كتاب الأهرام

«طريق» بايدن «الثالث» بين أوباما وترامب!

29-11-2020 | 11:40

أخيرًا وبعد « شد وجذب» وفى اعتراف غير مباشر بهزيمته قرر الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته دونالد ترامب إعطاء الضوء الأخضر لبدء إجراءات عملية نقل السلطة إلى الرئيس المنتخب بايدن، وذلك من خلال السماح للإدارة الديمقراطية المقبلة بالحصول على التمويل الفيدرالى اللازم لبدء نقل السلطة معتبرًا إياها خطوة ضرورية لضمان انتقال سلس للسلطة.


جاء ذلك بعدما سمح ترامب من قبل لإدارة الخدمات العامة (وهى هيئة مستقلة) ببدء العمل مع الفريق الانتقالى للرئيس المنتخب رغم تعهده بمواصلة الطعن على نتائج الانتخابات.

إذن هى إشارة فعلية ببدء مرحلة جديدة فى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال رئيس منتخب جديد سوف يتولى مهامه رسميا فى العشرين من يناير المقبل 2021.

تساؤلات كثيرة مطروحة حول الرئيس المقبل وهل هو نسخة مكررة من الرئيس السابق أوباما وبذلك تكون ولايته هى الولاية الثالثة فعليا للرئيس أوباما أم أنها ولاية جديدة بنكهة بايدن الخالصة البعيدة عن أوباما وترامب معا وينجح فى نهج طريق ثالث مغاير لسابقيه.

لحسن الحظ فقد أجاب الرئيس المنتخب جوبايدن عن هذا التساؤل الذى يشغل بال الكثيرين فى الكرة الأرضية فى حواره مع شبكة «إن. بى. سى» الأمريكية فى الأسبوع الماضى حينما نفى فكرة أنه يشكل مع إدارته المرتقبة «ولاية ثالثة لأوباما»، مؤكدا عودة أمريكا إلى دورها القيادى عبر العالم وتمسك إدارته بالدبلوماسية والتعاون الدولى المتعدد الأطراف رافضا سياسات ترامب، التى كانت ترفع شعار «أمريكا أولا»، لأنها جعلت «أمريكا وحيدة» ـــ من وجهة نظره ـــ مما أثر على دورها التاريخى «كقائد عالمى».


أعتقد أن هذه الرؤية الخاصة بالسياسة الخارجية لن تجد لها مكانا بسهولة فى الفترة القليلة المقبلة ضمن أجندة الرئيس الأمريكى المنتخب «جو بايدن» بسبب تراكم مشاكل أمريكا الداخلية خاصة فيما يتعلق بالمعركة الضارية مع «كوفيد ــ 19» وتأثير الفيروس اللعين على معدلات البطالة والنمو هناك.

أيضا فقد نجح ترامب فى ترك بصمة داخل المجتمع الأمريكى لن تمحى بسهولة، حيث نجح فى إيجاد نسبة هائلة من المنتمين للحزب الجمهورى، يؤيدون كل سياساته بدرجة «هيستيرية» وصلت إلى حد «الهوس» به وبسياساته، مما يجعله مرشحا محتملا للحزب الجمهورى فى 2024.

كل ذلك أوجد حالة من الانقسام داخل المجتمع الأمريكى اعترف بها الرئيس الأمريكى المنتخب «جوبايدن» مما جعله يدعو الأمريكيين إلى تجاوز الانقسامات معتبرا أن جائحة كورونا «معركة دمرت الأمة الأمريكية» مطالبا الأمريكيين بالوحدة والصبر وعدم الاستسلام.

هذه الأوضاع الداخلية المعقدة التى يواجهها الرئيس الأمريكى المنتخب سوف تجعل من السياسة الخارجية «أولوية ثانية» لكنها لن تلغيها فى كل الأحوال.

ما يعنينا فى المنطقة العربية أن يكون للرئيس المنتخب بايدن «طريق ثالث» بين أوباما وترامب، فكلاهما كان له بعض المميزات، والكثير من الأخطاء، وما يهمنا أن يجمع بين مميزات ترامب وأوباما، ويتجنب اخطاءهما القاتلة فى حق المنطقة العربية، التى من المؤكد أنها قد استوعبت الدرس جيدا، وأصحبت جاهزة لكل السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.

لحسن الحظ فقد اجتازت المنطقة العربية أسوأ المراحل التى مرت بها عقب الخريف العربى «الحارق» الذى كاد يعصف بالمنطقة كلها.

صحيح هناك تأثيرات سلبية لاتزال موجودة، وهناك دول وقعت فى «البئر»، كما يقولون ولم تخرج منه حتى الآن مثل: «سوريا واليمن وليبيا» على وجه التحديد، لكنه وفى كل الأحوال فإن الأوضاع فى المنطقة أفضل كثيرا مما كانت عليه، حتى تلك الدول التى لاتزال تعانى، فقد تجاوزت شعوب دولها حالة «السيولة»، العنيفة التى مرت بها، وأصبحت فى وضع أفضل نسبيا مما كانت عليه، وباتت أكثر وعيا بمخاطر ماحدث، وأكثر شوقا إلى «الخلاص»، وإنهاء حالة الفوضى بدولهم.

بعيدا عن مأساة الدول الثلاث فقد استردت مصر «عافيتها»، واستعادت «وحدتها» الداخلية، «وقوتها»، الخارجية، ولأنها هى قلب المنطقة وعقلها ورمز قوتها فقد نجحت فى قيادة المنطقة من جديد، مما أدى إلى تراجع سيناريوهات إسقاط الدول الوطنية، بعد أن نجحت مصر فى كسر «شوكة»، الجماعات الإرهابية، وكشف المخططات والمؤامرات التى هبت برياحها الساخنة على المنطقة كلها من المحيط إلى الخليج.

عودة مصر «القوية»، داخليا وخارجيا، أوقفت كل المخططات «المشبوهة»، التى كانت تحاول «اجتياح»، المنطقة كلها، بل إن كل الدول العربية الآن أصبحت مؤمنة تماما بـ «الرؤية المصرية»، فى مواجهة الجماعات الإرهابية إذا استثنينا قطر التى تقوم بدور والى عكا الشهير فى تدمير المنطقة.

هذه الرؤية ترسخت الآن فى المنطقة العربية وتجاوزتها، لتصبح كل الدول الأوروبية باستثناء تركيا حليفة قطر ـ تتبنى الرؤية المصرية الداعمة لتقوية مؤسسات الدولة الوطنية، وأصبحت حريصة فى كل مواقفها على تأكيد تلك الرؤية، بعد أن عانت هى الأخرى من ويلات الفوضى فى المنطقة، والتى نتج عنها زحف الملايين من المهاجرين إليها، ولا تزال تعانى حتى الآن من جراء تلك المشكلة.

سياسات «ترامب»، الرافضة للخريف العربى وآثاره المدمرة لم تكن إلا «وليدة»، لكل هذه المتغيرات الداخلية والخارجية فى المنطقة العربية، وبالتالى لم تكن سياسات متعلقة برؤية شخصية منه بقدر ما هى متعلقة بظروف موضوعية محلية وإقليمية وعالمية يصعب أن يحيد «بايدن» عنها، لأنه فى تلك الحالة سوف تكون «أمريكا وحيدة»، وهو ما يرفضه بايدن، ولايريده.

على الجانب الآخر فقد كانت سياسة ترامب فى قضية الصراع العربى الإسرائيلى مستفزة إلى أبعد مدى، و ربما كانت زيارة وزير الخارجية الأمريكيِ «بومبيو» الأخيرة إلى المنطقة نموذجا فجا لهذا الاستفزاز غير المبرر.

أصر «بومبيو» على زيارة هضبة الجولان المحتلة فى انتهاك سافر لسيادة سوريا على الجولان، وذهب إلى هناك وكأنه يقوم بزيارة ترفيهية لمنطقة سياحية رغم أنه يعلم أنها «أراض محتلة طبقا لقرارات مجلس الأمن وآخرها القرار رقم 497، الذى رفض قرار «إسرائيل» بضم الجولان.

الموقف نفسه تكرر فى تلك الزيارة ـ المشئومة ـ حينما قام بزيارة مستوطنة فى الضفة الغربية ليكون بذلك أول وزير خارجية أمريكى يفعل ذلك.

هذه المواقف المستفزة لوزير خارجية ترامب سبقها منذ فترة مواقف سابقة للرئيس الأمريكى نفسه حينما أعلن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بضم إسرائيل للجولان، مما أضعف مصداقية الولايات المتحدة كوسيط نزيه فى محادثات السلام. وجعل السلطة الفلسطينية ترفض الاشتراك فى أى مفاوضات تقودها الولايات المتحدة لانحيازها المطلق للاحتلال الإسرائيلى، وعدم جديتها فى إيجاد سلام عادل ودائم فى المنطقة.

ليس معنى ذلك أن أوباما وإداراته كانوا جادين فى إقامة السلام العادل فى المنطقة، لأنهم وعلى مدى 8 سنوات لم يفعلوا شيئا ذا قيمة وظلت الأوضاع فى المنطقة «تراوح مكانها» ولم تتقدم قيد أنملة، وكانت إدارة أوباما منحازة هى الأخرى إلى إسرائيل فعليا، ولكن دون ضجيج وصخب كما فعلت إدارة ترامب.

المطلوب الآن نهج مختلف وطريق مغاير من إدارة الرئيس المنتخب «بايدن» بحيث تكون هناك جدية فى اقامة السلام القائم على حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلى لكل الأراضى التى احتلتها عام 1967 ، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السورية.

لو فعل «بايدن» ذلك لدخل التاريخ من أوسع أبوابه خاصة أن ولايته تلك ربما تكون الولاية الوحيدة والأخيرة له لظروف كثيرة تتعلق بظروفه الصحية والعمرية، ومزاج المجتمع الأمريكى، وأشياء أخرى كثيرة.

عموما فإن تصريحات بايدن لشبكة «إن. بى. سى» مبشرة حينما أكد أن ولايته لن تكون ولاية ثالثة لأوباما، وهو مايعنى إدراكه للكثير من المشكلات التى وقعت نتيجة سياسات أوباما، وأنه جاء بنهج مختلف ومغاير يحمل بصمته الشخصية بعيدا عن ترامب أو أوباما، وهو ما يتوقعه العالم وينتظره من رئيس أقوى دولة فى العالم حتى لاتكون «أمريكا وحيدة» مرة أخرى فى المنطقة العربية، أو فى غيرها من مناطق العالم.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة