آراء

طبيب أرياف (2)

18-12-2020 | 14:00

كان يحبها لأنها فرصته الأخيرة فى الفرح، وهى تحبه لأنه الغارس المتاح لبذرة الولد. وبعد أن حظيت بتلك البذرة المشتهاة، رفضت أن تخدع زوجها الذى هو ابن عمها فتنسب الولد المرجوّ إليه. ورفض الطبيب أن يترك ابنه لرجل آخر يربيه وينتسب إليه. ذلك الزوج يستغل الطبيب وقوعه فريسة سهلة فى يديه, بعد أن دفعه فقره وسذاجته ويأسه لأن يطلب من الطبيب أن يقرضه مبلغاً من المال ليعطيه لدليل صحراوى من بدو مصر مقابل أن يقوده، مع ريفيين سُذج يائسين آخرين من أهل البلدة، عبر بحر الصحراء الفاصل صعيد مصر عن الجنة التى يحكى عنها الناس فى غربه, فيتركهم ذلك الدليل المحتال فى وسط الصحراء ويهرب بالثروة, ليموتوا جوعاً وعطشاً وتنهشهم الذئاب والضباع، وبينهم عيسى زوج فرح، الفلاح الذى عاش عمراً قصيراً يفترسه فيه الداء والفقر وقلة الحيلة، وشعوره بأن زوجته وابنة عمه المحبوبة تتسرب كماء النيل من بين أصابعه.

وبعد أن ذهب عيسي, تكتشف فرح, الذى باغتها وأثكلها غيابه، أنه حبيبها الحقيقيّ، فتمتلئ عيناها بنظرة اتهام صامت موجهة للطبيب: بأنه هو الذى أعطى زوجها المعدم المال ليتخلص منه.
وتكتمل المأساة بأن تكلف السلطات المحلية ذلك الطبيب بأن ينضم لفرقة البحث عن أهل القرية التائهين فى الصحراء، فيتعرف بطل الحكاية بنفسه على ملامح ضحيته وغريمه، ويعود به مع الهُلاك الآخرين لتشيعهم القرية، ولتقذف فرح وجه الطبيب ومعطفه الأبيض بالطين, بعد أن أكد لها قلبها أنه قاتل ابن عمها وزوجها، ولا ينقذ الطبيب إلا خطاب حكوميّ رسمى ينبئه بالموافقة, أخيراً, على طلب نقله من القرية.

«طبيب أرياف» مأساة مصرية ريفية, تشبه حمام دنشواى وظهور فلاحى دنشواى وأعناقهم المدلاة، حيث يطول السوط الجميع، وتتدلى المشنقة للقاتل والمقتول معاً. فالكل ضحية: ابن المدينة المتعلم المثقف الذى ركلته مدينته ليواجه وحده بشمعته المرتعشة عتمة عريقة متأصلة لا قِبل لنوره الضئيل بها, وابن الريف الذى يأكله داء قومى سحيق دام آلاف السنين، ظل ينهش أهله حتى استطاع العلم الإنسانى هزيمته فى الربع الأخير من القرن الماضي. وإذا كان العلم قد هزم البلهارسيا، فما زالت أمراض أخرى، اقتصادية واجتماعية، تفترس الريف, وإذا كانت الكهرباء قد أنارت عتمته ، فمازالت ظلمات أخرى تهيمن وتعشش فى عقول الناس وقلوبهم. والرواية تؤرخ لشعور ابن المدينة الطبيب الإنسان بالذنب تجاه الريف وأهله، فى ظل قلة الموارد وندرة الدواء اللازم لمكافحة أمراض وأدواء متراكمة صنعها الفقر والجهل وقلة الحيلة. وقصة الحب فى الرواية هى تجسيد وتكثيف لعقدة الذنب هذه، وشعور ابن المدينة الطبيب الإنسان بالعجز تجاه العتمة المتراكبة المتراكمة منذ قرون طوال، حيث يدفعه الضعف الإنسانى أحيانا للرغبة فى الهرب، أو تضطره الآلام لأن يقسو ويظلم رحمة لنفسه، فينضم إلى الشعور بالعجز شعور بالخيانة. إن عيسى زوج فرح, الذى يموت بالداء وبالدواء المتاح, الذى أعطاه إياه الطبيب بيده لغرض فى نفسه (المال اللازم للسفر) هو تكثيف درامى لذلك اليأس والعجز الذى يلف القرية كلها بمن فيها طبيبها.. الذى هو ظالم ومظلوم، وقاتل ومقتول معا. لقد استطاع المنسى قنديل, بمعطيات مرحلة تاريخية ، أن ينسج حكاية مأساوية عميقة تتجاوز زمان الأحداث ومكانها، وهو النسّاج العريق ابن المحلة الكبرى، ليصف بقلمه المضيء الرهيف, القاسى الرحيم كمشرط جراح, عتمة النفس الإنسانية, حين يتحكم الجهل والفقر والمرض, وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. فقدّم مأساة كان الخطأ التراجيدى لبطلها أنه إنسان, يبحث بطبعه عن الفرح فيحصد الخيبة والآثام, متخبطا فى عتمة رابضة حوله, يدوس فيها دون قصد قلوب الآخرين, الذين جاء لإنقاذهم!.

نقلاً عن

المغترب.. وشقشقات العش

فى كتابه الصغير الجميل, رأيتُ رام الله، يقول مريد البرغوثى، الراحل الفلسطينى الكبير المغترب، الذى أخيرا وجد وطنه السمائى النهائى، بعد شتات فى البلاد وطوا

ابنة الحظ (2)

يبدأ النصف الأول من رواية إيزابيل الليندى ابنة الحظ بحلم الحب وينتهى بحلم الذهب. وفى النصف الثانى نشهد الإفاقة التدريجية من الحلمين معا- ذكرى الحب الأول

ابنة الحظ

الكاتبة الشيلية إيزابيل الليندى يقال عنها - ضمن ما يقال - إنها أكثر من كتب بالإسبانية رواجاً بين القراء. وبصرف النظر عن مدى دقة هذه المقولة، فإن روايات

رعشات الجنوب «3»

ختمنا المقالة السابقة عن رعشات الجنوب للروائى السودانى أمير تاج السر، والتى استغرقت منا حتى الآن مقالتين وهذه الثالثة، بهذه الجملة: مازال لدينا الكثير

طبيب أرياف

طبيب أرياف

دراما الحياة

تحتار فيها: هل هى ملحمة بطولية أم مأساة أم ملهاة أم مهزلة؟ الحياة فيها من البطولة قدر ما فيها من المساخر، والنهايات السعيدة والمفجعة؛ فيها من قصص الحب

الشتاء الثاني

الشتاء الثاني

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة