آراء

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (360) .. العلم بتاريخه وليس بنظرياته

22-12-2020 | 13:07

الرأى الشائع على الضد من عنوان هذا المقال وهو ما اعتدنا سماعه فى مراحل التعليم المتباينة، الأمر الذى ترتب عليه تلقين الطلاب النظريات العلمية بعد عزلها من تاريخ نشأتها ومن مسارها فتبدو لهم وكأنها حقائق مطلقة.

والسؤال اذن: هل هذه النظريات هى على النحو الذى ارتآه ذلك الرأى الشائع؟ وإذا لم يكن ذلك كذلك فهل معنى ذلك أن ثمة نحوا آخر؟ جاء الجواب بالإيجاب من قِبل العالم والفيلسوف الايرلندى جون برنال فى كتابه المعنون: العلم فى التاريخ، وهو كتاب له قصة جديرة بأن تُروى بدايتها فى عام 1948 وهو العام الذى ألقى فيه محاضرة فى إحدى كليات جامعة أكسفورد وكان عنوانها: العلم فى التاريخ الاجتماعى, ثم تحولت إلى كتاب أصدره فى عام 1954 ولاقى إقبالا جماهيريا فأصدر طبعة ثانية فى عام 1957 وطبعة ثالثة فى عام 1965 أما الطبعة الرابعة فقد صدرت فى بريطانيا فى أربعة أجزاء فى عام 1969 وكذلك فى أمريكا فى عام 1971.

إلا أن اللافت للانتباه أن كتابه فى طبعته الثانية قد ترجم إلى اللغة الروسية فى عام 1956 وهو العام ذاته الذى كان يلقى فيه سلسلة محاضرات فى معهد الكيمياء البيولوجية بموسكو تحت عنوان: أصل الحياة. وفى نوفمبر من العام التالى دعته أكاديمية العلوم بموسكو لإجراء حوار حول كتابه فى حضور أربعمائة من كبار العلماء. وكان هذا الحوار، فى رأيه، لحظة تاريخية إذ لم يحدث من قبل أن ينعقد مؤتمر لمناقشة كتاب لمؤلف على قيد الحياة.

وفى افتتاح ذلك المؤتمر قال برنال: إن هذا المؤتمر لم ينعقد بسبب كتابى ولكن بسبب القضية التى يتناولها ذلك الكتاب وهى العلاقة بين تطور العلم والتطور العام للحياة الانسانية مع التنبؤ بمستقبل هذه العلاقة. والجدير بالتنويه هنا أن برنال فى هذا السياق يثير إشكالية كامنة فى حياة كبار العلماء وهى أنهم أبناء زمانهم على الرغم من إبداعاتهم؛ بمعنى أنهم تراثيون وثوار فى آن واحد. ويدلل على صحة هذه الإشكالية بعالمِيْن: كوبرنيكس وليناوس. الأول عالم فلكى بولندى أصدر كتابا تحت عنوان « عن حركات الأفلاك» فى عام 1543 أعلن فيه نظريته عن دوران الأرض حول الشمس بديلا عن نظرية بطليموس التى استمرت مئات السنين من غير نقد والتى كانت قد أعلنت أن الشمس تدور حول الأرض.

وقد صادرت الكنيسة الكاثوليكية كتاب كوبرنيكس بدعوى أن نظريته تناقض ما ورد فى العهد القديم من الكتاب المقدس مع أن كوبرنيكس نفسه كان كاثوليكيا مخلصا. أما الثانى فهو العالم السويدى ليناوس. كان ابن قسيس سويدى وكان ملتزما بالعقيدة التقوية التى كانت شائعة فى القرن الثامن عشر وفكرتها المحورية أن الايمان حالة تخص الفرد ومن شأن ذلك أن يكون المؤمن زاهدا فى ممارسة الطقوس الدينية.

ومع ذلك ظلت مؤلفاته غير منشورة لأنه كان ناقدا لاذعا للمجتمع السويدى المتخلف. وهنا يتذكر برنال عبارة قالها له مؤرخ سوفيتى: أنت عالِم وبالتالى أنت لا تتناول إلا ما هو قائم، أما المؤرخ فلا ينشغل إلا بالمستقبل. ومن هنا فأنا أتمنى أن ينشغل مؤرخ العلم والتكنولوجيا بالعلاقة القائمة بين هذين المجالين أو بالأدق بين العلم والمجتمع باعتبار أن التكنولوجيا هى التى تشكل مسار المجتمع. ومن هنا يتحول العلم إلى جماعة متضامنة لتنفيذ مهام معينة فى المجتمع. ومن ثم يكون من الخطأ القول إن العلم مهموم بقنص الحقيقة المطلقة لأن مثل هذا الهم من شأنه أن يفضى بالضرورة إلى أن يصبح العلم فى قبضة القوى الرجعية.

ومن هنا أيضا تكون العلاقة بين العلم والتكنولوجيا علاقة ضرورية من أجل ابتداع علاقات جديدة تسهم فى تقدم المجتمع. وفى هذا السياق جاء تعريفى للإبداع على النحو الآتى: قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم عندما يدخل فى أزمة. وفى هذا السياق أيضاً تلزم إعادة الرؤية فى تدريس العلم للطلاب، إذ الرؤية القائمة تستند إلى تلقينهم نظريات علمية على أنها حقائق مطلقة وبالتالى تكون منعزلة عن الوضع القائم. وحيث إن هذا الوضع متغير فإن تغيره يستلزم رؤية مغايرة، أى رؤية لوضع قادم يكون بديلاً عن وضع قائم يكون قد دخل فى أزمة. وإليك الدليل على صحة ما أقول. منذ عشرة آلاف سنة حدثت ثورة فى انتاج الطعام كان من شأنها تغيير أسلوب الحياة لدى البشر. وكان سبب هذه الثورة مردوداً إلى ما حدث من أزمة فى عصر الصيد بسبب ندرة النباتات الطبيعية وعدم القدرة على استئناس الحيوان، الأمر الذى أدى بالانسان إلى ابتداع التكنيك الزراعى. إلا أن هذا الابداع لم يحدث مرة واحدة بل بالتراكم.

واللافت للانتباه هنا أن المرأة من حيث إنها كانت مسئولة عن جنى المحاصيل فقد قيل عنها إنها المبدعة للزراعة خاصة أن الرجل كان متفرغاً لاصطياد الحيوانات لذبحها وأكلها. وقد أفضت الزراعة بدورها إلى مفهومين جديدين للحياة الاجتماعية. المفهوم الأول هو مفهوم العمل، إذ إنه فى عصر الصيد لم يكن متميزاً من أنحاء الحياة الأخرى ومن هنا كان الفعل على علاقة مباشرة بنتيجته. فأنت تصطاد لتأكل مباشرة، ولكن مع الزراعة فثمة فترة زمانية طويلة بين ما تفعله وما تفرزه من نتائج. أما المفهوم الثانى فهو مفهوم العلة وما يترتب عليه من نتيجة يقال عنها إنها المعلولة لهذه العلة. ثم أصبح هذا المفهوم هو أساس العلم العقلانى.

وفى هذا السياق يمكن تكوين ذهنية عقلانية منفتحة على التقدم ومانعة من سقوط الطلاب فى مستنقع الارهاب الأصولى.

نقلاً عن

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (368) .. باكستان في مسار قرنين

قرأت خبرًا تاريخيًا فى صحيفة الأهرام بتاريخ 18 فبراير من هذا العام تحت عنوان: تنسيق مكثف مع باكستان لمكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، ومع الخبر حوار مع وزير

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (367) رؤية مغايرة للبرلمان القائم

الرأي عندي أن هذا البرلمان يلزم أن يقال عنه إنه نسيج وحده، أي مغاير عن كل البرلمانات السابقة في أنه يأتي في سياق عبارة قالها الرئيس عبدالفتاح السيسي في

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (346) مستقبلٌ بلا ماضٍ

الرأي الشائع أن مَنْ ليس له ماضٍ ليس له مستقبل. وأنا علي الضد من هذا الرأي بمعني أن مَنْ ليس له مستقبل لن يكون له ماض. والمغزي أن المستقبل من حيث هو آن

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (342) رحيل فيلسوف المائة عام

غادر دنيانا في 24 فبراير من هذا العام فيلسوف كندا ماريو بونجى وعمره مائة عام. أرجنتينى الأصل، إذ وُلد في بيونس أيرس عاصمة الأرجنتين في 21/9/1919 وتخصص

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة