف أسمه شمس الله تشرق على الغرب بفضل تراث العرب ، وكاتبته المستشرقة

حسين خيري يكتب: الاحتفالات تدعم الانتماء للوطن والأخلاق

لسنا وحدنا المصريين من يحب إحياء الحفلات في كل مناسبة، ويضعون طقوسًا مختلفة في أشكالها لكل مناسبة، فجميع البشر على الكرة الأرضية مهما تنوعت ثقافاتهم يعشقون

حسين خيري يكتب: السلاح الخفي لقتل الفلسطينيين

حروب خفية تمارسها إسرائيل في حق الفلسطينيين، ولا تعتمد فيها على القتل المباشر بالرصاص الحي، وتسعى منذ عقود لتدمير البيئة الفلسطينية، رغم أن الاحتلال الإسرائيلي

حسين خيري يكتب: الروح العدائية سببها كفاءة المدير

مفهوم الكفاءة لا يقتصر على أداء الموظفين، وإنما يشمل العديد من مجالات الحياة، فالزواج السعيد وليد حسن إدارة الزوجين، والأبناء الصالحين ثمرة الكفاءة الواعية

حسين خيري يكتب: البحث عن بديل "النفخة الكدابة"

شخص يدفع ما يقرب من 230 دولارًا لمجرد إجراء مكالمة مع فنان مشهور، ويقترح البعض بالحجر على أمثال هؤلاء، وهو ما حدث بالفعل في المملكة المغربية، وتشهد ضجة

حسين خيري يكتب: العلم والبركة في حكاية..

لايكيل العلم بالبتينجان عبارة يروجها المصدقون لمن يمشي على الماء، ويؤمن بها الذين شيدوا صرحا وسقط على الفور لافتقاره إلى دراسة طبيعة التربة، والفشل في

للوهم أوجه كثيرة وأزياء من كل لون

لم يقتل الجن عروس حلوان وقتلها جهل أسرتها، فمصيبة المجتمعات العقول التي يأكلها إدمان الوهم بتصديقهم لمروجي الأكاذيب، وينساقون مغمضي العينين خلف مروجيها

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة