تحقيقات

زلزال الخروج البريطاني.. «البريكست» يهدد وحدة دول أوروبا وملايين ينتظرون نجاح التجربة لإعلان رغبتهم

11-1-2021 | 20:10

د. أيمن سمير

أقاليم فى إسبانيا وفرنسا وإيطاليا تسعى للانفصال

الدول الاتحادية فى القارة العجوز مثل ألمانيا وسويسرا باتت فى أزمة
ولايات مثل كاليفورنيا وواشنطن وأوريجون وتكساس يراودها الاستقلال
«البريكست» يعزز الحضور الروسى ويرفع من شأن الأحزاب الشعبوية


عندما توصلت حكومة بوريس جونسون مع الاتحاد الأوروبي قبل نهاية العام الماضى إلى صيغة لخروج بريطانيا من الاتحاد، جرى الحديث عن عيوب الاتفاق الجديد، وأنه لا يغطى تجارة الخدمات التى تشكل 80% من الاقتصاد البريطانى وإجحافه بحقوق الصيادين البريطانيين، واحتمالية تعرض مليون بريطانى وما يقرب من 3 ملايين أوروبى لمشاكل أثناء إقامتهم لدى الطرف الآخر، لكن أحداً لم يتوقع السرعة التى طلبت بها نيكولاس سيرجن، رئيسة وزراء أسكتلندا تنظيم استفتاء جديد لـ”استقلال” أسكتلندا عن المملكة المتحدة التى تضم “إنجلترا وأسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية”، كما أن هناك من يقول من الأحزاب الشعبوية واليمينية فى أوروبا: “ها هى بريطانيا، خرجت دون أن تتعطل وارداتها من الطماطم والفراولة”، الأمر الذي يشجع مناطق وأقاليم أخرى سواء فى أوروبا أم خارجها للانفصال والاستقلال عن الدولة الأم، وهو ما يؤكد أن الآثار السلبية لـ”البريكست” سوف تذهب بعيداً، فماذا عن تراجع تأثير وزخم وحضور الولايات المتحدة التى كانت تتكئ على الوجود البريطانى فى القارة العجوز؟.. وهل روسيا هى المستفيد الأول من الخروج البريطاني؟ وكيف تنظر الأحزاب الشعبوية واليمينية للخطوة البريطانية.

تشرشل وجونسون
عندما عرضت الدول الأوروبية على ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، فكرة تأسيس اتحاد أوروبي، يكون مقره فى بروكسل، رد تشرشل بسخرية شديدة قائلاً: “هل بريطانيا العظمى يمكن أن تتلقى الأوامر من قرية صغيرة فى أوروبا” وكان يقصد بروكسل، وبعد ما يقرب من 70 عاماً على هذه الواقعة، جاء بوريس جونسون الذى يتخذ من تشرشل مثله الأعلى ليعتبر عضوية بلاده فى الاتحاد الأوروبى وراء كل مشاكل بريطانيا، لذلك كان مشروع بوريس جونسون السياسي، ومنذ أن كان عمدة لمدينة لندن هو خروج بلاده من التكتل الأوروبي، ويراهن جونسون على أن الاقتصاد البريطانى سيتحسن بشكل تدريجي، وأن بلاده ستكون أكثر استقلالية فى التعامل مع ملفات حيوية، مثل توفير الوظائف للبريطانيين وليس للأوروبيين، وأن لندن ستوقع سلسلة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الأخرى ستكون أفضل بكثير للاقتصاد البريطاني.

عدوى الاستقلال
الشعارات التى رفعتها حملة “البريكست”، بأن بريطانيا سوف تستعيد حدودها وتحصل على استقلالها وتسترد قرارها، لم تجد صدى لها فقط داخل صدور الداعمين لانسلاخ بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، لكن هناك ملايين الأوروبيين فى مناطق بعيدة ينتظرون “نجاح” التجربة البريطانية للإعلان عن رغبتهم فى الانفصال والاستقلال عن الدولة الأم، وشعار هؤلاء يقول: “إذا كان من حق بوريس جونسون، أن يفاخر باستقلال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، فإن من حقنا أيضاً الانفصال عن إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا، وغيرها من الدول الأوروبية التى تعانى رغبات انفصالية.

هناك مطالب بالانفصال جاءت من داخل المملكة المتحدة نفسها، حيث طالبت رئيسة الوزراء وزعيمة الحزب القومى الأسكتلندى نيكولاس سيرج، بتنظيم استفتاء من أجل التعرف على رغبات سكان أسكتلندا فى البقاء أو الانفصال عن العائلة البريطانية، وتقوم حسابات سيرجن على أن سكان أسكتلندا صوتوا بأغلبية تفوق 52% لصالح البقاء فى الاتحاد الأوروبى فى الاستفتاء على “البريسكت” عام 2016، وأن اقتصاد أسكتلندا يعتمد على العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وأن هناك آلافا، وربما ملايين الوظائف سوف تخسرها أسكتلندا نتيجة الخروج من الاتحاد الأوروبي، والوسيلة الوحيدة من وجهة نظر الحزب الحاكم فى أسكتلندا، هى الانفصال عن المملكة المتحدة حتى يعودوا مرة أخرى للاتحاد الأوروبي، وبرغم أن بوريس جونسون، قال إن الاستفتاء على الاستقلال يتم مرة واحدة فى كل جيل، فإن نيكولا سيرجن وغيرها من القوميين الأسكتلنديين يرون أن الظروف اليوم تختلف عن عام 2014 عندما نظمت أسكتلندا استفتاء، وجاءت نتيجته لصالح البقاء فى المملكة المتحدة بأغلبية 52%، وتخشى ملكة بريطانيا وعدد من الساسة البريطانيين من أن أى استفتاء قد يؤدى لانفصال أسكتلندا، وهو ما يفتح الباب لانفصال أيرلندا الشمالية، والعودة مرة أخرى لجمهورية أيرلندا التى طالبت بهذا أثناء مفاوضات “البريكست” العام الماضي، كما أن الرغبات الانفصالية قائمة أيضاً فى ويلز وجبل طارق، وهو ما يشير لإمكانية أن تتجرع “المملكة المتحدة” من نفس الكأس الذى يعانيه الاتحاد الأوروبى نتيجة “البريكست”.

رغبات انفصالية
وفى إيطاليا لا يؤمن رئيس وزرائها السابق، ماثيو سالفينى بالاتحاد الأوروبي، وهناك نزعة انفصالية لبعض المناطق والأقاليم، مثل منطقة “بادانيا” فى الشمال ودوافع هذا الإقليم للانفصال اقتصادية بشكل كامل، حيث إن منطقة “بادانيا” مركز صناعى ومصرفي، يستحوذ على معظم الناتج المحلى الإجمالى لإيطاليا، وظهرت هذه الحركة تحت اسم “رابطة الشمال”، منذ أواخر الثمانينيات، وهى تلقى قبولا وتأييدا من سكان الشمال، بعد تزايد الانتقادات ضد نظام الضرائب الذى يعتبرونه غير متوازن بين شمال وجنوب البلاد، حيث ترى الحركة أن اقتصاد الشمال أصبح منافسا فى السوق الدولية، والعكس بالنسبة للجنوب، بالرغم من الأموال الضخمة التى أنفقتها الحكومة لتطويره، حيث إن الحكومة تعتمد فى معالجتها لمشكلات الجنوب على الأموال التى تجمعها من الشمال، وهو ما جعل الكثيرين فى الشمال يشعرون، بأن المواطنين الأفقر فى الجنوب يجنون ثمرة أموالهم التى اكتسبوها بشق الأنفس، وفى سبتمبر 1996 أعلن زعيم رابطة الشمال عن استقلال المنطقة تحت مسمى “جمهورية باداينا”، وقد سارع رئيس الجمهورية الإيطالية لتقييد هذه الأفكار، حيـث أكد أن وحدة الدولة الإيطالية حقيقة ثابتة لن تتغير، ومنذ ذلك الحين تحول التركيز بعيداً عن الانفصال التام، نحو مزيد من السيطرة على الموارد المالية.

وفى إيطاليا أيضاً، تسعى منطقة “جنوب التيرول” للانفصال عن روما، حيث كانت تلك المنطقة تابعة لإمبراطورية النمساوية - المجرية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد ضمها لإيطاليا، وفقاً لمعاهدة سان جيرمان، بدأت محاولات إضفاء الطابع الإيطالى عليها بالرغم من أنها ناطقة بالألمانية، وذلك لمنع محاولة حصولها على الاستقلال السياسي، وبعد محاولة أسكتلندا الانفصال عن بريطانيا، بدأ سكان جنوب التيرول مرة أخرى فى التفكير فى الاستقلال.
وتمتد رغبات الانفصال والانسلاخ عن إيطاليا إلى إقليم “فينيتو” الذى نظم استفتاء للانفصال عن إيطاليا عام 2014، وصوت 89% من سكان الإقليم لصالح الاستقلال عن روما، وذلك لأنهم لا يرغبون فى تحمل الأعباء بمساعدة المناطق المتأخرة اقتصادياً من البلاد، حيث يعد إقليم فينيتو من أهم المناطق السياحية فى إيطاليا بفضل وجود مدينة البندقية به، ولكن لم يعترف بالاستفتاء رسمياً، كما تم إجراء استفتاء مرة أخرى فى أكتوبر 2017 للانفصال، وصوت ما يقرب من 98% من السكان بالموافقة على الاستقلال.

جبهة التحرير الوطني

الغريب أن بلجيكا التى تحتضن مقر الاتحاد الأوروبي، تعانى نزعات انفصالية منذ استقلالها عن هولندا عام 1830، نتيجة الخلاف القائم بين قوميتين كبيرتين بها، وهما الفلامنديون الناطقون باللغة الهولندية (58% من تعداد سكان البلاد) والوالونيون الناطقون بالفرنسية (32%)، وفى عام 1979 تأسس حزب التكتل الفلامندي، منادياً باستقلال الإقليم وإقامة دولة فلامندية مستقلة، حيث يتم تحويل 6.7 مليار يورو سنوياً من منطقة الإقليم الفلامندى إلى الإقليم الوالونى الفقير، وهو ما أسهم فى زيادة العداء بين الفلامنديين الذين يمتلكون 58% من الثروة البلجيكية، والوالونيين الذين يعانون من معدل بطالة مرتفع، يبلغ 12% مقابل 5% فقط فى الإقليم الفلامندى شمال بلجيكا، نتيجة لكل ذلك تجددت دعوات الانفصال من قبل التحالف الفلامندى، الذى يرى أن الإقليم الفلامندى، سيكون أفضل حالاً عندما ينفصل عن الإقليم الوالوني.
كما تعانى إسبانيا النزعات الانفصالية فى إقليمى الباسك، وكاتالونيا، ففى إقليم كاتالونيا الذى يضم مدينة برشلونة الغنية، يعتقدون أن الدولة المركزية تمتص ثروة الإقليم الذى يشكل 20% من الناتج المحلى الإسباني، ويعد إقليم الباسك من أبرز الأقاليم التى تريد الانفصال عن إسبانيا على مدار أكثر من 45 عاماً، وسقط مئات القتلى على مدار سنوات النزاع المسلح الذى تسببت فيه حركة “هيرى باتاسونا” الانفصالية، لكنها أعلنت حل نفسها عام 2013، بيد أن النزعة الانفصالية لا تزال مستمرة فى الإقليم.


وهناك جزيرة كورسيكا الفرنسية، التى تقع فى البحر المتوسط، وقد شهدت عمليات مسلحة شنتها “جبهة التحرير الوطني” فى الجزيرة، لكنها تخلت عن العمل المسلح عام 2014 واتجهت لتعزيز العمل السياسي، غير أن باريس ترفض استقلال الجزيرة.
خطوة “البريكست” ليست فقط فى تعزيز الرغبات الانفصالية لدى الأقاليم الانفصالية، بل على وحدة وسلامة أراضى الدولة الوطنية الأوروبية ذاتها، فالمخاوف اليوم ليست على تفكك الاتحاد الأوروبي، بل على تفكك الدول ذات الطابع الاتحادى فى أوروبا، مثل سويسرا وألمانيا، ففى ألمانيا التى تتكون من 16 ولاية يوجد بها بعض الولايات ذات الوضعية الخاصة التى طالبت بعض الشخصيات فيها بالانفصال عن ألمانيا فى سنوات سابقة مثل ولاية بافاريا، وهى من أغنى الولايات الألمانية وعدد سكانها يزيد على 13 مليون نسمة، وهو ما يعنى أن تعدادها يفوق عدد سكان السويد.

صوت أمريكى ضعيف

برغم أن الرئيس ترامب دعم بوريس جونسون، ومشروع “البريكست”، وكل قيادات الأحزاب الشعبوية مثل مارين لوبن فى فرنسا، وماثيو سالفينى فى إيطاليا، فإن عهد الرئيس ترامب شهد محاولة انفصالية غير مسبوقة فى تاريخ الولايات المتحدة، عندما أعلنت ثلاث ولايات أمريكية عن اتحاد جديد، يجمعها بعيدًا عن باقى الولايات المتحدة الأمريكية لمعالجة وباء كورونا، والولايات الثلاث التى أعلنت عن اتحادها ولايات كبيرة هى كاليفورنيا وأوريجون وواشنطن، حيث أعلن حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم، وحاكم ولاية أوريجون كيت براون، وحاكم واشنطن جاى إنسلي، عن إبرام “ميثاق الولايات الغربية الثلاث”، الذى نص على تنسيق وثيق للساحل الغربى للولايات المتحدة فى مكافحة كوفيد-19، والسبب فى هذا الاتحاد الجديد، هو عدم ثقة الولايات الثلاث فى الإجراءات الفيدرالية للحكومة الأمريكية فى التعامل مع كورونا، وبرغم أن تقسيم الولايات المتحدة تبدو فكرة مستحيلة فى الوقت الراهن، فإن انقسام النخبة السياسية الحالية، يذكر الأمريكيين بالخلافات التى حدثت حول فكرة العبودية وأدت للحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، واستمرت 5 سنوات، وحصدت أرواح 620 ألف أمريكي، لكن الغريب فى الأمر أن الولايات الثلاث وصفت فى بيان لها الاتحاد الجديد، بأنه على أقل تقدير “فهم جديد” للفيدرالية فى الولايات المتحدة، بما يعنى أنها ترفض الدستور

الأمريكى الحالي، لكن التصريحات التى أعقبت تشكيل هذا الاتحاد الجديد، ربما تكون أكثر خطورة من الخطوة ذاتها، عندما طالب حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم بمعاملة ولايته كأنها “دولة قومية”، مؤكدًا أن الحكومة الفيدرالية، لم تعد شريكا للولايات بما فيها ولايته كاليفورنيا فى أزمة كورونا، وأن ولايته تحتاج أكثر من أى وقت مضى للتركيز على ذاتها، خصوصا أنها أغنى وأكبر ولاية أمريكية، ويزيد الناتج القومى لها على 2.5 تريليون دولار، ويشكل اقتصادها خامس أكبر اقتصاد فى العالم، وهو ضعف الناتج القومى لروسيا الاتحادية بأكملها، الأمر الذى يؤكد أننا أمام سيناريو مماثل للانقسام بين النخبة الأمريكية الذى أدى للحرب الأهلية الأمريكية عقب انتخاب الرئيس أبراهام لينكولن فى 1860، ووقتها أعلنت ولاية كارولاينا الجنوبية عن انسحابها من الاتحاد واستقلالها لتكون أول الولايات المنسحبة، ثم لحقت بها 6 ولايات جنوبية أخرى وأعلنوا فى عام 1861، تكوين الولايات الأمريكية الكونفدرالية، حيث أيدت الولايات الجنوبية العبودية، فيما طالبت الولاية الشمالية بإلغائها.

وبرغم أن الدستور الأمريكى يمنع انفصال الولايات، فإن هناك من يرى أن النزعات الانفصالية موجودة لكنها ضعيفة وهامشية، ففى عام 2017 أجرى استطلاع رأى لمعرفة مدى موافقة سكان كاليفورنيا على الانفصال، فوافق على الانفصال 33 % فقط.


الخسارة المؤكدة للولايات المتحدة، تتمثل فى ضعف الصوت الأمريكى المؤثر على أوروبا، والذى كان دائما يتمثل فى الصوت البريطاني، فبعد خروج بريطانيا، والتى كانت أكبر قوة عسكرية داخل الاتحاد الأوروبى، سيكون التأثير الأمريكى ضعيفا على أوروبا خصوصا على دول مثل فرنسا وألمانيا، ففرنسا تريد جيشا أوروبيا موحدا بعيدا عن أمريكا، وألمانيا تبحث عن مسار خاص لها بعد فرض الرئيس ترامب عقوبات على خط الغاز الروسى القادم لألمانيا “نورد ستريم 2”، كما أن سحب 9500 جندى أمريكى من ألمانيا دفع بعض الألمان، لإعادة التفكير فى نمط العلاقة مع واشنطن، وكل هذا قد يصب فى صالح روسيا، التى قال عنها الرئيس ماكرون إنها “أوروبية بامتياز”.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة