آراء

عن الأدب والحرية «1»

22-11-2020 | 14:14

كنتُ أتحدثُ مع زميلى النجيب، الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب فى مكتبه، وقادنا الحديث لذكريات جميلة عن تأسيس مجلة: «فصول» وملابسات إنشائها وسياق تحولاتها، وشرّق الحديث بنا وغرّب حول هذه المجلة العظيمة التى لا أظن أن مجلة نقدية أدبية عربية وصلت للمستوى الأعلى من النجاح الذى وصلت إليه. الأمر الذى جعلنى ألح على أخى هيثم فى ضرورة إعادة طبعها. إيمانًا منى بأن هذه العملية إذا تمت سوف تُسهم إسهامًا أساسيًّا فى تكوين ثقافة القراء الشباب وتعميقها. وفاجأنى هيثم مفاجأة مُفرحة عندما أخبرنى أن النية فى الهيئة مُنعقدة بالفعل على إعادة طبع كل أعداد مجلة: فصول ابتداء من عددها الأول إلى آخر أعداد مراحل التأسيس. ولكنه أخبرنى بوجود عائق يرجونى أن أُسهم فى إزالته.

وهو أن الجزء الثالث من عدد الأدب والحرية ضائع من مكتبته شخصيًّا، أما بقية الأعداد فموجودة وجاهزة لإعادة الطبع. وسألنى إذا كنتُ لا أزال مُحتفِظًا بهذا العدد أم لا، فقلتُ له: بالطبع لا أزال مُحتفظًا به فى مكتبتى الخاصة؛ أولًا لأنه جزء من المجلة التى أفخر بأننى أسهمتُ فى إصدارها بكل ما لها من تأثيرٍ ربما لا يزال باقيًا إلى اليوم، وثانيًا لأن هذا العدد بالذات هو أحد أجزاء العدد الأول الذى توليتُ فيه رئاسة تحرير هذه المجلة. ووعدتُه أن أعطيه صورة من هذا العدد؛ كى يكمل المـجـمـوعـة ويعيد طباعة كل أعداد فصول مُجتمعة فى مجلدات. وتركتُ هيثم وأنا عازم على البحث عن الجزء الثالث فى مكتبتى الخاصة بمجرد وصولى للمنزل، ولكن مر اليوم ولم أتمكن من تحقيق ما وعدتُ به.

وكان اليوم اللاحق هو يوم الجمعة لِحُسن الحظ، فاستيقظتُ باكرًا، وأخذتُ أُفتش فى المكتبة إلى أن عثرتُ على الأجزاء الثلاثة لعدد الأدب والحرية. وكان المعتاد فى مجلة فصول أن يصدر كل عددٍ مُخصَّصًا لقضية من القضايا الأدبية أو النقدية أو لموضوع من الموضوعات التى تتصل بالأدب والنقد فى علاقتهما الوثيقة بالمجتمع الأدبى والحياة الثقافية بوجهٍ عام، ولكن يستثنى من ذلك الموضوعات الأكثر أهمية، فكان فى هذه الحالة يصدر العدد الخاص بها فى أكثر من جزء، كما حدث مع عدد الأدب والحرية وعددى ألف ليلة وليلة وأبى حيان التوحيدى.

وأخيرًا عثرتُ على الجزء الثالث من المجلد الحادى عشر الذى صدر فى خريف 1992، ووجدتُ نفسى تلقائيًّا أتصفحه وتنثال على ذاكرتى الأحداث والوقائع المحيطة بصدوره. وقد سبق أن قُــلت إن هذا العـــدد هو الأول فـــــى انفرادى برئاســـة تحريـــر المجلــة بعـــد أن تركـهـــــا مشكورًا- أستاذى الدكتور عز الدين إسماعيل، نتيجة تغير قيادات الوزارة من ناحية، وتولى فاروق حسنى الوزارة من ناحيةٍ ثانيةٍ، وتعيين سمير سرحان، رئيسًا للهيئة المصرية العامة للكتاب من ناحيةٍ ثالثةٍ. وكان الأمر قد استقر فى مطلع التسعينيات على تغيير قيادات المجلات الثقافية الأساسية، فتم تعيينى مكان أستاذى العظيم الدكتور عز الدين إسماعيل الذى أُكن له كل التقدير والاحترام، وتعيين أحمد عبد المعطى حجازى، رئيسًا لتحرير مجلة إبداع خلفًا لأستاذنا الدكتور عبد القادر القط، وتعيين غالى شكرى - رحمه الله - رئيسًا لتحرير مجلة القاهرة.

وأشهد أننا نحن الثلاثة قد ظللنا نتسابق على سلم الإتقان والتجديد. وكانت المشكلة بالنسبة لى كبيرة، فماذا يمكن أن أضيف إلى سياسة فصول التى شاركتُ فى وضعها مع أستاذى الكبير الدكتور عز الدين إسماعيل، وأخى الصديق صلاح عبد الصبور؟ وظللتُ أفكر كثيرًا فى الوضع الذى وجدتُ نفسى عليه. ولكنى أخيرًا اكتشفت أننا لم نتعرض لمشكلة المشاكل فى الحياة الثقافية بل فى حياة المجتمع المصرى وغيره من المجتمعات التى تسعى إلى التقدم والنهوض بوجه خاص. وتذكرتُ فى سياق تداعى الأفكار جُملة قالها يوسف إدريس وهى أن الحرية المتاحة فى العالم العربى كله لا تكفى أديبًا واحدًا لكتابة رواية عربية. وقلتُ لنفسى: هذه إذًن هى البداية، فليكن العدد الأول فى زمن رئاستك لتحرير المجلة عن الأدب والحرية.

وبالفعل كتبتُ خطابًا أدعو فيه المثقفين المصريين والعرب إلى الكتابة فى هذا الموضوع: إما بحثًا أو دراسة، أو شهادة خاصة بتجاربهم الحياتية. وكنتُ أعلم أن الموضوع حسّاس ولكنى كنتُ ممتلئًا بفرحة البدايات، فأكملتُ الخطاب ونسخنا منه عددًا كبيرًا من النُّسخ وأرسلناها إلى صنّاع الكلمة وكُتّابها على امتداد العالم العربى كله دون تمييزٍ بين مثقف محسوب على اليسار أو مثقف محسوب على اليمين أو مثقف ليبرالى، فقد كان المثقفون جميعًا صنفًا واحدًا فى تقديرى لا فارق بين تصنيفاتهم إلا على أساس من قيمة الكتابة.

وكان الكتّاب المصريون هم أول من أرسلنا إليهم بالقطع، سواء أكانوا أساتذة فى الجامعة أو مثقفين من خارج الجامعة. وبعد أن أرسلنا الخطابات ظللنا ننتظر الإجابات التى لم تلبث أن توالت علينا سواء من مصر أو غيرها من أقطار العالم العربى، وأشهد أن الاستجابات كانت فوق توقعنا, فالحماسة كانت غالبة، والكتابات التى وصلت إلينا كانت فى مستوى طموحنا بل حتى أكبر من طموحنا. وهكذا أخذت تتكامل لدينا مواد العدد الذى قررنا أن نقسِّمه إلى ثلاثة أجزاء: الأول والثانى للبحوث والدراسات، والثالث, وهو الجزء الذى أضاعه أو فقده زميلى د.هيثم الذى ألح علىَّ فى العثور عليه, لشهادات الكتاب والمبدعين الذين شملناهم بالدعوة؛ لأنه إذا كان الكتّاب والدارسون هم الذين يكتبون عن المبدعين، فمن حق القارئ أن يسمع أصوات المبدعين أنفسهم ويعرف آراءهم فى هذه القضية المحورية.

وعندما راجعت الأعداد الثلاثة فوجئتُ بثراء الكتابة وتعددها وتنوعها بتعدد أوجه الموضوع وتنوّع أشكاله، والحق أنه رغم مُضِى ما يقرب من 30 عامًا على صدور ذلك العدد، لا تزال قضية الأدب والحرية قضية محورية وأساسية فى نهضة كل المجتمعات. والحق أنه لا نهضة ولا تقدم لأية أمة من الأمم إلا إذا تحقق لها مناخ رحب، وأفق مفتوح من الحرية التى تبعث على الإبداع، وتساعد على تحقق حريته المسئولة بعيدًا عن أى قيدٍ أو قمعٍ أو قهر. (وللحديث بقية).


نقلا عن صحيفة الأهرام

المادة السابعة من الدستور

سبق أن كتبتُ رأيى فى هذه المادة فى هذه الجريدة عبر مجموعة من المقالات تحت عنوان: ذكريات الدستور، وكان ذلك فى 21/6/2020 على وجه التحديد. وفيها علَّقت بأن

استفتِ قلبَك

كان من الطبيعي أن يتطرق الحوار بيني وبين الإعلامي عمرو أديب إلى مسألة الفتوى. وكان من الطبيعي أن يسألني عمرو أديب عن حقيقة الفتوى، وهل من حق أي مسلمٍ أن

حوار عمرو أديب

منذ صدر كتابي: «دفاعًا عن العقلانية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أواخر العام المنصرم، وتأتي إلىَّ أصداء أفكاره من القراء والمُهتمين بموضوعاته. وكان

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة