آراء

سوق سوداء للموت .. مرة أخرى

3-1-2021 | 10:38

حين كتبت حتى للموت سوق سوداء عن أزمة المدافن وأسعارها لم يخطر في بالي أن المقال ضغط على قلوب كثرة من المصريين، أوجعهم الحال المائل، وروى بعض القراء حكايات مؤلمة عن اشتباكات عائلية في الأرياف وصلت إلى حد القطيعة بسبب إرث المدافن، خاصة للعائلات التي تفرق جزء من فروعها بين المدن المصرية الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية أو خارج البلاد، وتفككت علاقات أجيالها الجديدة إلى حد ما بجذورهم، وإن كان الكبار فيهم مازال يشدهم الحنين ويتمسكون بالعودة إلى مدافن العائلة في نهاية الرحلة.

وسمعت حكايات عن عربات دفن موتى تعود من الطريق أو تغير مسارها، أما فقراء المصريين في المدن والذين أذاب الزمن وأكل العيش خيوط الود بجذورهم الريفية، وليس بمقدروهم شراء مدافن في المدن التي ينتشرون على هوامشها الحضارية من عشوائيات وخلافه، فأمرهم أصعب وأَمَّرُ، بعضهم وربما كثيرٌ منهم لا يجد الراحة إلا في مدافن الصدقة أو في مقابر مجهولة يدفع لها أهله ما يقدرون عليه في لحظة الدفن. وبين الحكايات المؤلمة لاح ضوء في الأفق، يومض بأن الحل ممكن ومتاح وفي أيدى الحكومة، أيا كانت طبقة المواطن وإمكاناته، فالموت قَدَرٌ واحد بنفس القَدْر، كأس ثابت المعيار لكل البشر، جسد مسجي دون ثروة صاحبه أو مكانته أو نفوذه أو سلطته، إلا بالشواهد التي يصنعها بشر على قبره، وهي شواهد دنيوية لا تفيد الميت، فقط يتفاخر بها الأحياء الذين يستميتون دفاعا عن الوجاهة الاجتماعية. وحل الضوء في رسالة إلكترونية ومكالمة تليفونية..

رسالة من السيد أحمد عياد قال فيها: أحاول للمرة الرابعة في عقدين أن أقدم للبلد والناس و(لشركتي وليس في ذلك حرج)، حلا لهذه الأزمة الممتدة، حلا يوفر رعاية الوفاة للطبقات الأقل حظا ممن لا يمتلكون القدرة على مسايرة هذا التوحش في أسعار المدافن، فضلا عن كارثية هذه البنايات على البيئة وعمارة المدينة مهما بالغوا في زينتها، فهي بحكم هندستها محكوم عليها أن تتحول لخرائب في جيل أو جيلين. والبديل هو دار السلام، على مساحة من الأرض التي خصصتها وزارة الإسكان للمقابر في القاهرة على سبيل المثال وهي عشرة آلاف فدان، إذا داومت الوزارة على نظام تخصيصها المعمول به حاليا لن تتسع لأكثر من 26 ألف اسرة، بينما يمكن أن تخدم مليون قاهرى، مقابل اشتراكات شهرية تقدر حسب عمر المشترك. واتفقت مع الأستاذ أحمد على لقاء فقال لي: دار السلام هي مدافن حدائقية، أي حدائق على كامل مساحة الأرض، تحتها المدافن، تنزل إليها من خلال ممرات تشبه الأنفاق لها سقوف زجاجية، وهي تضع حدا للتلوث المتعدد الأوجه الذي أصاب المدافن الحالية بعد تعرضها للاهمال وانعدام الصيانة.
سألته: وكيف تملك أي أسرة مدفنا فيها؟

قال: لا ملكية للأفراد ولا امتيازات، الملكية للدولة، والأفراد يشتركون في الخدمة مقابل اشتراك شهري حسب الفئة العمرية يوزع بين الدولة ومقدم الخدمة، والخدمة تبدأ من أول الإبلاغ عن الوفاة، ولا تصنع الأسرة المكلومة شيئا آخر، إجراءات الجنازة والدفن حسب الشريعة الإسلامية، إبلاع المعزين، نشر النعي على صفحات التواصل الاجتماعي، فتح قاعة العزاء..كل شىء دون استثناء، بما فيها تسهيلات للمسنين ناهيك عن المناسبات الثانوية وزيارات الأعياد..أيا كان الوضع الاقتصادي للمشترك. فعلا..هذه فكرة جديرة بالبحث والنقاش..

أما المكالمة التليفونية فكانت من السيد مصطفي عثمان، وهو ضابط فني على المعاش، وتقابلنا وقدم ملفا ضخما يحتفظ به منذ أكثر من عشرين سنة، ملف عن مدافن القاهرة وسكانها من الأحياء والأموات وما يحيط بها من أحداث وحوادث وجرائم وآراء، وقال : الموت له رهبة، ويجب أن ننسب المدينة إليه، لعل الناس تتعظ، فلا نرى دشا معلقا فوق المقابر، ولا قعدة أنس بينها، ولا.. ولا.. كم من الأفعال القبيحة ترتكب في المقابر الحالية، لهذا نحن نتحدث عن مقبرة كبرى في الصحراء، بعيدا عن القاهرة الكبرى وضواحيها، تدار بالكمبيوتر، أي لها سجلات إلكترونية لكل المشتركين، ويدفن فيها كل مواطن يعيش في القاهرة بالضرورة، وإذا كان يود أن يدفن في بلده، فعليه أن يعيش في بلده أو بالقرب منها، أما من يعيش في المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، فيدفن فيها، وهذا يلزمه قانون يمنع نقل الموتى منها، وهذا سيحل جزءا كبيرا من عشوائيات المدينتين، وربما يصنع هجرة عكسية منهما.

المقبرة أمر حتمي يصاحب الميلاد، فلماذا لا نوفر لها قيما حضارية في منطقة خاصة معزولة نسبيا عن عمران المدينة الصاخبة، فإذا كان السكن حقا إنسانيا، فالمدفن أيضا حق لكل مواطن سواء كان معدما على باب الله أو مستورا، ودون أن تكون تلك المقابر مراكز تلوث اجتماعي وبيئى، وأرض الصحراء موجودة، فقط أن نفكر بشكل شامل ونظرة مستقبلية، ومدينة الموتي يمكن أن تقام على أربع مراحل، كل مرحلة تتكون من 400 ألف مدفن محاطة بالأشجار في شوارع مخططة لها أسماء وللمدافن أرقام، ويمكن أن تكون المدينة في منطقتين، واحدة في اتجاه السويس شرقا، والأخري في اتجاه الفيوم غربا.

وعلى حدود المدينة تشيد منطقة الخدمات، مكاتب رسمية من وزارات الصحة والداخلية والتنمية المحلية، وقاعات تجهيز الموتى للدفن، والمساجد ودور المناسبات وسكن العاملين فيها وأماكن ركن السيارات..الخ.
سألته: وتمويل بناء هذه المدن؟

قال: من الجمعيات الخيرية المتخصصة في هذا الشأن، والجمعيات تأخذ اشتراكات من أعضائها، كأن تشكل اتحادا عاما هو المشرف على المشروع تحت رقابة الدولة، كما أن هناك أوقافا خيرية تنفق عليها من إيراداتها.

باختصار الدفن اللائق حق لأي مواطن، فالموت لبعض الأسر يشبه خراب الديار بسبب توحش الأسعار في كل الخدمات المصاحبة للموت استغلالا لظروف الأسر في لحظة محنة لا تحتمل التأجيل.

هاتان هما الفكرتان اللتان لاحتا في نفق السوق السوداء للموت، لعلنا نخرج منه، في مجتمع فيه 30 % تقريبا من سكانه فقراء وفق آخر بيان للدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط، أي أننا نتحدث عن 30 مليون مصري، دخل الفرد فيهم أقل من 900 جنيه شهريا.
 

نقلاً عن

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

حتى للموت سوق سوداء

حتى للموت سوق سوداء

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة