آراء

الزمالك ليس مخالفًا وحده

17-1-2021 | 11:27

مفارقة عجيبة أو مصادفة مذهلة بين ذكري وضع حجر الأساس في السد العالي، وإزالة أسوار عالية تحيط بالنادي النهري للزمالك علي كورنيش العجوزة، والمفارقة تبين المسافة الهائلة التي قطعها المجتمع المصري في التعامل مع نهر النيل، مسافة بين تهذيب النهر والحفاظ عليه واستثماره في تغيير حياة المصريين، كل المصريين إلي الأفضل، وتشويه النهر وإهدار جماله وتخصيص ضفافه لفئات محظوظة من المصريين لكي تستمتع به، وبالمناسبة النادي النهري للزمالك ليس حالة خاصة في المخالفات، المصادفة فقط هي التي دفعت باسمه إلي المقارنة، فالذين يعتدون علي حرمة النهر يصعب حصرهم من أصحاب النفوذ، نفوذ المال الذي يشتري النفوس، ونفوذ المكانة التي تكتسب سلطة معنوية ومادية، بل أننا نرفع القبعة لإدارة الزمالك الجديدة، وننحني احتراما لقرارها وجرأتها في تنفيذ إزالة المخالفات، التي تسيء للنهر وتلوث مشهده وطبيعته، وكان سورا قبيحا للغاية. أكثر من ستين سنة، بين لحظة تدشين حجر أساس السد العالي، وجرائم العدوان علي النهر بطول مصر منذ دخوله إلي أسوان وحتى وصوله إلي البحر المتوسط، كازينوهات وكافتيريات ومطاعم وقاعات أفراح وأندية خاصة رياضية ومهنية ومبان سكنية وإدارية. والنيل هو حياة مصر والمصريين..


حين قبلت الحكومة المصرية مساهمة السوفييت في بناء السد العالي للسيطرة علي النيل، علقت جريدة إنجليزية صغيرة، مانشستر جارديان، علي الخبر قائلة: إن ما تتوق إليه حكومة عبد الناصر من بناء سد عال لا يعد ضربا من الهوس القومي الكبير، لأن استخدام النيل من أجل المصريين هو مسألة حياة أو موت. وفعلا هذب السد من شدة فيضانات النهر، فلم تعد القري تغرق ويبكي أهلها علي أطلالها، وتتجمد فيها أيامها الهادئة شهرين ثلاثة، والأهم أن السد هَرَبَ بمصر من الجفاف الذي ضرب قارة إفريقيا، عندما شحت الأمطار الاستوائية لسنوات طويلة في الربع الأخير من القرن العشرين، وعوضت بحيرة ناصر نقص الفيضان للإنسان والحيوان والأرض. وهي البحيرة التي تمنح الحكومة المصرية الآن القدرة علي تحمل مناورات إثيوبيا والصبر علي سوء تقديرها للعواقب التي يمكن أن يسببها موقفها المتعنت في التفاوض علي ملء سد النهضة. هكذا كانت مصر تفكر في النهر ويعمل المصريون. لكن التفكير أِعوجَ وانحرفَ، وأهمل المصريون وصايا أجدادهم باحترام النيل إلي درجة التقديس.

كان الفساد والتسيب وتلوث النفوس يتحرك بعيدا عن النهر إلي حد كبير، لكن قيم النهب المنظم بطريقة اخطف واجري والتي استفحلت مع الأزمات الاقتصادية أدخلت النيل إلي حيز الطمع، صحيح أن القانون صارم في حماية النهر وحرمته، لكن مع قيم النهب يمكن أن يتحول القانون إلي مطية لأصحاب النفوذ والسطوة أو إلي مواد مشنوقة علي أبواب من يدفع الثمن. كانت الكازينوهات والمباني علي الشواطئ النيلية محدودة ولا يرتفع منها أي جزء فوق سطح الأرض يحجب رؤية النهر إلا نادرا، فإذا بالأندية الفئوية تتوالد وتتكاثر كالجراد، وبما أن أهلها أو بعضا منهم علي علاقة بالسلطة انتصبت المباني المخالفة لأي قانون، وصارت واقعا يغتصب براءة النهر بانتظام، حتي وصل الأمر إلي قاعات أفراح بالمئات، وبات المواطن المصري غير المحظوظ يبحث عن النيل كمن يبحث عن إبرة في كوم قش.

لو أخذنا كورنيش المعادي مثالا، ورأينا أفلاما قديمة مثل مراتي مدير عام، وهو من إنتاج عام ١٩٦٦، ونتابع شادية وصلاح ذو الفقار بسيارته المتهالكة وهما يذهبان من بيتهما في ضاحية المعادي إلي عملهما في قلب القاهرة، ما يقرب من ١٢ كيلومترا من المساحة المفتوحة علي امتداد النهر، لا أبراج ولا كازينوهات ولا مطاعم، بل إن رصيف الشارع الملاصق للنيل لا يقل عرضه عن ثلاثة أمتار، ليسمح بالتنزه المستور لأهل المدينة من الطبقة الوسطي. اليوم لا يستطيع المرء أن يري صفحة النهر إلا بصعوبة شديدة ولأمتار قليلة، من كثرة المباني المنتصبة علي ضفته، بل إن الكازينوهات التي التزمت إلي حد ما بالقانون وغاصت تحت سطح الأرض، صنعت أسوارا من أعمدة حديدية وخلفها أشجار كثيفة، كي توفر خصوصية لروادها، فلا يراهم المشاة علي الكورنيش.

خذ ضفة النيل ما بين كوبري الجلاء وكوبري الزمالك، ستجد أندية أخري غير الزمالك أحاطت نفسها بأسوار وبوابات حديدية عالية، ولم يتم الاقتراب منها بالإزالة، ومن حق نادي الزمالك أن يسأل: ولماذا نحن فقط؟

وإذا أكملنا المسيرة إلي الوراق سوف تصدمنا في إمبابة صالات الأفراح الخرسانية علي ضفة النهر مباشرة، بعض هذه المباني مقامة علي أرض طرح النهر وهي من ملكية وزارة الري. ولأن الناس علي دين كبارهم لم يسكت العشوائيون وسطوا هم أيضا علي أجزاء من ضفافه علي امتداد النهر بكل رياحينه وفروعه، ولأنهم بلا نفوذ، لجأوا إلي لعبة دينية، ليبعدوا السلطة عنهم، وهو وضع اليد علي قطعة أرض، ثم يبدأ الواحد منهم باسم جمعية خيرية صحيحة أو وهمية في بناء زاوية صلاة، تتوسع تدريجيا إلي جامع متعدد الطوابق التعليمية، ثم يفرش بجواره كافتيريا أو يقيم بيتا صغيرا، وهذه حالة سائدة علي الرياح المنوفي وترعة الإسماعيلية وغيرهما، بل رأيت بيتا أشبه بقصر علي الرياح المنوفي مباشرة في المسافة بين الباجور وشبين الكوم، ويستحيل أن يملك صاحبه الأرض، لأنها من طرح النهر مع الطريق..الخ.

شيء رائع أن تمهد الحكومة ممشي للناس علي كورنيش النيل ما بين روض الفرج وكوبري قصر النيل، لكن النهر له حرمة نريد أن نستردها، ولا يمكن أن نزيل مخالفات نادي الزمالك فقط، دون بقية الجرائم المنتشرة علي ضفافه، أيا كان أصحابها، والقانون هو السيد، ودون مصالحات أو حلول وسط. ربما نسينا أن النيل بشكله الذي نعرفه هو صناعة قدماء المصريين، فكان يمتد مستنقعات في نهاية رحلته إلي البحر فجففوها وحددوا مجراه وضفافه ودلتاه، لكن بعض المصريين المحدثين لوثوه واعتدوا عليه وسرقوه أيضا، وهو حق موروث لكل المصريين وليس لبعض المصريين حسب وظائفهم أو قدراتهم المالية.

نقلاً عن

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة