آراء

وضع مقلوب فى نظامنا التعليمى

31-12-2020 | 11:40

على عكس كل العالم، لدينا تنوع كبير فى أشكال وألوان المدارس. وعلى عكس العالم أيضا، فإن جامعاتنا تشبه بعضها البعض. تعددية نظم التعليم قبل الجامعى تمزق المجتمع والثقافة الوطنية؛ فيما تشابه الجامعات يخنق الإبداع والتميز.

فى كتابه مستقبل الثقافة فى مصر، حذر طه حسين من ثنائية التعليم الدينى والمدنى فى مصر. لو طال العمر بعميد الأدب العربى لصدمته التعددية المفرطة فى نظم التعليم قبل الجامعي، فقد أصبح لدينا تعليم عام وخاص وتجريبى ولغات ودولي، من كل مكان فى العالم، من كندا حتى اليابان. حتى التعليم الأزهرى عندنا أصبح فيه تعليم خاص وعام، وأصبح هناك مدارس أزهرية خاصة باللغة الانجليزية، ومازال الباب مفتوحا للمزيد من التجارب. يتخرج الطلاب فى كل هذه المدارس ذات التقاليد المختلفة، لينتقلوا إلى التعليم الجامعي، مرورا من بوابة واحدة، هى بوابة مكتب التنسيق، الذى يجمع القادمين من تقاليد متنافرة، فيساوى بينهم، ويعيد توزيعهم بين الجامعات والكليات المختلفة، وفقا لمجموع درجاتهم فى الثانوية العامة. باستثناء الألف وخمسمائة طالب أوائل الثانوية العامة الذين يتيح لهم النظام حرية الاختيار، يقوم مكتب التنسيق بتوزيع الطلاب على الجامعات المختلفة وفقا لقاعدة التوزيع الجغرافي، ليلتحق الطالب بالجامعة الأقرب إلى مكان سكنه، فكل جامعة أولى بالطلاب الذين يعيشون فى الأحياء والقرى والبلدات القريبة. وفقا لهذا النظام فإن كلية الطب فى جامعة تأسست العام الماضى لا تختلف فى شيء عن أقدم كلية طب فى الشرق الأوسط؛ وكلية الهندسة التى نشر أساتذتها آلاف الأبحاث فى أفضل الدوريات العلمية، لا تختلف فى شيء عن كلية هندسة تم افتتاحها حديثا، ومازالت تستكمل هيئة التدريس فيها من بين شبان لم يحصلوا على الدكتوراه إلا قبل شهور قليلة, وكلية الآداب التى درس فيها طه حسين وأحمد أمين وزكى نجيب محمود ورشاد رشدى ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور، لا تختلف فى شيء عن كلية الآداب فى أى واحدة من الجامعات الحكومية السبعة وعشرين.
لا أفهم سببا للتمسك بقاعدة التوزيع الجغرافى للطلاب, على العكس، فربما كانت الإقامة الطويلة للطلاب فى نفس المدينة أو القرية التى فتحوا أعينهم فيها، وبقائهم فى رعاية الأسرة لأكثر من عقدين من الزمان، ربما كان هذا سببا فى نقص الخبرة، وضعف القدرة للاعتماد على الذات، وإضعافا لآليات تبادل الخبرات والقيم الثقافية والاجتماعية بين أبناء الوطن ومناطقه.

نظام التعليم الجامعى عندنا لا يميز بين الجامعات، حتى أنه لا يوجد أى ترتيب للجامعات الثلاث وستين الموجودة فى مصر، سواء السبعة وعشرون جامعة الحكومية، أو الجامعات الأخرى الخاصة والأهلية, ولولا التصنيفات الدولية لفقدنا أى دليل يؤكد التفاوت بين جامعاتنا, ففى تصنيف كيو إس لعام 2021، والذى يضم قائمة بأهم ألف جامعة فى العالم ، فإننا لا نجد سوى جامعاتنا المدنية الأربع الأقدم، بما فيها الجامعة الأمريكية.

نظامنا الجامعى يخضع لقواعد بيروقراطية جامدة، موحدة وصارمة؛ فالطلاب يلتحقون بالجامعات وفقا لنفس القواعد والمعايير والاختبارات, والشهادات الصادرة عن الجامعات لها جميعا القيمة نفسها، فشهادة بتقدير جيد جدا صادرة عن جامعة عريقة، ليست فى نظر الحكومة أفضل من درجة امتياز صادرة عن جامعة صغيرة السن، مازالت تبنى تقاليد أكاديمية وتبحث عن هوية. أما أعضاء هيئات التدريس، فيتم اختيارهم وتنظيم عملهم وفقا لكادر جامعى موحد، فلا الحصول على وظيفة فى جامعة عريقة أصعب من الحصول عليها فى جامعة تخطو أولى خطواتها، كما أنه ليست هناك ميزة تذكريحصل عليها أساتذة الجامعات العريقة مقارنة بأقرانهم فى أى جامعة أخرى. فى نظام كهذا نفقد القدرة على الحفاظ على القليل من التميز العلمى والمعرفى المتوافر لنا، ونهبط بالعدد المحدود الذى نملكه من جامعات يمكنها أن تكون رائدة علميا ومعرفيا، إلى مستوى جامعات التعليم المهني. والبديل هو أن يتم التمييز بين جامعات بحثية، يكون عبء إجراء البحوث الواقع على عاتق الأستاذ فيها أكثر بكثير من العبء التدريسي، على أن تقف هذه الجامعات على قمة هرم قاعدته من جامعات التدريس، التى يتحمل فيها الأستاذ عبئا تدريسيا أكبر، مقابل أعباء بحثية أقل. الجامعات البحثية لا تقبل سوى عدد محدود من أنبه الطلاب، من كل الأنحاء، بغض النظر عن التوزيع الجغرافي، فتنمو فيها بيئة أكاديمية راسخة، تسمح لطلابها وأساتذتها أن يكونوا جزءا من المجتمع العلمى العالمى الشديد الرقى والتطور، بلا شعور بالدونية أو النقص.

تقدم جامعات الأبحاث المميزة النموذج المثالى الذى تسعى الجامعات الأخرى للاقتداء به؛ وهو الدور الذى تقوم به جامعات مثل أكسفورد وكمبريدج فى انجلترا؛ وجامعات مثل هارفارد وشيكاغو فى الولايات المتحدة. قد تتمكن بعض جامعات التدريس من اللحاق بجامعات المقدمة، فنربح جامعات ممتازة إضافية. أو قد ينتقل الأساتذة المميزون فى جامعات التدريس للعمل فى جامعات البحوث، فنكسب علماء جددا، بدلا من قواعد الجمود البيروقراطي، التى تبقى الأستاذ فى الجامعة نفسها، منذ الحصول على الثانوية العامة حتى لقاء وجه رب كريم، اللهم إلا سنوات قد يقضيها فى جامعات الخليج. الامتياز وجامعات البحث العلمى هى السبيل لإنتاج علماء وبائيات، متفرغين لدراسة الأوبئة وقواعد انتشارها، دون الحاجة لفتح عيادة لعلاج المرضى, وهى السبيل لتخريج علماء فى الطب، يدرسون الفيروسات وطفراتها، ويطورون العلاجات واللقاحات، بدلا من الاكتفاء بتخريج أطباء يعالجون المرضى. جامعات البحث العلمى الممتازة هى السبيل لإنتاج علماء يطورون مصادر جديدة للطاقة، ونباتات تنمو فى الصحراء بقليل من الماء؛ ويقودون بلدنا نحو أبحاث الفضاء، وكلها مجالات لا يمكن دخولهابجامعات التدريس، المشغولة بتأهيل الخريجين لسوق عمل، ليس فيه إلا النادر من الوظائف كثيفة المعرفة.

نقلاً عن

فك شفرة التخلف

منذ قرنين ومصر تتقدم كالضفدع، قفزة طويلة للأمام، ثم سكون طويل في انتظار القفزة التالية. قفزة كبيرة مع محمد علي باشا، ثم الخديو إسماعيل، وثورة 1919، وجمال

سلحفاة وضفدع وحصان

لا أتحدث عن حديقة الحيوان، بل أتحدث عن الدول. فالدول في علاقتها بالتنمية تتصرف إما كسلحفاة أو ضفدع أو حصان. فأين نحن من هذه النماذج.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة