آراء

عمار الشريعي في ذكراه .. وموسيقاه المبصرة

8-12-2020 | 13:26

قال العلامة "شمس الدين التبريزي": “لا أظن أن الله (عز وجل) منحنا الموسيقى ــ لا الموسيقى التي نصنعها بأصواتنا وآلاتنا فحسب، بل الموسيقى التي تغلف كل أشكال الحياة، ثم قالوا إن الله قد حرّم علينا أن نسمعها.


ألا يرون أن الطبيعة برمتها تُغنِّي؟! فكل شيء في هذا الكون يتحرّك بإيقاع: خفقات القلب، ورفرفة أجنحة الطير، هبوب الريح في ليلة عاصفة وطرقات الحداد وهو يطرق الحديد، أو الأصوات التي تغلف الجنين داخل الرحم.. كل شيء يشارك في انبعاثها بحماسة وتلقائية في نغم واحد رائع، وما رقصة الدراويش إلا حلقة في تلك السلسلة الدائمة، وكما يحمل ماء البحر في داخله المحيط برمته، فإن رقصتنا تعكس أسرار الكون وتغلفها”!

آثرت أن أنتقي هذه الكلمات؛ في بداية حديثي عن الموسيقار المصري الراحل/عمار الشريعي، ربما لارتباطها بأشياءٍ عديدة في حياة هذا الإنسان الذي خرج إلى الحياة كفيف البصر، ولم تسعده الحياة برؤية شموسها وأقمارها ونجومها المتلألئة في السماء، ولكن لحفظه خمسة أجزاء من القرآن الكريم في طفولته بكتَّاب القرية، والاستماع إلى الترانيم والتراتيل الكنسية في كنائس مدينة "سمالوط" بمحافظة المنيا، شعر بـالموسيقى الكونية تتوالد وتنساب داخل شرايينه بإيقاعاتها ونغماتها العذبة، وتلمَّس بفطرته ونور بصيرته أنها تترجم له كل ما يجول في خواطره من مشاعر وأحاسيس.

وكان عمار الشريعي علي النقيض من الشاعر العربي رهين المحبسين "أبو العلاء المعري" الذي فقد بصره وهو في الخامسة من العمر؛ نتيجة إصابته بمرض الجدري، وبالتأكيد تركت تلك السنوات الخمس انطباعاتها عن الحياة وأشكالها وألوانها؛ على شريط ذاكرته في العقل الباطن، فما بالنا بالطفل الذي لم ير ولو للحظة واحدة ملمحًا واحدًا من ملامح الدنيا، وبالرغم من هذا تفجرت العبقرية الموسيقية بداخله، وأصبح من كبار الموسيقيين المصريين في القرن العشرين.

كان الشريعي نموذجًا رائعًا في تحدي الإعاقة البصرية؛ ولكن الله منحه نعمة شفافية البصيرة منذ لمساته الأولى على آلة "البيانو" التي أهداها له والده وهو في سن السادسة عشرة؛ ليتعرف على أسرارها ويتقن العزف عليها باقتدار لا يطوله المبصرون، ويرحل الأب عن الدنيا تاركًا الصبي في متاهات اليُتم وفقد البصر، ليتم إيداعه بالقسم الداخلي لمدرسة رعاية وتوجيه المكفوفين، وكانت تلك الفترة فرصة ذهبية منحها الله له؛ ليتفرغ بكل أحاسيسه ومشاعره لفهم أغوار آلات البيانو والأكورديون والعود؛ ثم أخيرًا آلة "الأورج" التي راهن الجميع على أن من يتعامل مع هذه الآلة تحديدًا؛  لابد أن يكون مبصرًا، لتعقيداتها التقنية البالغة.

وتشتد إرادة التحدي في قلب هذا العاشق للموسيقى، فيتلقى علوم الموسيقى الشرقية على يد مجموعة من الأساتذة الكبار بمدرسته الثانوية في إطار برنامج مكثف أعدته وزارة التربية والتعليم خصيصًا للطلبة المكفوفين الراغبين في دراستها، ليذهب إلى جامعة عين شمس، حاملًا تحت إبطيه جذوة الإرادة التي لم تخمد لحظة من لحظات عمره، ويحصل على ليسانس الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، وخلال فترة السنوات الجامعية؛ كان يدرس التأليف الموسيقي عن طريق المراسلة مع مدرسة "هادلي سكول" الأمريكية لتعليم المكفوفين، بالتزامن مع التحاقه بـالأكاديمية البريطانية للموسيقى! إنها إرادة التحدي القوية التي لا تقف أمامها جميع العوائق المادية والمعنوية في قلب هذا الفارس المغوار.

ولم يضع وقتًا في فرض إرادته بالخروج إلى الحياة العملية؛ فيتجه إلى التلحين والتأليف الموسيقي على الساحة المصرية والعربية، وكانت نقطة الانطلاق مدهشة، وكأنه أراد أن يرد عمليًا على حاسديه على نبوغه وتفوقه المذهل في علوم الموسيقى والألحان؛ ليقول لهم من خلال أول ألحانه للفنانة المصرية المتألقة ـ آنذاك ـ وصاحبة الصوت الذهبي "مها صبري": إمسكوا الخشب يا حبايب!

وتتمرد روحه الوثابة التي تتوق إلى الانطلاق والخروج من عباءة لحن الأغنية الضيقة؛ لينثر ألحانه على ساحة الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام والمسلسلات التليفزيونية والإذاعية والمسرحيات، ليحقق صاحب البصيرة شهرة واسعة على كل الأصعدة المصرية والعربية والعالمية، فينطلق عمار متقافزا برشاقة على السلم الموسيقي، ليرى بقلبه جماليات الطبيعة ويترجمها بكل المقامات اللحنية المتفردة التي جذبت آذان كل من استمع إليها وبخاصة براعته في تجسيد أحداث المسلسلات التي وضع لها "تترات" متميزة تكاد تنطق بأحداث كل مسلسل منها لتتجاوز أعماله التلفزيونية ١٥٠ مسلسلا إلى جانب أعماله السينمائية في ٥٠ فيلمًا، ووضع ألحان العديد من المسرحيات الغنائية الاستعراضية، ويمتلك أذن المستمع في البرنامج الإذاعي الشهير"غواص في بحر النغم"، و"سهرة شريعي" الذي اعتمد فيهما على التحليل الموسيقي للأعمال الغنائية التي تحظى بحب الجماهير.

ويمضي الشريعي قدمًا في نجاحاته فوضع موسيقى تترات أنجح المسلسلات مثل "رأفت الهجان" التي تعيش إلى يومنا هذا في أذهان الجماهير، و"الأيام" عن حياة عميد الأدب العربي د.طه حسين، وكان الفضل لنجاح "حديث الصباح والمساء" لموسيقاه الرائعة، وليحقق الطفرة الجميلة بلمساته في تتر "زيزينيا"، وكذا الموسيقى التصويرية داخله، ويكون على موعد مع الإبداع غير المألوف في موسيقاه لـ"الزيني بركات"، و"رحلة السيد أبو العلا البشري، لتأتي النغمات لتجسيد كل المعاني الجمالية والأخلاقية التي يتحدث عنها هذا العمل.

وكأنه يضع بموسيقاه دستورًا لكيفية نشر جماليات الألحان على العقول والأذان التي تسمع وتستمتع، وتتعلق الجماهير حول أجهزة التلفزيون في المنازل والأماكن العامة، لتحظي بتشنيف آذانها بموسيقى "أرابيسك"،.. وحدث الشيء نفسه مع "العائلة"، و"الشهد والدموع"، وهي الأعمال التي جذبت المشاهدين وحققت أعلى نسبة مشاهدة في تاريخ التلفزيون المصري والعربي، ناهيك عن تألق الفنانة"عفاف راضي"في غناء لحنه"أوبرا عايدة" الذي يعد من روائع الدراما المصرية الحديثة،ولم تقف طموحاته وملكاته عند تقديم هذه الأعمال الخالدة، بل شارك بالغناء بصوته في فيلم "البريء" ومشاركته الغناء مع الفنانة "فردوس عبدالحميد" في "عصفور النار".

وليمنح الفرصة لقوافل الشباب العاشقة لهذا الفن الراقي، أسس فرقة "الأصدقاء" وشاركهم الغناء علاوة على وضعه لألحان هي مزيجٍ من الأصالة والمعاصرة؛ والطموح إلى فرض الأغنية الجماعية في المجالات الاجتماعية والرياضية بين الجماهير، امتدادًا للتراث الشعبي الفلاحي على ضفاف النيل في ريف مصر.

وقد تغنى كبار المطربين المصريين والعرب بألحانه منهم على سبيل المثال لا الحصر: شادية وعفاف راضي وأنغام وعلي الحجار وميادة الحناوي ووردة الجزائرية وعبدالله الرويشد.

وربما شعر هذا العملاق الذي تحدَّى الإعاقة منذ خروجه إلى الدنيا بعالم الطفولة؛ فقام بالاهتمام بأغاني الأطفال في فعاليات أعياد الطفولة بمشاركة مجموعة من كبار الممثلين والمطربين وعلى رأسهم الفنانة صفاء أبوالسعود، ويتصدى لوضع الموسيقى والألحان لاحتفاليات نصر أكتوبر التي تتولاها القوات المسلحة المصرية ووزارة الإعلام، بالإضافة إلى اكتشافه للمواهب الصاعدة من الأجيال الجديدة.

ونظرًا لهذا النبوغ والتفوق؛ تم تعيينه أستاذًا غير متفرغ بأكاديمية الفنون المصرية؛ كما تناولت العديد من الرسائل العلمية أعماله بالدراسة والتحليل في الكليات والمعاهد الموسيقية المختلفة داخل مصر وخارجها.

ولن يكون هذا حديثنا الأخير عن هذه الموهبة الفذة التي ينبغي أن يحتذي بها كل من أراد أن يثبت وجوده ويحقق نجاحًا مرموقًا متجاوزًا كل المحن والصعاب مؤمنًا برسالة الفن الذي يستحق كل عناء، فمسيرته الفنية تنطوي على العديد من المحطات التي ينبغي الوقوف عليها لنضع أيدينا على مواطن نبوغه وعبقريته الموسيقية النادرة، رحم الله هذا الفنان العبقري الذي يجب أن يحتذي به كل من أراد فرض شخصيته على المجتمع؛ بكل الإنتاج الغزير والمائز من الفنون التي تثري المجتمع والتراث الإنساني فهو قدوة ومثل يحتذى لمن هم على الدرب.

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة