تحقيقات

فى انتظار سيارة الإسعاف أو «حلاق الصحة ».. الموت على فراش العادات والتقاليد!

30-12-2020 | 10:39

وحدة صحية بلا أطباء

أحمد الزهيري

الوحدة الصحية فى «قرى الوديعة» تخدم ربع مليون مواطن و9 قرى ولا يوجد بها طبيب

الأهالى يناشدون وزيرة الصحة : لا تتركونا فريسة للجهل والدجالين .. ونحتاج سيارة إسعاف
مدير الإدارة الطبية : لدينا عجز شديد فى الأطباء ونحتاج لتحويل الوحدة إلى مستشفى فى أسرع وقت
وكيل وزارة الصحة بسوهاج : أتعهد بأن تكون الغريزات أول وحدة صحية تدخل الإحلال والتجديد


العادات والتقاليد هى تلك القوانين المتفق عليها وغير المكتوبة التى من الصعب تغييرها أو استبدالها بأخرى أكثر حداثة.. جملة استهلالية لابد من ذكرها قبل الحديث عن قرى الوديعة التسع والتى تخدمها الوحدة الصحية بقرية الغريزات بمركز المراغة بسوهاج, متعلق بها ربع مليون مواطن يعانون العوز الطبى .. هذه القرى التسع فقدت الكثير من أبنائها خاصة النساء نتيجة لثلاثية العادات والتقاليد وضعف الرعاية الصحية وعدم وجود سيارة إسعاف لنقل المرضى للمستشفى العام بالمحافظة فأصبح أمام 250 ألف مواطن من الأهالى ثلاثة خيارات للموت لا رابع لها، إما الموت على يد «حلاق الصحة» وهو شخص يداوى بالطب الشعبى بوصفات تكاد تكون مميتة ، أو الذهاب للعرافين والدجالين فى القرية لعمل أحجبة والاستعانة بالقوى الخفية، أو انتظار الطبيب المنتدب حتى الموت بدون إسعاف ليصبح السؤال المطروح : من أوقف قطار التنمية الصحية قبل وصوله إلى قرى سوهاج ؟

الحكاية بدأت منذ عدة سنوات حينما أوشكت احدى نساء بإحدى هذه القرى على وضع مولود لها فى منتصف الليل وذهب الأهل بها للوحدة الصحية بالغريزات ولم يجدوا غير طبيب رجل فى الوحدة فرفض الأهل أن يقوم الطبيب بتوليدها رغم تحذير الطبيب لهم من أن حالتها خطيرة .. وأخبرهم أن فى مستشفى المدينة أو المركز طبيبة نساء تعمل ليلا ولكن لا يوجد سيارة إسعاف لنقل الحالة لأقرب مستشفى فى مركز المراغة بسوهاج والتى تبعد أكثر من 40 دقيقة عن القرية.. وكان الحوار الدائر بين أفراد الأسرة «لا يمكن أن نكشفها على طبيب رجل».. فكانت النتيجة أن السيدة فقدت حياتها فور عودتهم للبيت على يد «الداية» .

يقول محمد عبد العال رئيس المجلس القروى الأسبق والذى تتبع له الوحدة الصحية بقرية الغريزات بمركز المراغة التى تعتبر واحدة من هذه القرى التى يطلق عليها مجموعة «قرى الوديعة» هذه الحكاية «ليست الأولى ولن تكون الأخيرة» فالقرية وتوابعها من النجوع بها أكثر من 250 ألف نسمة لا تخدمهم سوى وحدة صحية واحدة بقرية الغريزات بها طبيب واحد زائر دون مواعيد محددة، والمستشفيات المجهزة خاصة فى أمراض النساء والحالات الحرجة تبعد عنا نحو 40 دقيقة، ولا يوجد لدينا سيارة إسعاف لنقل الحالات الصعبة مما تسبب فى وفاة العديد من الحالات المشابهة لنفس السبب فى السنة الأخيرة، على الرغم من أننا لدينا موافقة من وزير الصحة بتخصيص سيارة إسعاف منذ عام 2012 مدون فيها رقم السيارة التى ستمنح للوحدة الصحية بقرية الغريزات، لكنها لم تنفذ مما تسبب فى سقوط العديد ضحايا تأخر تسليم هذه السيارة حلم للقرية كلها ، لذلك نناشد وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد أن تنظر بعين الإنسانية للقرية ومطالبها الصحية البسيطة .

أين الأطباء

ويرى نبيه عبد الله - مدرس - أن هذه الحالة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فى قرى الوديعة التسع التى تخدمها وحدة الغريزات الصحية فمنذ أشهر تكرر نفس الموقف مع سيدة كانت تحتاج إلى كشف نساء سريع لأنها كانت تعانى من إجهاض مبكر، وحينما ذهبت للوحدة الصحية تكرر نفس المشهد رفض أهلها أن يقوم الطبيب بالكشف عليها .. فأجهضت بسبب عدم توافر سيارة إسعاف لنقلها للمحافظة.
الوحدة الصحية بقرية الغريزات بعد أن تم تجهيزها منذ عشر سنوات لتخدم هذه القرى التسع بكل الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة، سقط من المسئولين آنذاك سهوا أن يوفروا لها الطواقم الطبية التى تخدمها فلايوجد بها طبيب أو مسعف على الرغم من أن الوحدة تخدم أكثر من 250 ألف مواطن فى مجلس قروى الغريزات الذى يشمل العديد من القرى والنجوع (الغريزات السمارنة العمور الجلايلة الوقدة النجع الشرقى نجع خليل نجع موسى - نجع عبدالرحيم).

حلاق الصحة

ويقول ياسر رفاعى طوسن مدير المدرسة الإعدادية بالقرية منذ يومين تعرض طفل فى القرية لحادث ودهس «لودر» قدميه فظل ينزف لساعات ولا نجد سيارة إسعاف ننقله بها للمستشفى العام بسوهاج أو بالمراغة مما تسبب فى بتر ساقه اليمنى ونصف ساقه اليسرى ولو كانت هناك سيارة إسعاف ربما كنا تمكننا من إنقاذه.
ويضيف أصبح أمام الناس فى قرى الوديعة التسع ونجوعها طرق بديلة للفرار من انتظار الموت فى المستشفى للموت على يد بعض الدجالين الذين يعملون الأحجبة وأعمال السحر والثانى على يد حلاق الصحة أو المداوى بالطب التقليدى أو الموروث الشعبى والثالث الذهاب إلى الصيدلى الذى هو غالبا ما يكون بائع أدوية لا يحمل شهادة طبية لكنه يصف لهم دواء حسب إحساسه بالمريض، والحل بسيط هو توفير سيارة إسعاف لنقل المرضى للمستشفى المركزى خاصة أنه يتوفر مساحة خارج المستشفى تتجاوز ال 300 متر تصلح لاستخدامها كمبنى للإسعاف، حيث إن اقرب عربة إسعاف على بعد 70 كم من القرية.

نوبتجيات ورقية

يقول أحمد محمد الذى يعمل بالإدارة الطبية وتخوف من ذكر اسمه بالكامل إن الوحدة الصحية بقرية الغريزات والتى تم تجهيزها بالأجهزة والمعدات منذ عشر سنوات لتخدم 9 قرى لا تتوافر بها طواقم طبية ولا حتى فريق من المسعفين للحالات الحرجة ولا توجد سيارة إسعاف لنقلهم للمستشفيات المركزية بسوهاج مما ساعد فى ارتفاع نسب الوفيات بالقرية.
فالطبيب الزائر يأتى مرة كل أسبوع بشكل غير منتظم ويكون هناك زحام شديد فى الوحدة الصحية ولا يستطيع الكشف على هذه الأعداد الكبيرة من نساء وأطفال ومسنين فى مختلف التخصصات ، مما ساعد فى انتشار العديد من الأمراض ورفع نسب الوفاة بالقرى التسع، خاصة أن القرية منها تعتبر واحدة من أفقر القرى على مستوى الجمهورية والتى لم يصلها قطار التنمية الصحية بعد أن تم تجهيز جزء كبير من المستشفى لكن دون جدوى ، فالمستشفى تم تجهيزه منذ فترة لكن توقف العمل به دون سابق إنذار والمستشفى الموجود حاليا عبارة عن مبنى من طابقين يضم عددا من العيادات الخارجية لكن دون أطباء ومتخصصين بالإضافة إلى 25 غرفة منها غرفة للتطعيم الروتينى وعيادة للأسنان مجهزة بجهاز الخلع وتركيب الأسنان ومعمل تحاليل لم يعمل حتى الآن وصيدلية بها نقص شديد فى الأدوية وأماكن لمبيت الأطباء وطاقم للطوارئ والتمريض، لكن للأسف لا يوجد بالمستشفى طبيب واحد فى أى تخصص ولا طاقم تمريض ولا مسعفون لأنه لا يوجد نوبتجيات إلا على الورق فقط، على الرغم من وجود العديد من الأجهزة الطبية التى لم ينزع عنها البلاستيك المغلف بها وأجهزة أخرى تلفت وتعطلت من عدم الاستخدام، وتم إبلاغ الإدارة الهندسية ولم يتم الرد حتى الآن.

بالدور

كان لابد من نقل الحوار للدكتور الفولى على قنديل مدير الإدارة الطبية بمركز المراغة ليحل لنا هذا اللغز ..لكن كانت المفاجأة التى لا نتوقعها وهو أنه يعرف مشكلة الوحدة الصحية بقرية الغريزات قائلاً : هذه الوحدة الصحية هى التى كانت أعدت لتحمل العبء الصحى عن 9 قرى ونجوع وهو ما يطلق عليه قرى الوديعة، وتم تجهيز المستشفى منذ عدة سنوات لكن لم تستطع الوزارة توفير الكادر الطبى فلدينا 3 أطباء فقط فى مركز المراغة أقوم بتوزيعهم أسبوعيا على كل القرى التابعة للمركز، والنتيجة أن الوحدة الصحية بالغريزات والتى تخدم نحو ربع مليون مواطن قد لا يصيبها الدور سوى مرتين او ثلاث فى الشهر، كما أننى راعيت طبيعة القرية والقرى المجاورة لها التى تخدمهم وخصصت طبيبة لها وليس طبيبا لكن العجز مازال مستمرا.
والحل كما يرى الدكتور الفولى أن يتم تخصيص سيارة إسعاف فى اقرب وقت للقرية فيوجد فى المستشفى نحو 20 غرفة، يمكن استخدام واحدة منها للمسعفين، وبذلك يمكن حل نصف المشكلة ، والنصف الآخر أن يتم إدراج مستشفى الوحدة الصحية لقرية الغريزات فى المرحلة الأولى، للإحلال والتجديد فى النهضة المتوقعة للتأمين الصحى فى مصر وأن توضع كأولوية صحية، وهو ما سيساعد فى تخلص القرى الـ9 من مشاكل صحية قد تعود بها للقرون الوسطي.

التأمين الصحي

الدكتور هانى جميع مدير مديرية الصحة ووكيل وزارة الصحة بسوهاج كان له كلام أقرب للحل، قال: «اعلم حجم المشكلة الصحية فى الوحدة الصحية بقرية الغريزات .. وأتعهد بأن تكون هذه الوحدة الصحية بمجلس القروى بالغريزات أول الوحدات الصحية التى سنبدأ بها فى تطوير المستشفيات القروية بالمحافظة فى القريب العاجل ضمن خطة الوزارة لتطوير التأمين الصحى للمواطنين، وذلك للقطاع العريض من المرضى الذى تخدمه هذه الوحدة .. لكننى أتضامن مع الدعوة لتوفير سيارة إسعاف لحل المشاكل الصحية بهذه القري، خاصة أن كل الشروط التى تتطلبها هيئة الاسعاف متوفرة فى الوحدة الصحية لعمل نقطة إسعاف، حيث تبعد أقرب نقطة إسعاف نحو 25 كيلو مترا عن قرى الوديعة وهى تشترط أن تكون أقرب نقطة على بعد 10 كيلو مترات. فهذا حل مؤقت لحين احلال وتجديد مستشفى القرية».


الوحدة الصحية بالغريزات تخدم ربع مليون مواطن ومازالت تنتظر التطوير


المستشفى يعانى نقص الأطباء والأجهزة فأصبح مهجورا

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة