عرب وعالم

من عقوبات ترامب لصعود بايدن.. كيف تسير العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد عام من اغتيال سليماني؟

3-1-2021 | 11:31

جنازة قاسم سليمانى فى طهران

محمود سعد دياب

تحل اليوم الأحد الموافق الثالث من يناير 2021، الذكرى الأولى لاغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، والذي تعرض للقتل من خلال عملية محكمة استهدفت موكبه بطائرة أمريكية مسيرة في مطار العاصمة العراقية بغداد في نفس اليوم من العام الماضي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة رفقة قائد الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس.

وبعد مرور عام على حادثة الاغتيال يطرح السؤال نفسه.. هل نجحت سياسة "أقصى ضغط" التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كطريقة للتعامل مع إيران؟، وما هي خطط خليفه المنتخب جو بايدن في هذا الشأن؟.. نحاول الإجابة عن تلك الأسئلة في التقرير التالي، والبحث عن إجابات لأسئلة أخرى مثل: هل أدت سياسة العقوبات الأمريكية إلى تحجيم طهران ومنعها من امتلاك السلاح النووي؟، بما يعني تحويل المنطقة لبؤرة صراع تفضي إلى حرب عالمية ثالثة إذا ما قررت تحويل برنامجها النووي "السلمي" إلى حربي أو عسكري.. وأيضًا هل يحمل بايدن في جعبته اتفاقا نوويًا جديدًا يحمل بين طياته وضع قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني؟.

تضرر الاقتصاد

لقد كان الرئيس الأمريكى  دونالد ترامب مصممًا منذ يومه الأول في البيت الأبيض عام 2017، على توقيع أكبر قدر من العقوبات الاقتصادية ضد إيران بما يعرف بسياسة "أقصى ضغط" بهدف دفع الإيرانيين للخروج والتظاهر في الشوارع ضد النظام الحاكم وإحداث تغيير من الداخل بأن يأتي على رأس النظام أشخاص غير معادين للولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة، وقد رافق تلك العقوبات انسحاب واشنطن الكامل من الاتفاق النووي الإطاري الذي وقعه الرئيس السابق باراك أوباما ودول مجموعة "5+1"، مع دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستمرار حملات تفتيشها على المفاعلات النووية الإيرانية، ومن المعروف أن الوكالة تخصص نصف طاقاتها وإمكاناتها لهذا الغرض فقط.

وقد ألحقت تلك العقوبات بالغ الضرر بالاقتصاد الإيراني وشهدت الأسواق هزات لم تشهدها حتى في العقوبات الأولى التي وقعت على طهران بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، ما أدى لحدوث تظاهرات بالفعل، ولكن النتائج المرجوة لم تكن كما خطط ترامب، حيث احتوت السلطات الإيرانية تلك التظاهرات، ودفعت بحزم اقتصادية لإصلاح ما أفسدته العقوبات بمساعدة من الصين التي كانت مستثناة من تلك العقوبات في التعامل مع إيران، فضلا عن لجوء طهران لبيع النفط والغاز بطرق سرية لدول أخرى، على أمل أن تتغير الأوضاع بعد مرور أربع سنوات، ويأتي على رأس هرم السلطة الأمريكي شخص غير ترامب يعود للاتفاق النووي بما يعني رفع العقوبات.

تقدم في التخصيب

ولكن هل تأثر سلوك إيران العسكري بتلك العقوبات؟، الإجابة قولا واحدًا بـ"لا"، فقد طورت إيران من برنامجها النووي ردًا على التصعيد الأمريكي ورفعت مؤخرًا بقرار من البرلمان مستوى تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20%، ولم يفلح معها السياسة الترامبية أو اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة أو اختراق المواقع النووية مثل موقع "نطنز"، ووفقًا للدكتور يسرى أبو شادى كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، فإن إيران رغم الضغوط الدولية تستطيع تطوير القنبلة النووية، وأنها الآن قادر على تطويرها خلال فترة تتراوح من أربعة إلى خمسة أشهر إن أرادت، أما إذا استخدمت وسائل حديثة في تخصيب اليورانيوم تستطيع إنتاج قنبلة جديدة كل أسبوع، وأن إيران بنسبة 1% امتلكت القنبلة النووية بالفعل.

ويضيف الدكتور أبوشادي الذي تابع التفتيش على المفاعلات النووية الإيرانية منذ عام 2000 حتى 2009، أن إيران لديها كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب قبل الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وأنه وقتها قد كانت تستطيع نظريًا امتلاك قنبلة نووية خلال عام واحد، لكن الآن بعد ظهور نظريات حديثة فبإمكانها اختصار الوقت إلى أسبوع واحد، ويتفق معه خبراء في الطاقة الذرية في إسرائيل، حيث حذروا منتصف العام الماضي من أن إيران بإمكانها امتلاك قنبلة نووية بسهولة نظرًا لوجود قدر كافي من اليورانيوم المخصب، وأنها تخصب شهريًا ما بين 100 و180 كجم من اليورانيوم بنسبة 4% فقط، ما سيسمح لها بإنتاج نحو 25 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب، العتبة اللازمة لصنع سلاح نووي، أما وبعد الإعلان عن رفع مستوى التخصيب لـ20% فإن الأمر سيتغير بالكلية.

الاغتيالات واستهداف المنشآت

وبعيدًا عن حديث  كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق يسري أبو شادي الذي أورده في ورقة بحثية نشرها المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وشهادات الخبراء الإسرائيليين وخبراء آخرين من الأمم المتحدة والدول التي شاركت في الاتفاق النووي، فإن أمر امتلاك إيران القنبلة النووية يتوقف على رغبتها في تحويل برنامجها السلمي إلى العسكري أم لا؟، مع العلم أن مسألة إجهاض ذلك الخيار العسكري بضربات للمفاعلات النووية أمر متأخر جدًا، وفقًا لأبو شادي أيضًا الذي يصف أمر نجاح ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية في "شلّ" البرنامج النووي الإيراني كان ممكنًا قبل عام 2006، أما الآن فقد امتلكت كل المعدات والخبرات والمواد اللازمة لصنع القنبلة، وبناءً عليه فإن اغتيال علماء أو تخريب منشآت نووية قد يعطل البرنامج قليلًا لكنه لا يقضي عليه، حيث إن إيران على حد وصفه "ليست ساذجة وقادرة على إخفاء برامجها ومنشآتها تحت الأرض بحيث يستحيل الوصول لها لا بالاستخبارات ولا بالأقمار الصناعية".

كانت الدول الست الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني، تؤمن بقدرة إيران على تحويل برنامجها النووي من سلمي إلى عسكري وبالتالي القدرة على تصنيع قنبلة نووية، ولذلك كان الهدف من الاتفاق إثناء طهران على هذا المسعى وعدم تطوير البرنامج من الأساس وقبول رقابة مشددة ولصيقة على مفاعلاتها ومنشآتها النووية وحتى العسكرية منها "وهو ما لا تقبله بعض الدول"، مقابل أن يتم رفع العقوبات عنها بالكامل، وقبلت بالفعل وفتحت كل منشآتها النووية المدنية والعسكرية منها أمام مفتشي الوكالة الدولية، كما ترى إدارة أوباما والدول الأوروبية والصين وروسيا أن الاتفاق النووي هو الأفضل للحيلولة دون تحول إيران إلى نموذج جديد من كوريا الشمالية بتطوير قدراتها النووية العسكرية سرًا.

تحديات أمام بايدن

أكدت هيئة الطاقة الذرية  في آخر تقاريرها الصادرة في نوفمبر الماضي، أن إيران أصبحت تمتلك 12 ضعف كميات اليورانيوم المخصب المتراكمة التي كانت تمتلكها قبل الاتفاق النووي يوليو 2015، وهو ما يضع تحديا كبيرا وصعوبات لإحياء الاتفاق مرة أخرى أمام الرئيس المنتخب جو بايدن، لأن جهود الأخير المتوقعة والتي كشف عنها في حوار صحفي قبيل الانتخابات الأمريكية مهددة بالفشل قبل أن تبدأ، فإذا نظرنا لما قدمه محللون مخضرمون مثل توماس فريدمان الذي كتب مقالا وجهه للرئيس المنتخب في نوفمبر الماضي بعنوان "المسألة لم تعد تتعلق بالرءوس النووية فقط"، حيث إن الشرق الأوسط الذي كان يتابعه بايدن كنائب للرئيس في إدارة أوباما قد تغير كلية، مدللًا على كلامه بما حدث يوم 14 سبتمبر 2019، عندما استهدفت صواريخ إيرانية أطلقها الحوثيون في اليمن مواقع نفطية سعودية، وهي الهجمات التي تنكرها إيران، ولم تستطع منظومات الدفاع الجوي الأمريكية رصد قرابة 20 صاروخا باليستيا أصاب 17 منها الهدف بدقة، وفشلت في التعامل معها كما فشلت في التعامل مع طائرات "الدرونز" الموجهة بدون طيار التي شاركت في هذا الهجوم، ما يعني تطور قدرات إيران الصاروخية وتمكن صواريخها من إصابة الأهداف بدقة، فضلا عن تطور إمكانياتها في تصنيع طائرات "الدرونز" الحربية، بما لا يهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها بالمنطقة فقط، ولكن يهدد أيضًا إسرائيل في حالة إذا ما امتلك حزب الله اللبناني القريب من طهران تلك الصواريخ.

بيرل هاربر الشرق الأوسط

توماس فريدمان وصف في مقاله مدى الذعر الذي أصاب إسرائيل بسبب هذا التقدم الذي كشف عنه الهجوم، مستدعيًا ما حدث في "حرب تموز" بلبنان عام 2006 بين حزب الله وإسرائيل، حيث كان يطلق حزب الله ما وصفه بـ"صواريخ غبية" بمعنى أنها كانت بدائية لم تكن قادرة على إصابة الأهداف في عمق إسرائيل بدقة مع مداها القصير نسبيًا مقارنة بحجم التطور الحادث الآن في مستوى وقدرة الصواريخ الإيرانية، وهو ما وصفته وقتها الصحف الإسرائيلية بأنه "بيرل هاربر" الشرق الأوسط، في تشبيه للهجوم الذي استهدف المنشئات السعودية بما حدث إبان الحرب العالمية الثانية عندما استهدفت البحرية الإمبراطورية اليابانية الأسطول الأمريكي القابع في المحيط الهادئ في قاعدته البحرية في ميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، بغارة جوية مباغتة وهو الحدث الذي مجرى التاريخ وأرغم الولايات المتحدة على دخول الحرب.

خبراء أمريكان وإسرائيليون آخرون تحدثوا عن تلك الواقعة التي كانت لها دلالات كبيرة، ومنهم البروفيسور الإسرائيلي عوزي إيفان عالم الكيمياء الذي شارك في تأسيس مفاعل "ديمونة" النووي، الذي كتب مقالًا نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية رصد فيه تطور القدرات الصاروخية الإيرانية، وكيف أنها تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، حيث أن نسبة دقة إصابتها للأهداف أصبحت 85% مقابل 60% فقط لصواريخ "كروز" الأمريكية، وأنه يجب على بلاده الانتباه لذلك وتأمين منشآتها الحيوية بمنتهى السرعة، وهي الدعوة التي تلقتها الحكومة بمنتهى الجدية وبدأت نقل عدد من منشآتها المهمة تحت الأرض.

الخيار الانتحاري

الخبراء الغربيون بمن فيهم الإسرائيليون يوقنون أن إدارة الرئيس حسن روحاني الحاكمة الآن ومن خلفها المرشد الأعلى أية الله علي الخامنئي، ليست نظامًا انتحاريًا بمعنى أنه لن يلجأ لاستخدام السلاح النووي لأغراض عسكرية، لكنه يمكنه استخدام قدراته الصاروخية، وأن الحل أن الرئيس بايدن عندما يتولى زمام الأمور في 20 يناير الجاري، لابد من أن يفتح ملف الاتفاق النووي بضوابط جديدة تتضمن وضع قيود على القدرات والإمكانيات الصاروخية، وهو أمر من الصعب أن تقبله طهران نظرًا لأن دول المنطقة بما فيها إسرائيل تمتلك قدرات صاروخية وإذا وافقت على ذلك فمن السهل أن تجد الأمريكان على أبواب طهران، أما إذا أن عاد الاتفاق ببنوده القديمة فلن تقبله دول الخليج وإسرائيل، وذلك لأن إيران تعتبر أن قدراتها العسكرية المتطورة تحول دون فتك العالم بها وفي المقدمة منهم الدول الغربية خصوصًا أن القواعد الأمريكية والأسطول الخامس الأمريكي يقبعان في مياه الخليج على الجانب الآخر من شواطئ إيران.

حرب عالمية

ويبدو أن العالم في هذه القضية تحديدًا يقف على شفا حرب عالمية جديدة، وينتظر الجميع فقط شرارة البدء، فما أشبه الليلة بالبارحة، وذلك لأن الحرب العالمية الأولى اندلعت عام 1914 بسبب اغتيال ولي عهد مملكة النمسا والمجر عند زيارته إلى مدينة براغ عاصمة صربيا حاليًا، والآن التوتر الشديد بين إيران وخصومها يحتاج إلى نفس شرارة البدء، ويبقى السؤال: ما الذي يمكن أن يقدمه بايدن؟.. هذا ما ستكشف عنه تطورات الأحداث.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة