آراء

ضد التصور الأسطوري للمرأة (2)

10-1-2021 | 11:53

نتابع بالتحليل فى هذا المقال النص السابق من كتاب «إحياء علوم الدين» لأبى حامد الغزالي، والذى أنهينا به سلسلة مقالات «ضد التصور الأسطورى للشيطان» وبدأنا به سلسلة «ضد التصور الأسطورى للمرأة»، لأنه نص يعد جسرا بين السلسلتين ولا نزال فى أجوائه حتى الآن؛ سواء فى هذه المقالات أو فى العقل الجمعي، ولأنه نص نموذجى دال على موقف الخطاب الدينى التقليدى من المرأة كلاعب رئيس على مسرح الشيطان، وليس مجرد نص عابر.

وليس أبوحامد الغزالى الملقب بحجة الإسلام مجرد حالة واحدة منفردة، بل هو يمثل نمطًا فى التفكير والاستدلال لتيار دينى يتحكم فى جوانب كثيرة من الخطاب الدينى التقليدي، ولا تزال أفكاره تعمل فى ثقافة ورؤية كثير من المسلمين للعالم والإنسان والله سبحانه، بعيدًا عن المقطوع به من الوحى الكريم.

فى هذا النص يورد الغزالى حوارا دار بين موسى عليه السلام وإبليس، وطبعًا المرأة حاضرة فيه، دون أى سند من وحى كريم، والحوار نفسه يكشف عن تناقض ضخم؛ حيث تأتى نصائح إبليس وكأنها نصائح نبي! انظر ماذا يقول إبليس فى هذه الرواية الخرافية المتناقضة التى يرويها أبو الغزالى دون أى مصدر، فيقول: رُوى أن موسى عليه السلام كان جالساً فى بعض مجالسه إذا أقبل إليه إبليس وعليه برنس يتلون فيه ألواناً، فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه فقال: السلام عليك يا موسى، فقال له موسى: من أنت؟ فقال: أنا إبليس. فقال: لا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلتك من الله ومكانتك منه. قال: فما الذى رأيت عليك؟ قال: برنس أختطف به قلوب بنى آدم. قال: فما الذى إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسى ذنوبه، وأحذرك ثلاثاً لا تخل بامرأة لا تحل لك، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابى حتى أفتنه بها وأفتنها به، ولا تعاهد الله عهداً إلا وفيت به، ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابى حتى أحول بينه وبين الوفاء بها. ثم ولى وهو يقول علم موسى ما يحذر به بنى آدم.

هكذا بكل بساطة يأتى الغزالى برواية مجهولة تخالف كل المعتقدات الثابتة عن إبليس، حيث يتحول إبليس إلى ناصح يدعو إلى عدم الإعجاب بالنفس وعدم الغرور وعدم نسيان الذنوب، هكذا بكل بساطة ينصح إبليس بعدم الاختلاء بين الرجل والمرأة، وينصح بالوفاء بعهد الله، وينصح بإنفاذ الصدقة! فهل تاب إبليس؟ هل تراجع عن معركته الأزلية ضد الإنسان؟

انظر، عزيزى القارئ، كيف يتساهل بعض علماء الخطاب الديني التقليدى فى عد رواية مجهولة مبينة لجانب من الدين، فما سند هذه الرواية؟ وما مدى صحتها؟ وهل الدين يؤخذ من حكايات مرسلة؟ ومَنْ الذى سمع الحوار بين موسى عليه السلام وإبليس؟ وإذا كان موسى نفسه حكى ذلك فأين الدليل على أن موسى قال ذلك؟

وإذا تجاوزنا سند الرواية، فهل هذا الكلام متسق، أم أنه متناقض تمامًا؟ ألا يوجد تناقض شديد بين هذا النص والقرآن الكريم فى حديثه عن إبليس؟ ألا توجد تناقضات داخل الرواية نفسها التى يوردها أبوحامد الغزالي؟ ألم يلاحظ الغزالى والمصدقون لهذه الرواية أنها تتعارض مع مفهوم الشيطان نفسه، ومع دور إبليس فى إغواء البشر؟ فجأة تحول إبليس فى هذه الرواية إلى واعظ يعظ بالحق ودون التفافٍ أو مكر، فجأة يتنحى إبليس عن عرينه ويتراجع أمام موسى عليه السلام فى حين أنه لم يتراجع أمام الله سبحانه وتعالى! إنه عالَم النظام المعرفى اللامعقول الذى يسيطر على الخطاب الدينى التقليدى، عالم النظام المعرفى الذى يجمع بين التناقضات والمتناقضات!

ومرة أخرى تعاود المرأة الظهور على مسرح الشيطان، حيث يستشهد الغزالى بقول مجهول على أن «المرأة نصف جند الشيطان»! يقول الغزالي: «وقال بعضهم: إن الشيطان يقول للمرأة: أنت نصف جندي، وأنت سهمى الذى أرمى به فلا أخطئ، وأنت موضع سرى، وأنت رسولى فى حاجتى، فنصف جنده الشهوة ونصف جنده الغضب». مرة أخرى يروى الغزالى قولا يدخل فى باب العقائد دون سند من وحى كريم ودون مصدر ودون اسم القائل، وكأن هناك مَن يروى عن الشيطان ذلك المجهول من عالم الغيب!

إنه عالم النظام المعرفى فى الخطاب الدينى التقليدى الذى يتجرأ على الغيبيات ويروى عنها بلا سند صحيح متواتر، ويتجرأ على مفاتيح الغيب دون برهان يقينى من وحى كريم، «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ» (الأنعام: 59).

فما هو مصدر الغزالى فى كل تلك الروايات عن الغيب، فالله وحده هو من يملك الحقيقة الدينية المطلقة، ولا يكشف عن شيء منها للبشر إلا عبر وسيلة يقينية من وحى كريم.

ومن أسف فإن مرجعيات الخطاب الدينى التقليدى، ومنها «إحياء علوم الدين» لأبى حامد الغزالى، تشكل منظومة معرفية مضطربة تحكم طريقة التفكير بعيدًا عن الواقع، وبعيدًا عن الوحى الكريم، وبعيدًا عن العقل والمعقول! وتتجاور فيها ــ كما قلنا مرارًا وتكرارًا ــ الأساطير الباطلة والعقائد الصحيحة جنبًا إلى جنب، فى حين يجب الاكتفاء فقط فى تحديد حدود الدين بما جاء فى القرآن الكريم مفسرًا بالسنة الصحيحة المتواترة.

وأنصار الخطاب الدينى التقليدى يزعمون ذلك، لكنهم عند التنفيذ يفعلون شيئًا آخر ويملؤون كتبهم بالروايات الضعيفة والموضوعة والمرسلة وبالاستنتاجات العقائدية فيما لا مجال فيه للاستنتاج!

وهنا نكرر التأكيد على أن أحد مقاصد تأسيس الخطاب الدينى الجديد يتمثل فى العودة إلى المنابع الصافية، وتحرير الدين الأصلى مما علق به عبر التاريخ من أساطير وإسرائيليات مكذوبة وآراء استنتاجية تجاوز حدود القرآن والسنة الصحيحة، وتخليص الدين مما أضيف له من البشر؛ فالدين اكتمل عندما نزل قوله تعالي: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»، هنا اكتمل الدين بإعلان إلهي، وهذه هى كلمته الأخيرة، وهنا انغلقت «دائرة الكلمات المقدسة».

وإذا نجحنا فى العودة إلى المنابع الصافية والتخلص من الخرافات والأقوال البشرية التى تضفي على نفسها قداسة مزعومة، نكون قد استطعنا الدخول إلى عصر ديني جديد.

نقلاً عن

ضد التصور الأسطوري للمرأة (9)

رأينا فى المقالات السابقة كيف أن الخطاب الدينى البشرى التقليدى تجاوز فى كثير من الأوقات حدود الوحى فى تفسيره للوحي، وأهدر السياق فى فهمه للقرآن الكريم،

ضد التصور الأسطوري للمرأة (8)

هل تجاوز الخطاب الديني البشري التقليدي حدود الوحي في تفسيره للقرآن الكريم؟ وكيف استخدم التصورات والقوالب النمطية المتوارثة من بعض الأعراف الاجتماعية أو من قصص الأولين دون أسانيد من الوحي الكريم؟

ضد التصور الأسطوري للمرأة (7)

يظهر لنا يوما بعد يوم بطلان طريقة التفكير القائمة على إصدار أحكام عامة دون تمييز، تلك الطريقة التى نجدها فى الخطاب الدينى البشرى التقليدي، والتى تكرر الأنماط

ضد التصور الأسطورى للشيطان (11)

سوف تستمر المعتقدات المزيفة طالما ظل يتمسك البعض بإتباع الفرق وتقديس الرجال، وسوف يستمر الإيمان بالأباطيل طالما يصر بعض المتحدثين باسم الدين على التمسك

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة