آراء

المدن الخاصة الجديدة .. ومشكلاتها

9-1-2021 | 14:04

كتابتى اليوم ليست عن مشكلة خاصة أو فردية بل عن مصلحة عامة ومجتمعية، والأخطر أن الأمر فيها يتعلق بظاهرة قد تتفاقم تداعياتها لأنها تنطوى على الترهيب والتنكيل بالناس وتهديد حياتهم وممتلكاتهم، وتسىء إلى نماذج أخرى ناجحة وملتزمة فى القطاع الخاص الذى يسهم فى النهضة العمرانية وإنشاء شبكة المدن الجديدة فى بلادنا. ولعلها تكون مناسبة لتنظيم وتقنين ما يتعلق بهذا النشاط العقارى الذى يتعاظم دوره من جوانب وقضايا. أصل الحكاية أن مدينة خاصة جديدة فى غرب الإسكندرية تعيش منذ عدة أسابيع مشهداً يومياً يبعث على الحزن والدهشة والتساؤل رغم كل المناشدات للشركة الخاصة القائمة على إدارة هذه المدينة التى تضم ما يزيد على ألف وحدة سكنية.

فوجئ الملّاك الذين دفعوا شقاء عمرهم ومدخراتهم ثمناً لهذه الوحدات العقارية بمنع العاملين بأوراق ثبوتية من الدخول إليهم، من هؤلاء العمال من جاء لإصلاح خلل فى منزل أو ماسورة صرف صحى أو معالجة سقف تسرّبت منه الأمطار بسبب رداءة ملحوظة فى التنفيذ وإهمال جسيم فى تشطيب منازل حديثة لم يمض على بنائها سوى عدة سنوات قليلة. ما تجاوز حدود التصديق أنه تم منع دخول عمال توصيل أدوية وممرضين لملّاك يعانون المرض أو الإصابة بفيروس كورونا، بخلاف حالات أخرى قاسية لأشخاص كبار السن أو لسيدات يعشن وحدهن لرب أسرة يعمل فى الخارج تم منع دخول عاملات المنازل إليهن.

إذا تجاوزنا الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية المتصلة بالمروءة والشهامة فهل يتفق مع القانون هذا السلوك المتعنت الخطير؟ هذا هو السؤال الموضوعى والجوهرى فى المسألة بمعزل عن أى تفصيلات أخرى.

الإجابة البسيطة أن هذا السلوك يمثل نوعاً من أنواع البلطجة وتهديداً لحياة وممتلكات الناس، واعتداء على حق الملكية الخاصة لأن هؤلاء الملّاك يعيشون فى وحداتهم العقارية منذ سنوات وأوفوا بكل التزاماتهم المالية، ولم يخالفوا القانون. كان يمكن لا قدّر الله أن يلحق المريض كبير السن الذى مُنع عنه عامل توصيل الأدوية أو المصاب بفيروس كورونا الذى مُنع دخول الممرض الذى جاء لإعطائه الحقن ما لا يًحمد عقباه بسبب هذا التصرف الأخرق غير المشروع بلا سند قانونى أو إدارى أو عقدي. والغريب أن إدارة هذه المدينة الخاصة تتصرّف وكأنها فوق القانون فلم يعد أمام كبار السن والمرضى وأصحاب الحاجات وربات الأسر سوى الخروج بسياراتهم عدة كيلومترات للوصول إلى البوابة الخارجية ثم اصطحاب العاملين داخل سياراتهم وكأن إدارة المدينة الخاصة تتلذّذ بالتنكيل بهم وترهيبهم دون رادع قانونى أو وازع أخلاقى فى هذه الظروف العصيبة لوباء كورونا.

ما هو المبرر الذى يجعل إدارة المدينة تقدم على مثل هذا التصرف الخطير خارج حدود التصديق؟ فى الواقع تطالب الإدارة الملّاك الذين دفعوا منذ عدة سنوات قليلة وديعة صيانة بمبالغ طائلة بدفع وديعة جديدة بمبلغ إضافى كبير آخر يزيد على مبلغ الوديعة الأصلية.

وللحق فمن الوارد أن تكون نفقات الصيانة السنوية فى ازدياد وهو ما حدث فى مدن وتجمعات سكانية أخرى. لكن البدعة التى تريد أن تستنها إدارة المدينة هو رفضها بعناد واستقواء مريبين إطلاع الملّاك على حسابات ودائعهم ونسبة فوائدها وأوجه إنفاقها السنوي، وليس لذلك من تفسير سوى أن هذه الوديعة المخصّصة فى عقود التمليك للصيانة قد شابها تجاوزات ومخالفات عديدة ولم يتم استثمارها أو إدارة إنفاقها على النحو الصحيح قانوناً، وإلا لقدّمت للناس بالتفصيل والمستندات حسابات ودائعهم وفى أى بنك وبأى نسبة فائدة وبنود إنفاقها، وهذا ما تفعله شركات أخرى ناجحة للتطوير العقارى يتسم عملها بالاحترافية والالتزام والشفافية. ولأن أغلبية الملّاك ترفض دفع وديعة جديدة لم يكن منصوصاً عليها فى العقد إلا بعد الاطلاع على حسابات ودائعهم الأصلية، وهذا من صلب حقهم القانونى بلا مراء، فإن إدارة المدينة الخاصة لجأت إلى ترهيب الملّاك وتضييق الخناق عليهم بمنع دخول عمال المنازل إليهم بمن فيهم عاملو توصيل الأدوية والمواد الغذائية وذلك بدلاً من أن تلجأ إلى الطرق القانونية المشروعة بافتراض صحة مزاعمها، وهو أمر غير قائم فى الواقع.

السؤال الموضوعى الآخر بعيداً عن التفصيلات والحكايات هو من أين تستمد إدارة المدينة استقواءها وشعورها بأنها فوق القانون دون وازع أو رادع؟ وهل صحيح أنها تحتمى بمظلة خفية من بعض ذوى النفوذ الذين لا يظهرون فى صدارة المشهد؟ لا أريد أن أصدق ذلك شخصياً لأننا نعيش اليوم عهداً جديداً انتهى فيه الزواج غير المشروع بين الثروة والسلطة، وأصبحت أرض مصر للمصريين، وثروات مصر للمصريين وخفّ الزحام على بنوك سويسرا (!) ولم يعد هناك أحد مهما تبلغ قوته أو ثروته فوق الرقاب والعباد.

ندرك بالطبع أن الدولة لديها من الأولويات والتحديات ما يكفيها، وأنه على المجتمع فى علاقاته التعاقدية الخاصة أن يحل مشكلاته بنفسه لكن ما نرجوه أن يتسع وقت الجهات المنوط بها حفظ النظام والأمن وحماية الأرواح والممتلكات فى الإسكندرية أن تضع حداً لترهيب الناس وتهديد حياتها وممتلكاتها، ما نرجوه من الجهات المعنيّة فى الإسكندرية وسط شواغلها وأعبائها الجسام أن توقف هذه البلطجة التى يعاقب عليها القانون لأن هذا من صلب مهمة الضبط الإدارى حتى لا يتفاقم الأمر ويتحول التوتر إلى صدام وتخرج الأمور عن السيطرة، وذلك انطلاقاً من أنه لا أحد فوق القانون سواء من جانب الملّاك أنفسهم أو من جانب إدارة المدينة.

فى نهاية المطاف نحن أمام قضية عامة فى مجال شديد الأهمية هو دور القطاع الخاص فى التطوير العقارى وتشييد المدن الجديدة، وهو دور مهم يجب تشجيعه لتخفيف الزحام والضغط على المدن الكبرى المتهالكة ولكن يجب تنظيمه أيضاً قانونياً ومحلياً وإدارياً على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، واحترام القانون والعقود. ولنتذكّر أن مصر كانت قديماً هى بلد المعمار والبناء بلا منازع، وما زال لأسلافنا القدامى أحفاد من البنائين العظام الذى تجاوزت شركاتهم وإنجازاتهم حدود مصر إلى خارجها، وأصبحنا نرى فى السنوات الأخيرة مشروعات عقارية كبرى تضاهى ما كنا ننبهر به فى بلدان الخليج الشقيقة، مهما وجدت بعض المشكلات هنا أو هناك. ولا يخلو مشهد النهضة العمرانية الكبرى التى تعيشها مصر من دور مقدام لدولة الهمة والعزيمة والإنجاز حتى رأينا فى مدينة مثل الإسكندرية صروحاً جديدة مفرحة لمحاور وطرق حديثة كالشرايين وتجمعات سكانية متكاملة حلّت محل ما كان ينطبق عليه بلا مبالغة وصف الخرابات والعشوائيات، وأصبحت موجات استرداد أراضى الدولة التى بلغت ست عشرة موجة هى أشرف وأنبل معارك الإصلاح فى تاريخ مصر الحديث.

فلنحم ما أنجزناه، ولنشجع الناجحين الملتزمين فى القطاع الخاص، ولنسأل المتجاوزين المستخفين بالقانون وحقوق الناس من أين تستمدون هذا الاجتراء؟

نقلاً عن

العلوم الاجتماعية .. أزمة في الدور أم المكانة؟

إذا تجاوزنا مؤقتا مسألة الجدل حول تقسيمات العلوم ومعيار هذا التقسيم فإن العلوم الاجتماعية مثل القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والإعلام والفلسفة

الإصلاح التشريعي كضلع في مشروع مصر التنموي

يذكر التاريخ لنابليون بونابرت الفرنسي إنجازين كبيرين، أولهما حركة فتوحاته العسكرية لتأسيس إمبراطورية فرنسية، وهو إنجاز تجاوزه الزمن وربما طواه النسيان،

ماذا يعني القرار الأخير للمحكمة الجنائية الدولية؟

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية فى 5 فبراير الماضي قرارًا بشمول اختصاص المحكمة للأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو

متى نقولها بفخر «صُنع فى مصر»؟

حفلت صفحات الأهرام منذ فترة بمقالات مهمة عن التصنيع فى مصر فضلا عن كتابات وأطروحات تحتشد بها المكتبة المصرية.

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

ماذا جرى للأخلاق فى ديارنا؟

لأن المجتمعات الحية الواثقة لا تخجل من مصارحة نفسها ومراجعة أحوالها ثمة حاجة هذه الأيام لأن نتوقف ونتساءل عما جرى لأخلاق المصريين. فالذى نشاهده ونسمعه

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

عن سؤال الأمن والحرية في فرنسا

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة