آراء

ترميم البيت العراقي

2-1-2021 | 10:32

تَعَرَض مقال الأسبوع الماضى لدعوة السيد مقتدى الصدر الزعيم الشيعى البارز لما أطلق هو عليه «ترميم البيت الشيعي»، ويقصد بذلك اصطفاف الشيعة فى تحالف سياسى يشبه التحالف الذى دخلوا به الانتخابات التشريعية فى عام 2005 .

وانتقد المقال هذه الدعوة الطائفية التى تأتى فى التوقيت الخطأ بالنظر إلى تغير المزاج العراقى عما كان عليه قبل 15 عاماً، فلم يعد المواطنون الشيعة يرددون شعارات من نوع «ماكو وليّ إلا على ونريد قائد جعفري»، وانخرط السنة فى العملية السياسية بكل مستوياتها بعد مقاطعتهم لها، بل إن الأكراد الذين صوتوا بغالبية كاسحة فى استفتاء 2017 لمصلحة الانفصال عن الدولة العراقية أقدم بعضهم قبل أسابيع على إحراق العَلَم الكردى بسبب قطع الرواتب الشهرية فى إقليم كردستان وهذا تطور مهم لم يكن فى الحسبان.

أما هذا الأسبوع فسيتم التعرض إلى دعوة مختلفة تتجاوز اجترار تجربة ترميم البيت الشيعى إلى محاولة ترميم البيت العراقى كله، وذلك من خلال دعوة أطلقها زعيم تيار الحكمة السيد عمّار  الحكيم وحملت اسم «التحالفات الطولية العابرة للمكونات».

تقوم دعوة السيد عمّار على الدخول إلى الانتخابات التشريعية المقبلة بتحالفين سياسيين كبيرين تحت شعار «شراكة الأقوياء»، بحيث يفوز أحدهما بالكتلة الأكبر من الأصوات وبالتالى يقوم بتشكيل الحكومة بينما يذهب التحالف الآخر إلى المعارضة.

ويتكون كل تحالف من الشيعة والسنة والأكراد بشكلٍ أساسي، وينفتح أمام سائر الجماعات الدينية والقومية الأخرى المكّونة للنسيج الاجتماعى العراقي،كما أنه يتسع أيضاً لتمثيل قوى الحراك الشعبى التى كانت هى أصلاً السبب فى تبكير موعد الانتخابات البرلمانية .

أما فيما يخص تحالف السيد عمّار كأحد التحالفين المقترحين فإنه يتعهد بتبنى مجموعة من المبادئ التى يطالب بها العراقيون وفِى مقدمتها إعمال المواطنَة وتحقيق تكافؤ الفرص وتوفير الخدمات العامة، فماذا من المفترض أن يتحقق من وراء هذه الدعوة فى رأى صاحبها؟ يتحقق أولاً التحريض على تأسيس العمل السياسى على أسس موضوعية (قضايا المواطنة والاقتصاد والإصلاح السياسي) وليس على أسس أولية (مذهبية).

ويتحقق ثانياً تسهيل تسمية الرئاسات الثلاث لكل من الدولة والحكومة والبرلمان، وذلك طالما أن النظام السياسى الحالى قائم على المحاصصة وأن كل تحالف سيكون به أكراد وشيعة وسنة.

ويتحقق ثالثاً عزل القوى والتيارات التى ترفض الدخول فى أيٍ من التحالفين الكبيرين وإضعاف حظوظها الانتخابية وبالتالى وزنها البرلماني، وهناك بالفعل بعض القوى التى لم ترحب بالدعوة للتحالفات العابرة وأعلنت أنها ستخوض الانتخابات بنفس قوائمها التى دخلت بها انتخابات 2018.

ويتحقق رابعاً الالتفاف على المشكلات الناجمة عن الأخذ لأول مرة فى العراق منذ 2003 بنظام الانتخاب الفردى مع تقسيم المحافظة الواحدة إلى عدة دوائر انتخابية، فمثل هذا القانون سيعزز من دور العشائر فى اختيار المرشحين ويزيد من حضور النواب المستقلين، وبالتالى فمن الأفضل أن تتبلور الكتلة الأكبر التى تشكّل الحكومة فور ظهور نتائج الانتخابات وعدم الانتظار حتى الدخول إلى البرلمان حيث تصير عملية تكوين هذه الكتلة من الصعوبة بمكان، فإذا كان تشكيل الحكومات فى ظل نظام الانتخاب بالقائمة عادة مايكون متعثراً فمابالنا به فى ظل نظام الانتخاب الفردي؟.  

فى التعليق على دعوة التحالفات الطولية العابرة للمكونات لى ملاحظتان إحداهما شكلية والأخرى موضوعية.

فى الشكل كنت أفضل وصف التحالفين المقترحين بالتحالفين الوطنيين (أ) و (ب) على وصفهما بالتحالفين العابرين للمكونات، فالإحالة إلى المكونات فيها معنى التجزئة، والوطن يُعرّف بمواطنيه لا بمكوناته.

وفى المضمون أَجِد الدعوة مهمة بالتأكيد لترميم البيت العراقى على أسس مدنية حديثة، لكن هذه الدعوة بها قدر لا بأس به من المثالية فالمدنية والحداثة تتناقضان مع وجود أحزاب دينية حتى وإن تشكلت منها تحالفات مختلطة .

ونحن نعرف أن الأحزاب العراقية عدا استثناءات محدودة هى أحزاب دينية سواء سنية أو شيعية ولها ارتباطاتها الخارجية الواضحة، ناهيك عن أن بعض هذه الأحزاب الشيعية مسلح وسلاحها خارج عن سيطرة الدولة كما هو الحال مع فصائل الحشد الشعبي.

يضاف إلى ذلك أن الحرص على تكوين تحالف كبير قادر على تشكيل الحكومة قد يؤدى إلى ضرورة تقديم بعض التنازلات والتقارب بين قوى لا تتشارك فى هدف ترميم البيت العراقي، وبحيث يكون هذا التقارب لمجرد زيادة الكتلة التصويتية، وأمامنا العديد من التحالفات السياسية العراقية بين أشد الأضداد خصومةً، وإلا فمن كان يتصور على سبيل المثال قيام تحالف بين زعيمين سياسيين مثل التحالف بين هادى العامرى وخميس الخنجر؟ الأول شيعى على رأس منظمة بدر وفصائل الحشد الشعبى، والثانى سنى على رأس حزب المشروع العربي، وكل منهما كان يتهم الآخر صراحة بدعم الإرهاب، ثم إذا بإيران وقطر تضغطان للتقريب بين الرجلين فيقتربان.

إن الدعوة لتشكيل التحالفات السياسية الجامعة ضرورية إذا ما أريد فعلاً ترميم البيت العراقي، لكن يجب ألا نتوقع لدعوة الحكيم أن تحدث أثراً فورياً على أرض الواقع  طالما ظل النظام قائماً على المحاصصة وغلبت الصبغة الدينية على العمل السياسي، والأرجح أن تجرى انتخابات 2021 بنفس التفاعلات والتحالفات التى جرت وفقها انتخابات 2018 عدا اختلافات قليلة، أما الأثر الفعلى فإنه سيحدث عندما تجرى إصلاحات سياسية ودستورية جوهرية تعبر عن المزاج الشعبى الجديد وتُحدث نقلة نوعية من الانتماءات الأولية الضيقة إلى الانتماء الأوسع للدولة العراقية. 

نقلاً عن الأهرام اليومي

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة