ثقافة وفنون

محمد المنسى قنديل: كنت أركب الحمار ومعى العلاج للصعايدة

7-1-2021 | 16:25

دكتور محمد المنسى قنديل

سهير عبدالحميد - تصوير: أميرة نور

طبيب استولى عليه الأدب استيلاء تاما كما التواهة أو النداهة..وإن تركت ممارسة الطب فى نفسه قدرة الوصول إلى تلك النواحى الغائرة فى النفس البشرية المليئة بالتعاريج والمعارج..لاحقته الجوائز وقبلها متابعات القرَّاء لكل جديد يقدمه، فمن رواية تاريخية إلى قصة للطفل فمجموعة قصصية ثم كتب بحثية أو فلسفية..تنويعات أدبية تخبرك دون جهد بأنك أمام كاتب يجيد توظيف مداد القلم..من قرية فى قلب الريف المصرى بصعيد مصر بدأت الرحلة، ليطوف «ببلدان الله خلق الله» فيترك كل منها أثرا ما فى نفسه..لكن تظل تلك القرية الصعيدية فى وجدانه فيغزل ذكرياته عنها وفيها فى رواية بديعة «طبيب أرياف» التى حجزت لها مكانا فى القائمة الطويلة لجائزة زايد للكتاب 2020-2021.


- «طبيب أرياف» هذه الرواية تحمل ملامح تجربتك الخاصة كطبيب تكليف فى قرية نائية بالصعيد الجوانى منذ نحو ثلاثين عاما..لماذا تأخرت كل ذلك الوقت فى تسجيل تلك التجربة روائيا؟
بالتأكيد تأخرت لكننى انشغلت فى موضوعات متباينة، ثم مررت بفترة صمت واضطراب فى الكتابة طوال الفترة الماضية التى كانت فيها مصر كلها مضطربة..فى تلك الأثناء كنت أعكف على كتابة رواية فإذا بى أشعر بالعجز عن استكمالها كأننى فقدت القدرة على الكتابة فجأة..وهنا شعرت بأنه ينبغى على استعادة تجربتى القديمة كى أستعيد معها القدرة على التخيل بأن أكتب عن ذاتى وغير ذاتي.

وقد سعدت بالصدى الذى أحدثته الرواية خصوصا بين الأطباء، وهو ما لمسته بنفسى خلال ندوة لمناقشة الرواية فى نقابة الأطباء حيث كانوا معنيين بقضية الرعاية الطبية فى الريف وإلى أى مدى كانت ناجحة وتعتمد عليها الدولة فى تقديم خدمة صحية للمهمَّشين على أطراف مصر..وأزعم أننى لو استطعت إثارة تلك القضية ووضعها من جديد على مائدة النقاش، فسأعتبر ذلك نجاحا كبيرا للرواية.فبينما كنت أكتب الرواية استرجعت تلك الصعوبات التى كنا نجدها كأطباء فى الريف فى توفير الأدوية للمرضى خصوصا أن هناك أصنافا معينة غير فعالة كانت تفرض علينا..كما تذكرت تلك اللحظات الرائعة عندما تم تكليفنا بعلاج الفلاحين من البلهارسيا بعقار ألمانى فى إطار مشروع يغطى محافظات مصر الوسطى «المنيا وبنى سويف وأسيوط»..كانت أكثر اللحظات سعادة فى حياتى وأنا أحمل الميكروسكوب والدواء، ممتطيا الحمار ومتجها إلى المدرسة التى سننفذ فيها المشروع..هذه اللحظة أهم من كل الروايات والمقالات التى كتبتها، فهى لحظة سامية لأننا كنا نحارب المرض الذى تسبب فى نزف دم المصريين على مدى قرون طويلة.

- عندما عكفت على كتابة الرواية..هل شعرت بنوع من الصعوبة فى استدعاء الذكريات البعيدة؟
بالعكس وهذا الغريب فقد أحجمت عن كتابتها لأنى كنت أستشعر أنى نسيت التفاصيل وأن السطور لن تولد صادقة ومطابقة للواقع الذى عايشته..ولكنى ما إن بدأت الكتابة حتى تداعى إلى مخيلتى الكثير من التفاصيل..وأذكر أننى فكرت قبل الشروع فى الكتابة فى زيارة القرية التى كنت أخدم بها إلا أننى تراجعت عن ذلك..فمن الطبيعى أن القرية لم تعد نفسها تلك القرية التى عشت بها أواخر السبعينيات حيث كانت وقتذاك هى ذاتها القرية الفرعونية الموجودة من 3000 سنة، لم تكن الكهرباء قد دخلتها وكانت العلاقات بين الناس بالقدر البدائى نفسه حتى الموازين لم تكن مستخدمة، فكان يتم – على سبيل المثال - وضع كومة طماطم مقابل كومة بصل لتقدير الميزان تماما كما كان يحدث عند التبادل السلعى قديما، وكان لا يصل القرية بالمدينة سوى أتوبيس واحد وبدونه تنعزل القرية تماما عن العالم..البيوت كانت مبنية من الطين متلاصقة على أسطحها أعواد القش.فقد كتبت عن القرية الأنثروبولوچية القديمة أواخر السبعينيات بالحس الفرعونى نفسه.

- لو كتبت الرواية منذ عشرين عاما مثلا..هل كان إحساسك بالأحداث سيولد مختلفا؟
من المؤكد لأنى لما عشت تجربتى الأولى فى الريف، كنت قد غادرت لتوى مدينة المحلة الكبرى وهى مدينة صناعية عمالية، وكانت معلوماتى عن الريف قليلة نسبيا وكانت زيارتى للريف أول معرفة لى بمجتمع مختلف..الآن وبعد هذا العمر الطويل الذى طفت فيه معظم دول العالم، أجد فى داخلى حنينا إلى العالم الصافى الذى رأيته فى الرقية أول مرة رغم ما كان فى الحياة بها من قسوة وأشياء غير عادلة لكنها تظل بالنسبة لى صاحبة الفضل فى ظل تعقيدات العالم المعاصر.

- الجزء الذاتى فى الرواية ما الذى يحمله من أصداء نفسك القديمة؟
ذكرياتى جميعها وإن صغتها بشكل مختلف، ربما أصبحت أمهر فى الكتابة لكن تظل تلك السطور عن ذاتى وليست حياة أخرى خارج نفسي..أعدت قراءة الشخصيات من جديد بكل ما فيها من خير وشر..لكنى لا أتعامل مع الأحداث والأشخاص كما كنت بصورة رومانسية ساذجة ففى الرواية نجد أن علاقات الحب ليست علاقات رومانسية بل إنها تنحو نحو الرغبة والمنفعة وأقرب مثال إلى ذلك شخصية «فرح» بطلة الرواية التى تورطت فى علاقة مع الطبيب ليس لأنها خائنة أو زوجة فاسدة، ولكن لأنها أرادت التمرد على العقم..أن تحمل وتلد ويمارس جسدها غريزة الحياة التى خلقت من أجلها..هذه ليست رومانسية بل واقعية وخضوع لرغبات الجسد البشري.

- من المؤكد أنك سئلت السؤال التالى مرارا..لكنه سؤال لا بد منه..هل تعتقد أن هناك خطوط تماس كثيرة بين روايتك ورواية توفيق الحكيم «يوميات نائب فى الأرياف»؟
أحب توفيق الحكيم وهو ما جعلنى أتعلق بالقراءة لأنى بدأت بكتاباته لما تتمتع به من أسلوب السهل الممتنع الملىء بالفكاهة..و«طبيب أرياف» ليست التلاقى الأول بينى وبين الحكيم، فروايتى الأولى «انكسار الروح» رأى فيها النقاد تلاقيا مع رواية الحكيم «عودة الروح»..حتى أننى كنت أفكر فى أن يكون اسم الرواية «يوميات طبيب فى الأرياف» لكنى وجدت العنوان طويلا فاختصرته...لكن المضمون فيه كثير من أوجه التشابه، خصوصا شخصية المأمور وهى موجودة فى روايتى لكنها شخصية أخف ظلا فى رواية الحكيم.. فهناك تشابه كبير بين طبيب يمارس عمله فى الأرياف وبين وكيل نيابة يمارس عمله أيضا فى الريف..البيئة الجغرافية المتمثلة فى الريف، فالقرية الفرعونية التى وجدتها وعشت فيها أواخر السبعينيات موجودة بحذافيرها فى رواية الحكيم.

-هل هناك نية لتحويل «طبيب أرياف» إلى عمل درامي؟
كتبت سيناريو فيلم «آيس كريم فى جليم»، وتحولت قصة «الوداعة والرعب» إلى فيلم «فتاة من إسرائيل»، ورواية «يوم غائر فى البر الغربي» تحولت إلى مسلسل «وادى الملوك».
و«أنا عشقت» تحولت إلى مسلسل بالاسم نفسه.
لم أرض عن كل تلك التجارب التى ظلمت الروايات ولم تمثل روحها خصوصا مسلسلى «وادى الملوك» و»أنا عشقت»..لذا أصبحت أخشى التجربة.

- كنت من الكتَّاب القلائل الذين استلهموا التراث الفرعونى فى الرواية، فبعد الروايات الثلاث الشهيرة لنجيب محفوظ، لم يقترب الروائيون من تلك المنطقة التاريخية؟
الحضارة الفرعونية رغم عظمتها كانت سلبية فى نواح كثيرة، فهى لم تكن حضارة شعب بل حضارة ملوك، والمصريون أنهكوا أنفسهم من أجل إرضاء ملوكهم فبنوا الأهرامات الضخمة والمعابد الهائلة فى حين كانت بيوتهم مصنوعة من الطين يأتى الفيضان ليغرقها أو المطر ليهدمها على رءوسهم..كان من المفترض أن تكون الحضارة المصرية أكثر إيجابية بأن تهتم ببناء القناطر والجسور التى تمنع عنهم الفيضان السنوى وبدلا عن الحياة فى الوادى الضيق، كان عليهم غزو الصحراء وتحويل مصر إلى أرض خصبة..لكنهم انشغلوا بدلا عن ذلك بالطوطميات.

- هل يمكننا القول إن سبب العزوف يعود أيضا إلى صعوبة الكتابة فى تلك الحقبة حيث يخالطها شىء من البحث التاريخي؟
كتابة الرواية التاريخية صعبة لأنك تستحضرين روح الزمان وتصنعين تخيلا للناس وطريقة أكلهم وحياتهم وهو ما يعرف بالمتخيل الروائى والذى يتطلب جزءا كبيرا من الخيال بشرط ألا تبتعدى عن الواقع..وأنا شخصيا لا أستطيع الكتابة عن مكان إلا إذا زرته فما بالنا بالمكان الذى لم يعد موجودا..يقولون إن التاريخ شىء لم يحدث والمؤرخ رجل لم يكن هناك..وأقول إن كتابة الرواية التاريخية أصعب وأكثر صدقا من كتب التاريخ.

- ما الذى جذبك شخصيا إلى أن تنهل من التاريخ خصوصا الفترة الفرعونية وإخناتون تحديدا؟
بشكل عام أنا من عشَّاق التاريخ وأعتقد أنه لا يمكن لكاتب أن يترك هذا التراث التاريخى من الفراعنة حتى التاريخ الحديث بما فيه من أحداث جسام وغريبة، دون أن ينهل منه، هذا فى خلفيتى وأعتقد أن ما يميزنا عن كل كتاب العالم، تلك الخلفية التاريخية متصلة الحلقات،

تجربة إخناتون جذبتنى تحديدا فعندما بدأت الكتابة فى السبعينيات كانت هناك كتابات كثيرة عن إخناتون وثورته ضد الكهنة القدامى، منها ما كتبه على أحمد باكثير وأندريه شديد فاعتبرت أننى أمام نوع من التحدى هو أن أقدم رؤية جديدة وهذه رغبة صبيانية فى شخصيتي، فدائما ما أحب إعادة الرواية المعروفة من وجهة نظر جديدة ومختلفة كما فعلت فى «طبيب أرياف» حين أضفت إلى السيرة الهلالية رؤيتى الخاصة.
وأعتقد أننى قدمت إخناتون كما يجب أن يكون وبوصفه الجانب الروحى فى الحضارة المصرية التى وصفت دوما بأنها حضارة مادية تجسدت فى تلك النقوش على المعابد والأهرامات وأنها لم تقدم إسهاما معنويا مثل الإغريق الذين قدموا الفلسفة والرومان الذين أسهموا حضاريا بالقانون واليهود بالتوحيد.
لكنى قدمت رؤية مغايرة فيها أن إخناتون أول من وضع وحدة للكون وربط الإله الواحد بحركة الشمس..فكان إخناتون الجانب الروحى فى حضارة مادية قائمة على المحسوسات.

- فى الآونة الأخيرة هناك إقبال نسبى على قراءة الروايات التاريخية كأن هناك حالة تعطش لقراءة التاريخ حيا كأنه من دم ولحم بين دفتى رواية؟
هذا رد فعل طبيعى للعولمة فهناك محاولات من القوى الكبرى لإلغاء القوميات وأن تكون هناك قومية كبرى يندرج تحتها كل البشر، لذا فإن القوميات الصغيرة خصوصا القديمة التى لها عاداتها وتقاليدها ومرجعياتها تحاول مواجهة مد العولمة الذى يسعى لجرف البشر كلهم فى طريق واحد، الدفاع عن قوميتها وشخصيتها ووجودها..من هنا جاء الاهتمام الشديد بقراءة التاريخ ومحاولة إعادة صياغته من جديد حتى لا نذوب فى القرية العالمية والهوية الدولية.

-هل الرواية التاريخية بهذا المنطق نوع من إعادة كتابة التاريخ؟
هى خلق التاريخ فنحن نكتب الرواية التاريخية لأن هناك أحداثا تاريخية لم نفهمها أو نصدقها، فنكتب كى نفهم التاريخ.

-الكتابة للطفل تجربة مغايرة.. لماذا استغرقت فيها حتى قدمت أكثر من 12 قصة؟
الكتابة للطفل تولد نوعا من التوازن..فعندما نكتب عن الكبار نتطرق إلى العنف والجنس والقتل..الكتابة للطفل تدفعنا إلى ترك كل هذا خلفنا وأن ننزل إلى مستوى خيال الطفل ونتخيل العالم كما يجب أن يكون صافيا نقيا،
الكتابة للطفل تصفِّى النفس من أضرار الكتابة للكبار..وتعيد التوازن إلى الروح وتوقظ الطفل بداخل الكاتب وتدفعه إلى استكشاف الكون من جديد..إننى شخصيا ألجا إلى الكتابة للطفل كلما أحسست بأنى فى حالة غير طبيعية وأنى مضطرب..فإذا بالكتابة للطفل تعيد إلى البراءة والسكون.

-كمتخصص فى الدراسات النفسية والعصبية.. إلى أى مدى أفادتك معرفتك العميقة بعلم النفس فى الكتابة؟
الطب بشكل عام مثل الأدب فهما يعملان فى مجال واحد هو الإنسان.. الطب يتعلق بالناحية المادية الهرمونات والإنزيمات والعمليات الحيوية..أما الأدب فإنه يختص بالعواطف والمشاعر فالاثنان يكملان بعضهما البعض لذا هناك أطباء كتَّاب،. يوسف إدريس والشاعر إبراهيم ناجى ومحمد المخزنجى وعبدالمنعم الباز ورضا البهات..أعتقد أن من درس الطب تكون معرفته أعمق بعواطف الإنسان وتصرفاته.

- عشت فى مدن كثيرة بداية من المحلة ثم القاهرة وبعدها العديد من مدن العالم.. ما الذى تركته تلك المدن وناسها فى روحك؟
عشت فى المحلة والقاهرة والكويت وفترة فى قطر وفترة أطول فى كندا تخللت ذلك زيارات إلى كثير من دول العالم، فأصبحت أشعر بأنى إنسان كونى أحمل هموم الإنسان فى كل مكان فالقضايا متشابهة والهموم متشابهة..حتى أننى أتمنى أن نستعيد تلك الفترة الزمنية التى أحكم فيها الرومان قبضتهم على العالم وحققوا الاستقرار والسلام لمدة 150 سنة وهذا عمر نادر فى تاريخ البشرية.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة