آراء

حتى للموت سوق سوداء

29-11-2020 | 13:23

لم أصدق أذني، كنت بالكمامة فى جنازة بقريتنا ، قابلت أقارب وأصدقاء طفولة لم نر بعضنا البعض من سنوات، حين سمعت رقم مليون جنيه فى حديث جانبي، تصورت فى البداية أنهم يتحدثون عن مشروع صغير، أو شقة تمليك أو شاليه فى مطروح، فإذا بالقائل يكمل: إذا كانت غاليه، فيه مدافن أرخص، ممكن 400 ألف لكن ليست على الطريق، فى شوارع جانبية. توقفت والتفت إليهم: مليون جنيه بجد. رد محدثى وهو رجل أعمال، أو فى الحقيقة «مُخَلِص أعمال»: طبعا..تبليط ورخام ودهان وتشجير وبوابة كبيرة وهى 60 مترا مربعا، وفى مدينة نصر.


قلت: يعنى المتر بـ16 ألف جنيه..أغلى من متر أى شقة فاخرة فى القاهرة. رد: هكذا هى أسعار المدافن. قال واحد من المعزين، وهو طبيب كان مهاجرا فى دولة عربية، وعاد قبل عام: لهذا خرجت من القاهرة القديمة إلى المدافن الجديدة حول المدينة، وحصلت على مقبرة 40 مترا بالقرعة.

سألته: هل تقصد قرعة كالتى تجرى على أرض الدولة أو شقق بنك الإسكان أو هيئة المجتمعات العمرانية؟
أجاب: نعم..وهذه ثالث قرعة أشارك فيها، وطبعا أرخص من السوق الخاصة، ثمنها فوق ثمانين ألف جنيه بقليل.

قلت: يعنى المتر بألفى جنيه فى الصحراء..أعرف شققا سكانية متواضعة أو فى مناطق بناء مخالف مثل النزهة الجديدة نصف تشطيب بنفس السعر، وقيراط أرض المبانى قبل وقف البناء فى بعض القرى وصل إلى مائة وعشرين ألف جنيه، والقيراط 175 مترا مربعا، يعنى أرخص من أرض المقبرة ودون قرعة.
علق واحد من الحاضرين ساخرا: فكرة القرعة غلط، واجب أن تكون بأسبقية الموت، خاصة فى زمن الكورونا.

قال الطبيب: أنتم فعلا لا تعيشون فى مصر، المقابر مشكلة كبيرة جدا، خناقات عائلية واشتباكات وخلافات لا أول لها ولا آخر ويمكن أن تصل إلى أقسام البوليس والمحاكم. وحكى لنا ما حصل له قبل شهور.. وقال: فجأة اتصلت بى عمتي، وهى سيدة فوق تسعين عاما، وقالت إن بعضا من العائلة يعيد ترميم مقابرها، بعد أن ظهر عليها القدم وآلت بعض جدرانها للسقوط، وطلبت منى أن أسدد حصتنا فيها، والغريب أنها ماتت فى نفس الأسبوع، وذهبنا لدفنها، وبعدها دخلت العائلة فى حوار غريب حول المقابر وتجديدها، فقد حدثت مشكلة عند بدء الهدم عن التكاليف ونصيب من لا يعيش فى القرية ولا يزورها إلا نادرا، كادت تنتهى بـ«عركة»، خاصة أن سعر المقبرة وصل إلى مائة الف جنيه، بعد أن ضاقت المقابر على سكانها الموتى القدامى والجدد وراحت تزحف على الأرض الزراعية الملاصقة لها، ومن هنا قررت أن أشترى مقبرة فى صحراء القاهرة، ودفعت فيها ثمانين الف جنيه ولو كنت اشتريت من القطاع الخاص لتضاعف السعر!

انتهت الجلسة وقمنا كل منا إلى حاله، ولكن الموضوع ظل قاعدًا على عقلى حملا ثقيلا، كيف يمكن للحكومة أن تبيع مقابر لمواطنيها الموتى بأسعار الأحياء، حتى بلغ الأمر الى سوق سوداء، مع أن كل المقابر فى مصر ليست من الملكيات الخاصة، وإنما هى حق انتفاع فقط من الدولة لأهل الموتي.. والسؤال: كيف يمكن للمقابر أن تكون أزمة مستفحلة فى مصر؟!، وكيف للمصرى أن يشترى مترين فى مترين ليدفن فيها بحق الانتفاع؟، كيف أصلا تتحول ارض المقابر إلى تجارة وشطارة واستثمار؟

وقررت أن أسافر فى عالم المدافن، وهالنى ما رأيته، إعلانات المدافن على الإنترنت تنافس إعلانات الشقق والسيارات والأجهزة الكهربائية والشاليهات، وكما الحياة طبقات، الموت أيضا طبقات، ويبدو أن البشر لا يؤمنون بالمساواة، فى الدنيا ولا فى رحلة العبور من الدنيا إلى الآخرة..تعالوا نشوف أول إعلان: «إذا كنت تبحث عن مقابر ومدافن كاملة التشطيب، ذات تصميمات عالية، وتتمتع بالخصوصية، ومحاطة بأسوار عالية وبوابة حديدية، تابعة للمحافظة أو جهاز المدينة، فأنت فى المكان الصحيح، والذى لا يعرفه الكثيرون أن الشركة لديها علاقات قوية فى مصلحة الشهر العقاري، مما يجعلك تنهى إجراءات البيع والشراء سريعا دون أن تنتظر وقتا طويلا مثلما يحدث داخل هذا النوع من المصالح الحكومية، والأجمل أنك ستكون المالك الوحيد لمقبرة موجودة فى أفضل أماكن الجمهورية، مما يجعلك تستثمرها بكل سهولة، والأسعار من 175 ألف جنيه إلى مليون و 800 ألف جنيه، والسعر الأخيرة لمقبرة 80 مترا مكونة من 6 غرف كبيرة و استراحتين داخليتين، ودكك خرسانية للجلوس وواجهة من الحجر الجبلى وعلى طريق الواحات».

هذا نص طبق الأصل، إلا فى حذف اسم الشركة واسم صاحبها وهو نص مدهش للغاية، يتحدث عن المدفن كأنه شاليه على البحر، تصميما وتشطيبا وتسجيلا واستثمارا، وطبعا لا يجوز أن نسأل: من أين حصل صاحب الإعلان عليها إذا كانت تابعة للمحافظة أو جهاز المدينة، وما هو نوع الاستثمار فى المقابر؟
باختصار ودون وجع قلب نحن أمام تجارة مزدهرة لأرض الموتي، الذين بلغ عددهم فى العام الماضى نحو 600 ألف نفس.
المدهش جدا أن 90 % من أرض المصريين صحراء جرداء يسكنها الفراغ.

وقطعا المقابر المصرية ليس لها نظير فى العالم، فهل هناك نظير لأهرام الجيزة الثلاثة، أضخم مقابر عرفتها البشرية؟!، ولم يغير المصريون من عادات الموت والدفن إلا هامشيا، بالرغم من أنهم غيروا دياناتهم القديمة إلى المسيحية ثم الإسلام، فهم يدفنون موتاهم فى غرف، يفصل فيها الرجال عن النساء، ربما حتى يجنبوا الموتى أى أفكار دنيوية قد تطرأ عليهم وهم ينتظرون البعث والحساب، مقابر مرتفعة عن سطح الأرض، هى أضرحة، ولها أبواب حديدية عليها أقفال حديدية، خوفا من سرقة الجثث والعبث بها، كما كان يفعل المصريون القدماء وحكامهم.

وسؤالى للحكومة: أليس من العيب أن تكون فى مصر أزمة مقابر وكلها أرض صحراوية؟، أليس من العبث أن توزع الحكومة مقابر المدن الجديدة على مواطنيها بالقرعة وبأسعار لا يقدر عليها كثير من الأحياء؟

نقلا عن صحيفة الأهرام

لماذا نفشل فى مواجهة الفساد؟

رغم سذاجة السؤال إلا أنه سيف حاد راشق فى جنب المجتمع، يُسود معيشته دون إجابة شافية له، قطعا لا يوجد مجتمع على كوكب الأرض قَطَعَ دابر الفساد والفاسدين،

ليست أزمة الدكتور عبدالعال وحده

مسألة محيرة فعلًا، تشغلنا أحيانًا وننساها أحيانًا، نفسرها أحيانًا ونغلب فى تفسيرها أحيانًا، لكن لا تغادر مخيلتنا أبدًا، وهي علاقة المصريين بالسلطة، سواء

مؤامرة في حزب الوفد

تباينت المشاعر واضطربت بين موجة من الضحك وحالة من الرثاء، وكيف لا نضحك ونحن نسمع عن وأد مؤامرة كبرى من الجيل الرابع داخل أروقة بيت الأمة وفصل عشرة من المتآمرين

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة