آراء

عقد من الشوك والياسمين

19-12-2020 | 11:49

تعمدتُ عدم تشكيل كلمة عقد فى عنوان هذا المقال لأن حرف العين فيها يحتمل الكسر إشارةً إلى مرور عشر سنوات كاملة على انطلاق الثورة التونسية، كما أنه يحتمل الضم لأن الثورة التونسية أهدت أبناءها قلادة الحرية بعد ثلاثة وعشرين عاماً من حكم أسرة زين العابدين بن على. لكن سواء كسرنا حرف العين أم ضممناه ،فقد كان فى مسيرة تونس كثير من الشوك وقليل من الياسمين. فى تشخيص أسباب اجتماع الشوك مع الياسمين بوسعى القول إنه بعد رحيل بن على كان فى تونس طرفان أساسيان، أحدهما يعرف جيدا ماذا يريد وهذا هو التيار الإسلامى ممثلاً فى حركة النهضة بجذورها الإخوانية الأصيلة ومعها السلفيون فى مرحلة لاحقة، والآخر عبارة عن تيارات مدنية: يسارية وليبرالية وقومية عاجزة عن بلورة تصور محدد لشكل نظام الحكم، والأهم أنها عاجزة عن الحفاظ على تماسكها.

وفيما بين هذين الطرفين تشكلت العملية السياسية وتطورت، فرجحت كفة الإسلاميين تارة، كما حدث فى المجلس الوطنى التأسيسى الذى وضع دستور البلاد وفى ترؤس اثنتين من الحكومات التونسية، وتقدمَت التيارات المدنية - حزبية وغير حزبية- تارة أخرى فزاد حضورها فى مجلس نواب الشعب وصعد ممثلون لها إلى رئاسة الدولة والحكومة. بطبيعة الحال قد يقول قائل إن هذا التناوب على السلطة هو عين الديمقراطية، وهذه مقولة صحيحة تماما لكن الطريق لهذا التناوب كان باهظ الثمن، بمعنى أن التيارات المدنية الآخذة فى التشرذم اضطرت لعقد صفقة تلو الأخرى مع التيار الإسلامى. وهنا أيضاً سنجد من يقول إن السياسة لا تعرف الخصومات الدائمة، وهذا أيضا صحيح لكن هناك حدا أدنى من الاتساق بين المبادئ والممارسة إن هو أُهدِر ضاعت المصداقية، وتلك كانت هى الخلفية التى دفعت الشباب التونسى لاختيار قيس سعيد رئيسا للجمهورية ،وهو ليس فقط من خارج الطبقة السياسية، بل اختارته وهو الكاره للسياسة والرافض للعمل الحزبى.

بدأت صفقات التيارات المدنية مع الإسلاميين بلقاء سرى بين الباچى قائد السبسى زعيم حزب نداء تونس وراشد الغنوشى زعيم حركة النهضة فى صيف 2013 بالعاصمة الفرنسية. أما لماذا كان هذا اللقاء سريا فهو لأن حزب النداء كان قد تأسس من أجل مواجهة حركة النهضة، وكان السبسى يتأهل لخوض الانتخابات الرئاسية فى نهاية 2014 كبديل قوى للإسلاميين، وبالتالى لم يكن منطقيا أن يلتقى السبسى خصمه الأبرز أى الغنوشى فى العلن، لذلك جاء الترتيب للقاء ثنائى فى باريس بعيداً عن الإعلام، أو هكذا كان التصور الخاطئ. نلاحظ أيضا أن هذا اللقاء تم بعد اغتيال محمد البراهمى القطب اليسارى التونسى البارز، وكان هذا هو الاغتيال الثانى لشخصية يسارية معارضة، والاغتيالان معاً كانت هناك اتهامات لحركة النهضة بتدبيرهما وفِى هذا مزيد من الإحراج للسبسى. بعد ذلك سوف تدور الأيام ويهاجم السبسى حركة النهضة ويعلن أنها تملك جهازا سريا يخطط للاغتيالات السياسية وأنه هو نفسه كان من بين المستهدفين بالاغتيال، وهذا بالتأكيد أثّر على مصداقية حزب السبسى وكان من وراء الانقسامات المتتالية التى عصفت به.

هل حمى لقاء باريس السرى تونس من الدخول فى نفق الفوضي؟ نعم حدث هذا وبمنطق أن الغاية تبرر الوسيلة، لكن الدور الأهم لعبته أربع من منظمات المجتمع المدنى تقدمت بمبادرة للحوار الوطنى وضغطت على حركة النهضة للتخلى عن رئاسة الحكومة، وهذا ما حدث فعلاً. بعد ذلك جاءت الصفقة الثانية، وذلك عندما خاض السبسى انتخابات الرئاسة فى عام 2014 ضد المنصف المرزوقى الحقوقى اليسارى والقريب من حركة النهضة، وصعد الاثنان معا إلى الدور الثانى، هنا احتاج السبسى إلى أصوات النهضة ففعلت السياسة أفعالها، وانفضت النهضة من حول المرزوقى وفاز السبسى بتنسيق مع الغنوشى.

مع وفاة السبسى بدأت مرحلة جديدة من المساومات بين التيارات المدنية والإسلاميين، ترشح نبيل القروى رئيس حزب قلب تونس والمنشق عن حزب السبسى فى انتخابات الرئاسة عام 2019، ودخل معركة تكسير عظام مع مرشح النهضة عبد الفتاح مورو اعتقادا منه أنه خصمه الأبرز، أما أى متابع للأحداث فكان يفهم أن الغنوشى دفع بمورو غريمه القديم للترشح لأنه قرر أن يسقطه فلا تقوم له قائمة، وبالفعل خرج مورو من أول جولة. أما الجولة الثانية فقد صعد لها كل من نبيل القروى رجل الأعمال المتهم فى قضايا فساد، وقيس سعيد الأستاذ الجامعى نظيف اليد، وبالتالى كانت النتيجة محسومة سلفاً، لكن هذا لم يمنع من أن يأتى حزب نبيل القروى فى المرتبة الثانية بعد حركة النهضة فى الانتخابات التشريعية ويصبح القوة الثانية فى البرلمان، وهنا رأينا عجباً. نشأ تحالف مصالح بين حزب قلب تونس وحركة النهضة لتسيير أمورهما داخل مجلس نواب الشعب، فإذا بحركة النهضة تستميت لإشراك حزب قلب تونس فى حكومة تلو أخرى، وإذا بحزب قلب تونس يمتنع عن التصويت على سحب الثقة من رئاسة الغنوشى للبرلمان. وهكذا رأينا تجسيدا حياً لتحالف الفساد مع الإسلام السياسى كما صوره لنا العبقرى وحيد حامد فى فيلم طيور الظلام.

والآن وتونس تتجدد فيها الدعوة للحوار الوطنى فإننا نسمع عن تحفظ بعض القوى المدنية على مشاركة نبيل القروى لأنه متهم بالفساد، وهنا يبرز السؤال: هل نبيل القروى فاسد وبالتالى لا موضع له فى البرلمان وليس فقط على طاولة الحوار الوطني؟ أم هو غير فاسد وبالتالى فلا يوجد مبرر لاستبعاده من الحوار؟ إن الشوك الموجود فى عقد تونس بكسر العين وضمها منبعه الانتهازية السياسية للتيارات المدنية والإسلامية، لكن بينما يوظف الإسلاميون انتهازيتهم لتحقيق هدف بعيد المدى تنظر التيارات المدنية تحت قدميها لتحقيق مصالح ضيقة، فإلى متى يستمر هذا الوضع؟ وهل يغير منه صعود شعبية الحزب الدستورى الحر وريث حزب بن على والوحيد الذى لا يساوم الإسلاميين؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب على السؤال الثانى ففيم إذن كان ياسمين الثورة التونسية؟

نقلاً عن الأهرام اليومي

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الأزمة في خطاب ماكرون

الأزمة في خطاب ماكرون

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة