عرب وعالم

جائحة أردوغان تنافس كورونا!

23-12-2020 | 11:28
جائحة أردوغان تنافس كوروناجائحة أردوغان تنافس كورونا!
Advertisements
شريف سمير

التشبيه الصادق لشخصية الرئيس التركى رجب طيب أردوغان هو «رجل الألعاب البهلوانية الطائش» .. ذلك اللاعب الذى يهوى السير فوق حبل مشدود أسفله حمم بركانية نارية وتحاصره ألسنة اللهب والدخان المتصاعد من كل صوب، ولكن عينيه مسحوبتان نحو المواطن التركى وهدف إرضائه وتخدير مشاعره بإنجازات خارج ملعبه تغطى إخفاقاته وانكساراته داخل أرضه، فلاينظر إلا أمامه حتى وإن بدأ الحبل يتمزق وأوشك أن ينقطع!

وفى أواخر 2019، توقع تقرير نشرته منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD) أن تعانى تركيا ارتفاعا فى التضخم وانكماش الاقتصاد، ووضع معهد التمويل الدولى (IIF) أنقرة على رأس قائمة «البلدان النامية الأشد حاجة إلى التمويل الأجنبي» باعتبارها فى أمس الحاجة إلى قروض خارجية قصيرة الأجل بحدود 120 مليار دولار لتتعمق جراح الأزمة الاقتصادية التركية بحلول 2020 .. ومثل أى رئيس فى أى دولة، يقرأ أردوغان هذه التقارير من رجاله وأعوانه لتقترب مخاوفه من ذروتها، ويبحث عن أسرع فرصة لكسر هذه الشرنقة وتوفير مليارات الدولارات المطلوبة لانتشال بلاده من أكبر كبوة فى مشواره السياسي.

ولا مجال لنيل مآربه سوى جبهات الخارج المفتوحة وحروب الوكالة لجنى المنافع وجمع الغنائم .. واتسع نطاق الاعتماد على التدخل العسكرى والقوة المسلحة لتأمين  مصالح تركيا بديلا عن طريق الدبلوماسية والتعاون التجارى والثقافى فى علاقات أنقرة بعواصم الدول الأخرى .. وظهرت كلمة «الأكراد» كودا رئيسيا يخترق به أردوغان دول الجوار لملاحقة خصومه القدماء وتدمير حلمهم الكبير بالاستقلال والحكم الذاتي، واستغل الرئيس المغامر مشهد محاولة الانقلاب الفاشلة فى 2016 ليصوب بندقيته نحو العناصر المتمردة فى الجيش التى رفضت فى الماضى الاستجابة لدعواته بشن عمليات عسكرية فى بلدان مجاورة .. وعلى مدى 4 سنوات أشعلت تركيا الصراع فى سوريا لوقف «التهديد الإرهابى المزعوم» من المسلحين الأكراد، وتحت ضغط لعبة التوازن الحذر بين  الولايات المتحدة وروسيا، وقف أردوغان على حافة الفشل لعدم قدرته على تعزيز وجوده العسكرى فى كامل المناطق الحدودية الكردية، فضلا عن تضارب الأهداف مع روسيا التى تساند بقوة نظام الرئيس السورى بشار الأسد مما أسهم فى تقدمه نحو المناطق الشمالية (آخر جيوب الفصائل المُسلحة) لينجح فى إحكام قبضته على نصف مساحة إدلب وأجزاء من أرياف حلب واللاذقية وحماة، وليتكبد أردوغان خسائر فى الأفراد والعتاد، أجبرته على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع موسكو، وسحب نقطتى مراقبة من مناطق سيطر عليها الأسد بمحافظة حماة، ونقلهما إلى مناطق أخرى تحت سيطرة الفصائل .. وتأثر سيناريو أردوغان الخبيث باتهامه بسرقة النفط السوري، وتزويد التنظيمات الإرهابية كداعش بالسلاح مقابل نقل شاحنات البترول التابعة للتنظيم إلى الحدود التركية بأسعار أقل وبكميات كبيرة.

وتكررت الورطة التركية فى العراق عندما سارع أردوغان بدعم الوجود العسكرى فى الشمال الغنى بالنفط، واتبع نفس الأسلوب فى استقطاب كتائب داعش وشراء ولائها بمنحهم مناطق حيوية نظير فتح خزائن نفط إقليم كردستان الذى تنتشر فيه القوات العراقية .. بل كشفت الأحداث مؤامرة أردوغان لتجاوز الحكومة المركزية فى العراق، حينما اتجه إلى الأقاليم المحلية ليعقد معها اتفاقات لشراء النفط والغاز، وهو الأمر الذى دفع بغداد إلى مطالبة المحاكم الدولية بحماية نفطها من النهب التركي، فضلا عن ممارسات أنقرة فى «سطو صريح» على البترول العراقى أثناء مروره بأنابيب النقل فى الأراضى التركية.

ولم تكد قدما أردوغان تهدآن من لهيب النار فى سوريا والعراق، ليواصل السير على أشواك الحرب فى ليبيا ومياه شرق المتوسط، سعيا للفوز بأكبر نصيب من سلعة الغاز الطبيعى الذهبية من واقع ما ترقد عليه منطقة المتوسط من احتياطيات ضخمة تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب .. وخلال العام الحالى سخَّرت تركيا قواعدها وقواتها العسكرية لخدمة حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج، فى مواجهة الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر، وصولا إلى توقيع أردوغان والسراج مذكرة تفاهم لإضفاء الشرعية على التدخل التركى فى ليبيا، وما كان إرسال المرتزقة السوريين، وبند ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس إلا وسيلة «ثُعبانية» لأطماع جديدة بتحويل ليبيا إلى بوابة لبسط النفوذ التركى فى صراع شرق المتوسط.

وطفت التحالفات بين أوروبا وأمريكا على سطح المتوسط لتقويض الخطر التركي، ليفر أردوغان من الساحة مؤقتا متجها إلى جنوب القوقاز ليصطاد فى مياه الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، ويلعب بسياسة المساومة والابتزاز لتهديد المصالح الأوروبية والمقايضة على ثمن مرور الغاز من أذربيجان عبر الأراضى التركية .. وبدت اللعبة مثيرة ومُسلية للرئيس التركى لما يمثله الغاز الأذربيجانى من قيمة اقتصادية مجزية انطلاقا من أنه الأرخص بالنسبة لتركيا؛ إذ يكلفها الألف متر مكعب منه 180 دولارا فقط، مقابل 188 للغاز الروسي، 191 للإيرانى .. ويخطط أردوغان لاستثمار التدخل فى أذربيجان لتطوير الخطوط وإنشاء محطات جديدة من شأنها أن تزيد حجم صادرات الغاز 3 أضعاف ليصل إلى أكثر من 20 مليار متر مكعب سنويا، ويالها من وليمة شهية سهلة الهضم وقد تنقذ معدة الاقتصاد التركى من التعثر والعجز المتنامي!.

كان 2020 هو عام جائحة كورونا بامتياز .. ولكن ثمة جائحة أخرى تنافس الفيروس الضئيل وأحيانا تفوقت عليه فى موجاتها الحارة والباردة معا .. مصدرها سلطان عثمانى لايتخلى أبدا عن ألعابه المشاكسة خارج حدود وطنه .. ويتشبث بهذه الألعاب وهو يطل على العالم من «نافذة 2021»!.

نقلاً عن الأهرام اليومي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة