آراء

الخلافة وأصول الحكم! (1)

18-1-2021 | 10:28

أمضيت معظم حياتى دارسًا متأملاً فى التاريخ الإسلامى، أو بالأحرى تاريخ المسلمين، لأن هناك من تاريخ المسلمين ما لا يجوز نسبته إلى الإسلام، لذلك فإن الأدق أن يقال: تاريخ المسلمين، ولا يقال التاريخ الإسلامى, ومن باب الدقة فيما تنصرف إليه هذه السطور أن يقال: التاريخ السياسى للمسلمين، ووجه هذا أنه يوجد على الطرف المقابل: التاريخ الثقافى والعلمى والمعرفى للمسلمين، وشتان بين التاريخين مع أن التعبيرين ينصرفان إلى ذات السنين، ما بين السنة الأولى للهجرة، وحتى الآن.

وقد عاينت هذا الفارق الكبير، حيث عالجت التاريخ السياسى للمسلمين، وهالنى ما أريق فيه من دماء، وأزهقت فيه من أرواح، بعيدًا عن قيم ومبادئ وأحكام الإسلام، فأفرغت هذا فى كتاب دماء على جدار السلطة!.

غريبٌ ولا يزال، الدماء التى أريقت على جدار السلطة، فى ظل شريعة سمحاء، تحرِّم القتل وإزهاق الأرواح، وتنذر بأشد أنواع العقاب فى الدنيا والآخرة من يقارف هذا الوزر الشنيع، وتعلم الناس أن من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن جزاء القاتل عمدًا جهنم خالدًا فيها يبوء بغضب الله تعالى عليه وبما أُعِدَّ له من عذاب عظيم .

لذلك كان غريبًا ولايزال أن تتعدد وتكثر حوادث القتل عبر تاريخ، للأسف، طويل، ـــ من أناس يحسبون أن أعمالهم من الإسلام، دفعهم حب السلطة والحرص عليها إلى إسالة الدماء وقتل الآباء والإخوة والأبناء، فامتلأ التاريخ، وهو ليس من الإسلام، بوقائع قتل جرت على جدار السلطة، مخيفة ومفزعة!.

كان اغتيال الفاروق عمر بن الخطاب، أول حادثة قتل للخليفة فى الإسلام، فقد قتل غيلة وهو يقيم الصلاة، بيد أن مقتل الفاروق على الفجيعة المفجعة فيه، لم يكن صدمة فى العقيدة، لأن القاتل كان غلامًا دخيلاً على الإسلام، ومن ورائه عصابة تدين بغير دين الإسلام، وتكره من عمر بن الخطاب عليه الرضوان، ما بذله ويبذله لإقامة هذا الدين، ولذلك فلم تكن لواقعة القتل أى مرجعية تمس العقيدة أو تصطدم بها ، وإن بقيت الفاجعة التى فجعت المسلمين بقتل الفاروق أمير المؤمنين!.

على أن قتل ذى النورين، عثمان بن عفان، كان صدمة مؤلمة فى تاريخ العقيدة، لأن القتلة تأولوا قتله، وحسبوا تأويلهم من الإسلام، فقتلوا الخليفة قتلة بشعة وهو شيخ وقور جاوز الثمانين، وحال قيامه بتلاوة القرآن، كذلك كان اغتيال الإمام على بن أبى طالب وهو يتقدم لأداء الصلاة ، وبدأت بذلك أحداث الفتنة الكبرى، وانفتحت بجرثومة طلب الحكم والطمع فيه والسعى إليه أبواب لم تنغلق، لحادثات قتل شنيعة، وعنف دموى امتد إلى اليوم!.

لم تكن من الإسلام, حادثات العنف والقتل والاغتيال فى طلب الحكم ، ولكنها حملت إساءات بالغة إلى الإسلام، وتركت ندوبًا غائرة فى تاريخ المسلمين.
ولم يكن صوابًا خروج معاوية بن أبى سفيان، على الإمام على بن أبى طالب الذى بويع بيعة صحيحة، جاءت فى محلها.. ومن ثم لم يكن خروج معاوية عليه من الإسلام.ولم يستند إلى أى مرجعية إسلامية، وإنما كان بدافع السياسة وطلب الحكم ، وإذكاءً فى الواقع للتنافس القديم من قبل الإسلام بين البيت الهاشمى والبيت الأموى ، وكذلك كان الأمر بل أشد خروجًا على الإسلام تنصيب ابنه يزيد جبرًا رغم أنف المسلمين!. ولم يكن رفع قميص عثمان والمطالبة بدمه أو بدفع قتلته، إلاَّ ذريعة أو تعلة كاذبة للخروج على البيعة ، وكان الإمام على آخر من يمكن أن يُتهم فى دم عثمان، فقد كان الوحيد من الأربعة الباقين من الستة الذين عهد إليهم عمر بالشورى ـ كان الوحيد من الأربعة الذى كان ينصح له ويخذل الناس عن الثورة والفتنة ما وجد إلى تخذيلهم عنهما من سبيل، ولم يكن عثمان يلجأ فى طلب النصح أو طلب النجدة إلاَّ إليه.

وكما كان الإمام على آخر من يُتهم فى دم عثمان، أو يُطَالب بدفع قتلته الذين شاع أمرهم وصعب التعرف اليقينى عليهم فى زحمة الحادث وكثرة المشاركين فيه، بينما المدينة كلها تحت رحمة الثائرين ـ فإن معاوية آخر من كان يحق له المطالبة بدم عثمان. وقد تخلف فى الواقع عنه رغم الاستنجاد به، مع أنه كان يملك الجند والمال والتأثير بالشام، ويستطيع لو أراد أن ينجد الخليفة الذى طال حصاره وحصار الصحابة معه بالمدينة ما يكفى لنجدته!. وقد كان الإمام على أجدر المستحقين للخلافة، وأقواهم على القيام بالأمر وحمل الناس على الجادة , كما قال فيه عمر الذى كان يرى أنه أشبه الناس به فى شدته فى الحق.

وأعود فأقول إن خروج معاوية على الإمام على لم يكن صوابًا ، ولا كان من الإسلام ، وإنما كان طلبًا للحكم فى صراعٍ وصفه العقاد وطه حسين أبلغ وصف حينما قررا أنه كان صراعًا بين «المُلْك» الدنيوى الذى يمثله معاوية، والخلافة الحقة التى مثلها الإمام على أبلغ تمثيل، بينما كانت الرياح مع الملك لا مع الخلافة التى ولت مبادئها بانتهاء عهد الراشدين .

أما كيف سار تاريخ المسلمين في العلم والمعرفة والحضارة، فإلى المقال المقبل إن شاء الله!.

نقلاً عن

الخلافة ليست من أصول الحكم في الإسلام (7)

من غير المعقول ألا يعرض الأستاذ العقاد، المعروف بموسوعية إطلاعه وموسوعية كتابته ومؤلفاته، ألا يعرض لهذه القضية البالغة الأهمية التى ازداد الاهتمام بها

الخلافة ليست من أصول الحكم في الإسلام (6)

كتاب الشيخ علي عبدالرازق الإسلام وأصول الحكم لا يزال قبلة معظم الناس، بل صفوة المفكرين والكتاب، رغم مضي نحو قرن من الزمان على صدوره سنة 1925، ورغم كتابات

الخلافة ليست من أصول الحكم في الإسلام ! (5)

ليست هذه أول مرة أتصدى فيها للبحث وتكرار البحث والتصدى لفكرة الخلافة، وإثبات أنها لا تنبع من أصل من أصول الإسلام، وسبب معاودتى الحديث فى هذا الموضوع المهم،

الخلافة ليست من أصول الإسلام! (4)

معالم الحكم الواضحة في المبادئ قطعية الدلالة التي استنها القرآن الحكيم، أن الحكومة حكومة مدنية، بمعنى أن القائم على الأمر ليس ممثلاً لله عز وجل، ولا يملك

التركية العثمانية وأنهار الدماء! (10)

واجهت دولة الخلافة العلية التركية العثمانية، ثورة كبيرة باليونان التى نهضت تطلب استقلالها عن الدولة العلية، وتكبدت الجيوش العثمانية خسائر فادحة في كل المحاولات

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة