آراء

حول ترميم البيت الشيعي

26-12-2020 | 15:16

فى مطلع هذا الشهر خرج علينا السيد مقتدى الصدر  بتغريدة تدعو إلى ترميم البيت الشيعى قبيل الانتخابات التشريعية العراقية المزمعة فى العام المقبل،  ثم أتبَع هذه التغريدة بتغريدات أخرى أكد بعضها معنى الاصطفاف الشيعى وفصّله بشكل أكبر، وهذّب بعضها الآخر هذه الفكرة بعد أن قوبلت بنقد كبير حتى من داخل البيت الشيعى نفسه. لو جئنا للتبرير فلقد برر الصدر دعوته بقوله إن قوى الشر فى الخارج وبعض القوى فى الداخل تستهدف تشويه سمعة الثوار والإصلاح والدين والمذهب مما يستوجب اجتماع رموز الشيعة لكتابة ميثاق شرف عقائدي، وقام بتوقيع هذه التغريدة بتعريف شديد الطائفية هو الإمامى الإثناعشرى مقتدى الصدر مما يعنى أن الصدر لم يحصر هويته فقط فى المذهب الشيعى بل زاد فى تضييقها أكثر فأكثر بإعلان اتباعه إحدى طرق التشيع وهى الإثنا عشرية.

ثم أضاف الصدر سبباً آخر لدعوته فقال إنه تبنى الدعوة لترميم البيت الشيعى بعد أن خذله كل من مد إليهم يده من سنة وأكراد وشيوعيين وفشلت كل تجارب التحالفات الوطنية، ومن هنا أهمية أن يتحالف الشيعة مع أنفسهم. وعندما حاول الصدر التخفيف من الأثر الصادم لدعوته الطائفية ذكر عجباً إذ قال إن مشروع الاصطفاف الشيعى هو فى جوهره مشروع عراقى لأن التشيع هو لسيدنا على بن أبى طالب الذى يكاد يكون عراقيا، وهو مشروع إسلامى عربى نسبة إلى الرسول الكريم محمد بن عبد الله. 

يمكن انتقاد هذه الدعوة البغيضة للاصطفاف الشيعى من حيث تماسكها المنطقي، كما يمكن انتقادها من حيث علاقتها بالواقع العراقي. أما عن مدى التماسك الداخلى لدعوة الصدر فهى كما هو واضح تفتقد إلى التماسك، فبعد أن هوجمت هذه الدعوة بسبب طائفيتها حاول الصدر إلباسها لباسا وطنيا جامعا بالقول إنها لا تمثل الشيعة فقط بل تمثل معهم كل المسلمين والعرب، وعندما فعل ذلك فإنه أسقط فى الطريق غير المسلمين من حسبانه وهم جزء لا يتجزأ من الشعب العراقي، هذا فضلاً عن أن إعلانه إثناعشريته وهو المذهب السائد فى إيران لا يمثل عموم العرب والمسلمين ولا حتى عموم الشيعة. كما يستحق كلام الصدر عن قوى الشر التى تستهدف الثوار التوقف أمامه وطرح السؤال التالي:  من هم هؤلاء الثوار الذين يدافع عنهم فى تغريدته وقد اعتدى عليهم رجاله من ذوى القبعات الزرقاء؟ من المفهوم أنه يحصر تعريف الثوار بأنصاره وعناصر سرايا السلام التابعة له. 

أما عن مدى ملاءمة دعوة الصدر للواقع العراقى فيمكن مناقشة ذلك من زاويتين، زاوية مدى اتساقها مع المزاج الشعبى العام، وزاوية مدى تقبلها من النخبة السياسية الشيعية. يريد الصدر إحياء تجربة التحالف الوطنى الذى كونته الأحزاب الشيعية ودخلت به الانتخابات التشريعية فى عام 2005 لكن الواقع تغير كثيراً، فمابين تاريخ الاحتلال الأمريكى للعراق فى عام 2003 وعام 2020 تغيرت أمور كثيرة وهدأ النَفَس الطائفى الذى تنفسه الجميع سنةً وشيعةً، وخرج الحراك الشعبى فى أكتوبر 2019 بمطالب محددة هى أبعد ما تكون عن الطائفية. لقد أدرك المواطن العراقى أن نخبته السياسية ألهته بالطائفية حتى عن أبسط احتياجاته اليومية كالماء والكهرباء، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يكون الشيعة فى طليعة صفوف الحراك الشعبى غير آبهين بأن من يمسكون بالسلطة هم من نفس مذهبهم الدينى لأنهم باختصار لم يستفيدوا منهم شيئا.

ولذلك فمن الصعب إقناع أمثال هؤلاء المواطنين بأن مشاكل الفساد والتضخم والبطالة سوف يحلها إحياء التحالف الوطنى الشيعي. ومن جهة أخرى فإن النخب الشيعية نفسها سوف يتحسب قطاع كبير منها من دعوة الصدر، فلا ننسى أن الصدر جاهر مراراً وتكراراً بأنه يريد أن يكون رئيس الوزراء المقبل من تياره السياسى حتى يحارب به ظاهرة الفساد، وبالتالى فكأن المطلوب من باقى التيارات الشيعية الأخرى هو الاصطفاف من وراء الصدر حتى يصل أحد أنصاره لرئاسة الحكومة مقابل توزيع بعض الحقائب الوزارية عليها، ومثل هذه المصادرة على حق التيارات الأخرى فى رئاسة الحكومة لن تكون مقبولة فضلاً عن أنها تطعن فى كل الشخصيات الشيعية الأخرى باعتبار أن مرشح الصدر وحده هو من سيحارب الفساد. هذا كله دون حساب رأى الولايات المتحدة وإيران فى شخص رئيس الحكومة المقبل، ولقد عوّد الصدر الجميع على التقافز من موقف لآخر: من اعتزال السياسة لممارستها بل والمطالبة باحتكارها، ومن الدعوة للدولة الدينية إلى التحالف مع الشيوعيين الذين يفصلون الدين عن الدولة، ومن حل جيش المهدى إلى إحيائه بمسميات أخري، ومن التمسك بعروبته ومهاجمة إيران إلى الاحتماء بها من الولايات المتحدة،  فمن ذا الذى بعد ذلك يضع بيضه فى سلة الصدر وأى صدر يصدقه الآخرون؟ 

إن دعوة الصدر هى دعوة فى التوقيت الخطأ ولذلك فلا مستقبل كبيراً لها، نعم سيظل أتباعه هم أتباعه لكن أيضاً سيظل وزنه السياسى هو وزنه السياسى (54 مقعداً فى انتخابات 2018 مع زيادات طفيفة ربما)، والعراق اليوم هو أبعد ما يكون عن إحياء الطائفية السياسية التى أنتجت كارثة تنظيم داعش، و رغم أن هذا التنظيم ضعف كثيراً عن ذى قبل إلا أنه مازال يطل برأسه بين وقت وآخر ليؤكد أنه موجود، وبالتأكيد فإن مقولة ترميم البيت الشيعى تقدم له هدية ثمينة لتجنيد الأنصار. إن العراق يحتاج إلى ما يجمع لا إلى ما يفرق وإلى بناء الجسور لا إلى إقامة الحواجز، أو لم يسبق للسيد على السيستانى أن قال إن المجرب لا يُجرَب وكان يقصد بذلك عدم إعادة تكليف من سبق تكليفه برئاسة الوزارة - فمابال السيد مقتدى يدعو لتجربة المجرَب وهو هنا الاصطفاف السياسى على أسس مذهبية؟  للحديث بقية فى الأسبوع المقبل لنفتح نافذة على دعوات أخرى ونوسّع دائرة النظر إلى المشهد العراقى ككل.

نقلاً عن الأهرام اليومي

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة