آراء

وداعًا وحيد حامد

17-1-2021 | 11:23

كنتُ حبيس الفراش فى الأيام التى دخل فيها وحيد حامد المستشفى فى حالةٍ خطرة، فلم أستطع أن ألقاه قبل رحيله عنا. وعندما دُفن كنتُ حبيس الفراش، فلم أستطع أن أشارك فى مراسم تشييع جثمانه والقيام بواجب الوداع لصديقى الحميم الذى تمتعتُ بصداقته وحبِّه سنوات طويلة. وظللتُ فى البيت أُعانى حزنى على وفاته وفقدى له.

ولكن عزائى أن مصر والعالم العربى كله كانا يشتركان معى فى الحزن عليه، وأغلب التليفزيونات العربية تحتفى بحياته وأعماله العظيمة الرائعة. وقد تصادف أننى كنتُ أشاهد قناة تليفزيونية، فوجدتُها تعرض فيلم: حد السيف بوصفه جانبًا من برنامج طويل تذيعه تكريمًا لوحيد حامد. والفيلم إنتاج 1986، ومن إخراج: عاطف سالم وشريف عرفة مخرج مساعد، وإنتاج: نجوى فؤاد، وقد قام وحيد حامد بتأليف النص وكتابة السيناريو والحوار.

وتدور أحداث الفيلم حول وكيل وزارة يُدعى طلعت عثمان (الذى قام بدوره باقتدار الفنان محمود مرسى) يهوى العزف على آلة القانون، جاد فى عمله كحد السيف، يعيش مع زوجته زهرة (زهرة العلا) وأولاده الثلاثة، ويعانى كثرة مصاريف منزله، ومتطلبات الأسرة. فابنته أميمة (ماجدة زكى) مخطوبة وتريده أن يُسهم فى مصاريف جهازها، والابنة الثانية سحر (سمية الألفى) طالبة بكلية الطب وتريد جثة لتتمرن عليها، أما الابن شريف (عمرو محرم) يريد الالتحاق بمعهد طيران مدنى مصاريفه ألفَى جنيه. ويطلب رب الأسرة طلعت عثمان من مدير مكتبه مساعدته فى البحث عن جثةٍ رخيصة الثمن لزوم تدريب ابنته عليها، ويتصادف أن يسمع حديثهما اثنان من المقاولين لهما فى الوزارة مُستخلص بمبلغٍ كبيرٍ، أوقفه الأستاذ طلعت لحين تسلم المنشآت رسميًّا، فيقرران رشوته، وهو المحارب للراشين وللمُرتشين, فيُحضران جثة هدية، حاولا تسليمها إلى زوجته فى أثناء غيابه، لكنها رفضت، وقامت بطردهما.

ويقوم عاطف (محمود إسماعيل) خطيب أميمة بزيارة أسرتها بالمنزل, لاستعجال الزفاف، ومعه والده وأمه وأخته العانس، ويعرضون دفع مَهر ثلاثة آلاف جنيه، مقابل تجهيز الشقة بمبلغ يصل إلى عشرين ألف جنيه، الأمر الذى ينزل كالصدمة على رأس الأستاذ طلعت الذى ينعزل عن الجميع، ويتوحد فى حجرته، عازفًا على قانونه ليهدئ أعصابه، فيكتشف تمزق بعض أوتار القانون، فيذهب إلى شارع محمد على لإصلاحه، فيقابله صاحب المحل شبورة (يونس شلبى) الذى يُعجب بعزفه، ويعرض عليه العمل وراء الراقصة الشرقية الشهيرة سوسو بلابل (نجوى فؤاد) مقابل مبلغٍ مالى مُغرٍ للغاية، فيتردد الأستاذ طلعت فى أول الأمر، لكنه يضطر إلى التنازل والموافقة تحت ضغط مطالب أولاده، مشترطًا أن يعمل مُتنكرًا وفى السر، وباسم مستعار هو عبد الحميد فرغلى. وبالفعل يعمل فى الأفراح، ويزداد دخله أضعاف مرتبه الحكومى، ويصبح لديه, للمرة الأولى, رصيد فى البنك. وتقود السمعة الطيبة للبطل,الأستاذ طلعت (محمود مرسى), إلى أن يعرض عليه رئيس الوزراء الوزارة التى يعمل فيها، ولكنه يقابل العرض بالاعتذار، مُتذكرًا أن مرتب الوزير لا يكفى لتحقيق مطالب أسرته كلها.

ويغضب عليه مدير مكتبه الذى تصور أنه لا يحترمه، فضلًا عن المقاولينِ اللذينِ يحاولان الحصول على المُستخلص المالى. ولكنه يرفض رغم تهديدهما له بالكشف عن عمله كعازف للقانون, مُتنكرا وفى السر, وراء راقصة. ولكنه يرفض التهديد، ويهدد المدير المالى بالتحقيق، بل ويقرر الظهور بلا تنكرٍ، مُتحديًا كل من يريد أن يعترض عليه، موازنًا بين قيمة من يعمل فى الفن الذى ليس عيبًا ولا سُبة، ومتحديًا كذلك أخلاق الرشوة والنفاق والفساد. ويشعر المُشاهد بالتوتر، ولكن هذا التوتر سرعان ما يختفى عندما يظهر الأستاذ طلعت مرة أخرى على المسرح فى حضور عائلته التى أتت لتشجيعه. وما لبث فيما بعد أن أصبح واحدًا من النجوم الذين يوقعون على أوتوجرافات المعجبين، ويترك الوزارة فى النهاية, ليستمر عازفًا للآلة التى يحبها «القانون» وراء الراقصة بلابل.

وينتهى الفيلم بانتصار البطل على الأخلاق التى سادت فى المجتمع الاستهلاكى الذى يقوم على الزيف والنفاق والمنفعة دون اكتراثٍ بالقيم التى ظلت الطبقة الوسطى المصرية متمسكة بها إلى أن عصفت بها عواصف السبعينيات اللا أخلاقية، فتآكلت الطبقة الوسطى نفسها، وضاعت القيم، فلم يعد أمثال البطل قادرين على حياة نقية صريحة مستقيمة كحــد السيــف. وجلســتُ بعــد مشاهـدتـى للفيلــم مُستعيـــدًا ذكـرياتى الطويلة مع وحيد حامــد، وكيــف كـان, مثلى, يدافع عن القيم الجميلة التى كانت تضيع شيئًا فشيئًا طوال السبعينيات إلى أن أخذت تتلاشى فى الثمانينيات حين كتب صديقنا الخبير الاقتصادى رمزى زكى كتابه: وداعًا للطبقة الوسطى، فى السياق التاريخى الذى كتب فيه عبد الرحمن الأبنودى ديوانه: المشروع والممنوع (1979). هكذا حلت قيم الرشوة والفساد محل القيم الإيجابية، وسادت الأفكار الدينية المتطرفة. وإذا بمصر التى كانت تتصدر العالم العربى كله تنزوى وتتراجع لتعود إلى قيمٍ بائسةٍ تنتهى بخراب الذمم، وانهيار منظومة القيم، وانقلاب الأهداف النبيلة إلى أغراض خسيسةٍ.

وشرد اللب مع ذكرياتى الجميلة التى ظلت تربطنى بوحيد حامد فى صداقةٍ طويلةٍ نبيلةٍ، وهى ذكريات استدعت ذكريات بقية الراحلين: على أبو شادى، سمير فريد، أمل دنقل، سليمان فياض، عاطف الطيب، رضوان الكاشف، شريف رزق الله، محمد خان، آدم حنين.

وداعًا يا وحيد، لقد لحقت بمن تحب، وتركتنا نُعانى فى العالم الذى قد أصبح مملوءًا بالأخطاء والمفاسد التى لم تتوقف عن تعريتها ومهاجمتها فى أعمالكَ، مؤكدًا أنك, بحق, جدير بكل الصفات الجميلة التى تلصق باسمك الآن فى كل المحافل.

نقلاً عن

المادة السابعة من الدستور

سبق أن كتبتُ رأيى فى هذه المادة فى هذه الجريدة عبر مجموعة من المقالات تحت عنوان: ذكريات الدستور، وكان ذلك فى 21/6/2020 على وجه التحديد. وفيها علَّقت بأن

استفتِ قلبَك

كان من الطبيعي أن يتطرق الحوار بيني وبين الإعلامي عمرو أديب إلى مسألة الفتوى. وكان من الطبيعي أن يسألني عمرو أديب عن حقيقة الفتوى، وهل من حق أي مسلمٍ أن

حوار عمرو أديب

منذ صدر كتابي: «دفاعًا عن العقلانية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أواخر العام المنصرم، وتأتي إلىَّ أصداء أفكاره من القراء والمُهتمين بموضوعاته. وكان

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة