أخبار

"نصف الدنيا" تنفرد بالحوار مع د.إلهام فضالي.. بنت الصعيد التي بهرت العالم

6-1-2021 | 10:52
إلهام فضالي
أشرف سيد - تصوير: محمد عنان

مثلها الأعلى الدكتور مصطفى مشرفة والدكتور أحمد زويل، تخصَّصت فى علم الفيزياء وحققت التفوق، رغم أنه مجال تصعب دراسته ولا يتفوق فيه إلاّ من أحبه، ولم يحقق فيه الشهرة والنبوغ من النساء إلا القليلات، ومنهن الباحثة المصرية د. إلهام الفضالى والتى فازت بجائزة أفضل بحث على مستوى العالم، وهو بحث يفتح الطريق أمام اختراعات عظيمة، مثل سيارة بلا سائق (قيادة ذاتية) ونقل المعلومات بين الأجهزة الإلكترونية عن طريق الضوء بديلا عن الأسلاك.. «نصف الدنيا» ذهبت إلى بنى سويف، والتقت هذه العالمة المصرية، وكان هذا الحوار.


-لماذا سافرت إلى هولندا عندما كنت فى المرحلة الثانوية؟
خلال الصف الأول الثانوى كنت متطوعة فى مشروع bridge التابع لمنظمة iEARN أو international education and resources network فى مدرستى الثانوية. هذا المشروع كان يعمل على تطوير مهارات طلاب المدارس وتطوير وجودة التعليم بصفة عامة. هذه المنظمة الدولية تُنظِّم مؤتمرا سنويا يحضره الطلاب والمعلمون والقائمون على المنظمة من البلدان التى تعمل بها المنظمة، ويقام كل عام فى دولة مختلفة. وفى عام ٢٠٠٦ كان المؤتمر مقاما فى هولندا،
وتقدمت إلى اختبارات المقابلات الشخصية فى فرع المنظمة فى مصر، وتم اختيارى ضمن عشرة طلاب لتمثيل بلدى فى هولندا.

-نعلم أنك كنت طالبة فى القسم العلمى شعبة العلوم فى الثانوية فكيف التحقت بكلية الهندسة؟
فى الثانوية العامة كنت شعبة علمى علوم، وكنت الأولى على المحافظة، وذهب بى التنسيق إلى كلية الطب فى بنى سويف، وعندما حصلت على منحة الجامعة الأمريكية لم أجد كليات المجموعة الطبية ضمن الكليات المتاحة بالجامعة، لذلك قررت أن أبحث عن تخصص يضم المواد التى أحبها وشغوفة بها ومتفوقة فيها، فاخترت مجال هندسة الإلكترونيات، وهذا متاح فى الجامعة الأمريكية بشرط أن أدرس عدة مواد فى السنة الأولى، وأحصل على تقدير معين تحدده الكلية كى أستطيع أن أسجل بها هذه المواد فى السنة الأولى وتحسب ضمن الأعوام الخمسة الخاصة بدراسة الهندسة .

-وكيف أكملت رحلتك الدراسية؟
حصلت على منحة برنامج تنمية وإعداد القادة الممول من الوكالة الأمريكية USAID لدراسة بكالوريوس هندسة الإلكترونيات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عام ٢٠٠٨. وتخرجت عام ٢٠١٣ بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف العليا. وخلال دراستى للبكالوريوس حصلت على منحة من الجامعة لفصل دراسى بجامعة دريكسل فى ولاية بنسلڤانيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠١١. بعد البكالوريوس حصلت على منحة من المفوضية الأوروبية لدراسة درجة الماچستير المزدوجة فى علوم النانوتكنولوچى تخصص الإلكترونيات الدقيقة من جامعتى لوڤن الكاثوليكية ببلچيكا وشالمرز للتكنولوچيا بالسويد فى الفترة من ٢٠١٣ إلى ٢٠١٥م. فيما بعد عملت باحثة فى قسم العلوم التطبيقية فى المجموعة البحثية الخاصة بأبحاث الحوسبة الكمية بجامعة دلفت التقنية للتكنولوچيا لمدة عام ونصف العام، فى الفترة من سبتمبر عام ٢٠١٥ إلى يناير عام ٢٠١٧. ثم بدأت رحلة الدكتوراه فى فبراير عام ٢٠١٧ فى جامعة أيندهوڨن للتكنولوچيا بهولندا فى قسم الفيزياء التطبيقية، ومازلت أعمل باحثة وطالبة دكتوراه بها حتى الآن، حيث أنهى عامى الأخير فى رحلة الدكتوراة.

-لماذا اخترت دراسة الفيزياء؟
أثناء دراستى لهندسة الإلكترونيات فى البكالوريوس أدركت شغفى بالمفاهيم الفيزيائية فيما وراء الأجهزة الإلكترونية وحبى لمجال النانوتكنولوچى وأيضا حبى للعالمين الدكتور أحمد زويل والدكتور مصطفى مشرفة، اللذين كانا ملهمين لى منذ طفولتي. بدأت الماچستير فى علوم النانوتكنولوچى تخصص الإلكترونيات الدقيقة. وأثناء الدراسة تعلمت أنه فى هذا المجال تتلاشى الحدود بين العلوم الأساسية، وأن عليَّ أن أكون على قدر من المعرفة والفهم لعلوم الفيزياء والكيمياء والبيولوچيا وعلوم المواد والأجهزة الإلكترونية على المستوى النانومتري، وبعد دراستى لهذه المواد المختلفة وجدتنى أميل أكثر ناحية فيزياء المواد النانومترية، أو ما يطلق عليها «فيزياء الجوامد» ضمن بحر التخصصات الواسع فى مجال الفيزياء. ولذا أقول إن مجال عملى مزيج من الفيزياء وعلوم المواد. اختيارى كان نتيجة تجربتى عدة تخصصات داخل المجال، وملاحظة شغفى وقدراتى حتى استقررت على هذا المجال.

-حدثينا عن بحثك وهل هو خاص بك أم نتاج جهود مجموعة بحثية؟
البحث يدور حول تحقيق انبعاث ضوئى بكفاءة من مادة السيليكون چرمانيوم ذات البناء السداسي، وقد تم نشره فى دورية نيتشر العلمية المرموقة فى أبريل لهذا العام، وهو نتاج عمل جماعى بين عشرين من الباحثين فى مجموعتنا البحثية بجامعة إيندهوڨن بهولندا وجامعتى فريدريش شيلر - يينا وميونخ التقنية بألمانيا وجامعة يوهانس كبلر بالنمسا، ويقوم البحث على تعديل بنية وترتيب الذرات فى خليط من مادتى السيليكون والچرمانيوم، وهى مواد من مجموعة المواد أشباه الموصلات semiconductors والتى هى عمود الأجهزة الإلكترونية والمكون الأساسى للشرائح الإلكترونية المكونة لتلك الأجهزة التى نستخدمها فى يومنا، مثل الهواتف المحمولة والحواسب الإلكترونية.

-وما الجديد الذى أضافه هذا البحث إلى علوم التكنولوچيا؟
قمنا بإجبار الذرات فى هذه المواد على الترتيب فى بناء مغاير للبناء الموجود فى الطبيعة، وقد تم التنبؤ بهذا البناء الجديد منذ خمسة عقود بخصائص ضوئية مميزة عن البناء المتوافر والمعتاد. وإضافة إلى تخليق هذه المادة الجديدة يحتوى البحث على حسابات نظرية للتنبؤ بخصائص المادة الضوئية وقياسات ضوئية معملية، لتحديد كفاءة هذه الخصائص وفاعلية أدائها ومطابقة التجارب المعملية للحسابات النظرية، إلى جانب الكثير من التجارب المعملية للكشف عن سلامة بنية المادة الجديدة المخلقة وخلوها من العيوب والشوائب.

-وهل هذا الاكتشاف قابل للتطور مستقبلا؟
لا أعرف إن صح أن نطلق عليه «اكتشاف» أم لا؟ فلا أعلم الكلمة المناسبة لتوصيفها، ولكن دعنا نقُل إن عملنا فى هذا البحث خليط بين تجارب معملية لتخليق مواد نانومترية متناهية الصغر فى الحجم (مواد السيليكون والچرمانيوم)، ودراسة بنيتها، وترتيب الذرات داخلها، وعمل قياسات لتحديد كفاءة خصائصها الإلكترونية والضوئية، وحسابات نظرية بناء على فرضية نظرية تم طرحها فى السبعينيات من القرن الماضى من قبل علماء وباحثين آخرين.

-ما أهمية نتائج بحث كهذا؟
الأهمية تكمن فى أنه يمهد الطريق ويفتح المجال أمام مادة ذات خصائص ضوئية مهمة، انتظر العلماء تحقيق هذه الخصائص لعقود طويلة لكى تحل بديلا عن مواد أخرى تستخدم حاليا، ولكن لاتزال نتائج البحث فى طور أولي، ومازال أمامنا عدد من التحديات التى يجب أن نعمل عليها لكى نحقق أقصى فائدة ممكنة من هذه المادة الجديدة، ويمكن استخدامها فى تطبيقات تكنولوچية عديدة مثل تطبيقات الضوئيات المعتمدة على مادة السيليكون silicon based photonics والتى هى أحد أعمدة نقل البيانات بسرعات فائقة عن طريق الضوء ومراكز البيانات والحوسبة ذات الأداء العالى high performance computing، وتطبيقات أخرى مثل المستشعرات والمجسات البيولوچية والسيارات ذاتية القيادة. هذه المادة إذا تم التغلب على التحديات التى تواجهها فى المستقبل والقدرة على دمجها فى تكنولوچيا التصنيع الحالية قد تحدث طفرة ثانية فى صناعة الإلكترونيات. هناك ميزة مهمة فى استخدام الضوء فى نقل البيانات والإشارات، بحيث يتيح النقل بسرعات هائلة (نظرا إلى أن سرعة الضوء هى أكبر سرعة فى الكون) ولمسافات طويلة بحيث يمكن تلافى عدة مشكلات مثل السرعة المحدودة، والاستهلاك الزائد للطاقة، والتشويش، وفقد الإشارات حين يتم نقلها بالطرق المعتادة. ومستقبلا إذا تم دمج هذه المادة فى تكنولوچيا التصنيع الحالية قد نستطيع رفع كفاءة الأجهزة الإلكترونية، وخفض التكلفة وتسريع نقل البيانات بين الشرائح الإلكترونية فى الأجهزة، وبين الأجهزة وبعضها، ومراكز البيانات وبعضها. الدافع وراء استخدام مادة السيليكون ذات الانبعاث الضوئى بكفاءة وفاعلية من الأساس هو وفرتها فى الطبيعة، كما أن تكلفة تصنيعها زهيدة مقارنة بالمواد الأخرى المستخدمة حاليا فى مجال الضوئيات، وكفاءة وفاعلية خصائصها الضوئية. هذا قد ينعكس على خفض التكلفة والتوسع فى التطبيقات التى تعود بالنفع علينا كما ذكرنا سابقا.

-كم من الوقت استغرق إنجاز البحث؟
انضممت إلى مجموعتى البحثية بجامعة أيندهوڨن فى فبراير عام ٢٠١٧م، حيث بدأت العمل مباشرة على موضوع البحث حتى تم نشره فى أبريل الماضي. لكن موضوعه بدأ فى مجموعتى البحثية قبل أن أنضم إليها تحت إشراف قائدها د. إريك باكرز عام ٢٠١٢م، حيث سبقنى طالبا دكتوراة وباحث ما بعد الدكتوراة عملوا ثلاثتهم على هذا الموضوع، لذا فهو مجهود تراكمى من مجموعة من الباحثين الحاليين والسابقين.

-إلى من توجهين الشكر بعد هذا الإنجاز؟
هناك الكثيرون ممن أود أن أوجه لهم الشكر، فالفضل أولا يعود لله سبحانه وتعالى وتوفيقه لى دائما وأبدا، وفضله على فى اختيار موضوع الدكتوراة والمجموعة البحثية، وتوفيقه لى فى الوصول إلى النتائج وإنعامه عليَّ بزملاء ومشرفين وأصدقاء وأهل داعمين ومتفهمين، ثم عائلتى خصوصا صاحبة الفضل أبدا وقدوتى وملهمتي، والدتى آمال كساب التى دعمتنى ووثقت بى منذ صغري، ولم تدخر جهدا أو وقتا كى أقوم بما قمت به، وكانت تسعى دائما إلى أن أكون مختلفة، وتجتهد فى فتح الفرص أمامى غير مقيدة بمكان أو إمكانات، ومنذ صغرى وهى تشجعنى على الاطلاع والدراسة والمشاركة فى الأنشطة الاجتماعية والرياضية بجانب الحفاظ على التفوق الدراسي، ودائما تدفعنى إلى السفر واستكشاف كل جديد فى مجالي، ولم يمنعها عن ذلك «عقدة» سفر البنات فى الصعيد أو دراستهن بالخارج واشتراكهن فى الأنشطة الرياضية والاجتماعية، وبالطبع أشكر أساتذتى ومشرفى فى الدكتوراه بجامعة أيندهوڨن، وزملائى الباحثين الذين تعاونت معهم من الجامعات الأخرى فى أمريكا وأوروبا، والذين لولا جهودهم وعملهم الدؤوب ما توصلنا إلى هذه النتائج العامة، ولا أنسى فضل أصدقائى فى أيندهوڨن وخارجها عليّ، خاصة فى سنة صعبة كهذه وخلال رحلة الدكتوراة كلها.

-ما نصيحتك للباحثين والشباب؟
قد لا أكون فى موضع يؤهلنى للنصيحة، لأننى مازلت أتعلم وخبرتى فى الحياة مازالت فى بدايتها، وأمامى الكثير لأتعلم من خبرات الحياة والآخرين. ولكن من الممكن أن أتشارك معم أهم الدروس التى تعلمتها، وأهمها أن السعى والاجتهاد والمثابرة والمحاولة أكثر من مرة هى مفاتيح النجاح فى تحقيق ما نطمح إليه، وأننا ربما لا ننجح من المرة الأولى ولا الثانية، بل بعد عشرات ومئات المحاولات. الأهم دائما محاولة أن نكون على دراية بالمجال الذى نحبه، ومعرفة نقاط قوتنا لصقلها ونقاط ضعفنا لكى نعمل على تقويتها. يجب أن نكون على دراية بالجديد دائما فى مجالنا، وأن نتناقش ونسعى إلى طلب النصيحة من أساتذتنا ومن سبقونا، حتى لا نعيد «اختراع العجلة» ونكرر أخطاء من سبقونا. أتمنى من الشباب والباحثين أن يكون لديهم خطة لحياتهم ومستقبلهم العلمى والعملى والشخصى فى كل مرحلة من حياتهم، ومن أهم ما تعلمته وساعدنى فى رحلتى تكوين شبكة من العلاقات والصداقات سواء فى مجال عملى أو خارجه، وأى عامل من هذه العوامل وحده قد لا يوصلنا إلى ما نطمح إليه. أما شباب الباحثين فأوصيهم بالتأنى والاختيار الجيد للمجموعة البحثية ومشرف الدراسات العليا، لأن هذا هو المدخل لتحقيق إنجازات ونجاحات فى مجال التخصص. النجاح فى الأغلب ليس للعباقرة بل للمجتهدين الذين يسعون خلف طموحهم وشغفهم ولا يملون طرق الأبواب.

-هل من اهتماماتك تكوين أسرة، أم أن البحث يأخذك من هذا الاهتمام؟
أطمح بالطبع إلى تكوين أسرة، وفى رأيى أن الأسرة مصدر دعم رئيسى للباحث.. صحيح أن الأعباء تزداد مع وجود أسرة وأطفال، ولكن هذا جزء من اختيارات الحياة. وبالنسبة إليّ، يجب أن يكون العمل موازيا لحياة أسرية مستقرة تعين الباحث على المضى قدما. والنقطة الأهم فى هذا الموضوع هى الاختيار الصحيح للشريك الداعم المتفهم المعين على المضى فى هذه الرحلة، وأعتقد أنه لولا وجود والدتى وأخى وبقية أفراد أسرتى لم أكن لأتمكن من أن أصل إلى ما وصلت إليه.

-ما برنامجك اليومى وهواياتك؟
تتراوح أنشطتى فى اليوم بين العمل فى معملى وقراءة وكتابة الأبحاث والاجتماعات والإشراف فيما يخص عملي، والتواصل مع أهلى وأصدقائي، حيث إننى مغتربة ولا أعيش فى مصر فى أوقات كثيرة، والتجمع مع أصدقائى فى المدينة التى أعيش فيها فى هولندا، والانتهاء من بعض مهامى التطوعية حيث إننى متطوعة عبر الإنترنت فى مؤسسة «علماء مصر» ومبادرة «مقال علمي»، كما أمارس هواياتى المفضلة: الموسيقي، والسباحة، والإسكواش، والقراءة، والسفر إلى أماكن جديدة.

نقلاً عن نصف الدنيا
اقرأ ايضا:
الاكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة