ثقافة وفنون

سمات غير مسبوقة عربيا بمجال «كتابة الحياة» في سيرة عمرو موسى الذاتية

14-12-2020 | 18:39

عمرو موسى

أ ش أ

الجزء الثاني من السيرة الذاتية لعمرو موسى، الصادر حديثا عن دار "الشروق" في القاهرة، جاء تحت عنوان "سنوات الجامعة العربية"، ويغطي الفترة من 2001 إلى 2011، في ما يزيد على 500 صفحة من القطع الكبير، وقد قام بتحريره وتوثيقه الكاتب الصحفي خالد أبو بكر.


ويلاحظ أن عمرو موسى لم يستطع التوقف عند أحداث السنوات العشر التي قضاها في منصب أمين عام جامعة الدول العربية وحسب، فقد أزاحت مقدمة كان قد كتبها لهذا الجزء من سيرته جانبا، ليكتب مقدمة أخرى تعلق على ما تشهده المنطقة من خطوات متسارعة نحو التطبيع مع إسرائيل، فيما القضية الفلسطينية باتت رهينة توجه قاده "المحافظون الإنجيليون الجدد"، الذين اعتبروا أن المواقف المؤيدة للحقوق الفلسطينية إنما هي "موضة قديمة" وسياسة مستهلكة، وآن الأوان للغة جديدة ومفاهيم عصرية واصطفافات مختلفة.

وعلقت المقدمة كذلك على تنامي أطماع إيران وتركيا في المنطقة العربية، ملاحظا تباهي إيران بنفوذها المتضخم في عواصم عربية أربع، وعدم إدراكها أنها تحفر مستنقعا ستعرق فيه على الأغلب، "أما تركيا التي داعبتها أحلام السيطرة وأوهام القوة، فانتقلت بسرعة مدهشة من "صفر مشاكل" مع الجيران إلى جدول من المشاكل، وزادت بأن زودت حركتها السياسية بقماشة دينية تطول أو تقصر حسب الاحتياج، وتعتدل في لونها أو تتطرف طبقا للمصلحة كما تراها أو يراها حلفاؤها الكبار أو عملاؤها الصغار!".

وأضاف موسى أنه يثق في أن الدول العربية المقبلة أو (المضطرة) إلى التطبيع والاعتراف بإسرائيل سوف تدرس وتعمل بكل جدية وإصرار على ألا يكون التطبيع هدية مجانية تعبر عن خضوع للضغوط أو إمعان ومبالغة في التقرب من أولياء الأمور في العالم، وإنما يعبروا احتراما لأنفسهم ولهويتهم ولتاريخهم عن ضرورة أن يكون هناك مقابل من جانب إسرائيل يفيد القضية الفلسطينية ويسهل اتجاهها نحو حل منصف يقبله الجميع لصالح الجميع في المنطقة.

وهنا تنبغي الإشارة إلى الإهداء الذي تصدر هذا الجزء: "إلى المواطن العربي والمواطنة العربية: أبناء وبنات الأمس واليوم والغد"، وهو يؤكد تجذر الانتماء العربي لهذا الدبلوماسي الذي لا شك في أنه كان ولا يزال يحظى بمحبة عربية غامرة صنعتها مواقفه التي لا تنسى طوال مسيرته في العمل العام.

وفي تقديمه لهذا الجزء يقول المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة دار "الشروق": "كان الأمين العام على مستوى ما توقعه منه عموم القراء، فجاء هذا الجزء ليعزز استثنائية عمرو موسى في كتابة سيرته الذاتية، التي لم تعتمد على الذاكرة فقط، لكنه توسع في ما بدأه في الجزء الأول عبر فتح الوثائق الرسمية السرية منها والعلنية، لتنطق وتشهد وتزيل الحجب عما جرى في عشرية صاخبة في التاريخ العربي الحديث، فضلا عن استعانته بشهادات بعض من كانوا فاعلين في تلك العشرية".

إن قيمة هذا الكتاب – يقول إبراهيم المعلم – لا تقف فقط عند حد المنهج الذي كتب به، لكنها تتضاعف بالنظر إلى شخص مؤلفه، ذلك أن عمرو موسى هو ذلك الدبلوماسي المصري العربي الذي تحول إلى أيقونة في قلب وعقل المواطنين باتساع الوطن العربي الكبير" .

وهذه السيرة عنوانها العام "كتابيه"، وهو يحيل إلى الآية القرآنية الكريمة: "فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه"، وقد تضمن الجزء الأول منها والذي صدر في خريف 2017 حياة الأمين العام السابق للجامعة العربية من مولده في العام 1936 إلى نهاية فترة توليه منصب وزير الخارجية في 2001، وسيغطي الجزء الثالث والأخير منها ثورة 25 يناير 2011 وما بعدها، وهي الفترة التي شهدت ترشحه لرئاسة الجمهورية، وسنة حكم الإخوان، وترؤسه "لجنة الخمسين" التي أعدت الدستور في عام 2014.

وهذه السيرة الذاتية تركز عموما على الحياة العملية للسيد عمرو موسى، وهي كما يقول محررها خالد أبو بكر، تعتبر وفقا للمنهج الذي كتبت به أول سيرة ذاتية عربية تكتب بالمواصفات القياسية التي وضعها المنظرون الكبار ومراكز البحث المرموقة في عالمنا في مجال "كتابة الحياة" بشكل عام والسيرة الذاتية بشكل خاص.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن الجزء الثاني من سيرة السيد عمرو موسى الذاتية يضم 19 شهادة أو مقابلة مسجلة مع سياسيين ودبلوماسيين عرب ممن كانوا أطرافا في قضايا أو أزمات رئيسية عاشها العالم العربي من 2001 إلى 2011، أو كانوا شركاء له في إدارة هذه القضايا من السفراء العاملين في فريق الجامعة العربية، وذلك، كما يقول خالد أبو بكر، لضمان عرض وجهات النظر المختلفة بأصوات أصحابها.

وقد تم وضغ محددات دقيقة لتبويب الموضوعات في هذه السيرة، أولها أن تتابع الفصول ستحكمه قاعدة صارمة وهي بداية دخول الأمين العام على خط كل أزمة منذ تولى مهام منصبه في الجامعة العربية في مايو 2001، وعلى هذا الأساس – كما يوضح خالد أبو بكر – بدأنا بملابسات اختياره أمينا عاما، ثم الحدث الأبرز بعد ذلك، وهو هجمات الحادي عشر من سبتمبر وانعكاساتها على العالم العربي، ثم دخوله على خط الأزمة العراقية مع الأمم المتحدة بمقابلة الرئيس صدام حسين في يناير 2002 لإقناعه بعودة المفتشين الدوليين على أسلحة الدمار الشامل إلى العراق، فالمبادرة العربية للسلام التي تبناها العرب في قمة بيروت في مارس 2002... إلخ.

أما المحدد الثاني الذي كان موسى شديد الحرص عليه في التبويب، فهو إحداث التوازن على صعيد المساحة المتاحة لكل من المشرق والمغرب العربيين، فيجب ألا يطغى حديث لجناح منهما على حساب الآخر، وانعكس ذلك جليا – وفق مقدمة المحرر – في عدد فصول كل جناح، مع الاعتراف بوجود زيادة طفيفة للمشرق لوجود عديد من الأزمات العربية فيه خلال تلك الفترة.

واتصالا بذلك كان السيد عمرو موسى شديد التحسب من الاستغراق في الحديث عن المراكز الكبرى في العالم العربي ونسيان أطرافه، وهو ما أدعي أننا تجنبناه في هذا الجزء، بحسب قول خالد أبو بكر.

وفي ختام مقدمته يقول خالد أبو بكر: "يجب لفت الانتباه إلى أنه على مدار الـ 19 فصلا التي يضمها الكتاب، لن يجد القارئ فصولا تحمل أسماء دول عربية رئيسية مثل مصر والسعودية وسوريا والجزائر والمغرب، ومرد ذلك أنه لم تكن بها مشاكل استدعت تدخل الجامعة، وإن كان لهذه الدول وجود فاعل وحضور قوي في بقية الفصول التي تناقش الأزمات العربية المختلفة أو قضايا العمل العربي المشترك بشكل عام.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة