آراء

سعر الفائدة والنمو الاقتصادي

18-11-2020 | 13:14
Advertisements

قام البنك المركزى مؤخرا بـتخفيض أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض والائتمان والخصم بواقع 50 نقطة أساس، ليصل مجمل الخفض خلال الفترة من فبراير 2018 (بداية تطبيق سياسة التيسير النقدى) وحتى نوفمبر 2020إلى نحو 10%، وذلك بهدف دعم النشاط الاقتصادى وتحقيق الاستقرار فى الأسعار على المدى المتوسط وفقا لما جاء فى بيان لجنة السياسة النقدية. خاصة ان معدل النمو الاقتصادى للناتج المحلى الإجمالى قد تراجع الى 3.6% خلال العام المالى 2019/2020 مقابل 5.6% عام 2018/2019.


والذى يعود اساسا الى تراجع مساهمة الاستثمار الخاص وصافى التجارة الخارجية فى النمو. وهو مايطرح العديد من التساؤلات على رأسها إلى أى مدى يؤثر سعر الفائدة فى القرار الاستثمارى لدى القطاع الخاص؟ ومدى قدرة هذه السياسة فى تحقيق الاستقرار فى الأسعار؟

ومن الجدير بالذكر أن هذه هى المرة الأولى التى يقوم فيها البنك المركزى بخفض الفائدة، فى الوقت الذى ترتفع فيه معدلات التضخم، وفقا للأرقام القياسية لاسعار المستهلكين، حيث تشير إلى ارتفاع المعدل السنوى للشهر الثانى على التوالى لتسجل 4.5% خلال شهر اكتوبر، فاذا ما أخذنا بالحسبان ما أشارت إليه الدراسات الاخيرة لصندوق النقد الدولى، من ان فيروس كورونا قد غير كثيرا من انماط إنفاق المستهلكين الامر الذى يتطلب اعادة النظر فى الاوزان النسبية المستخدمة فى حساب هذا المؤشر لتعكس الواقع الفعلى حيث انه متحيز لأدنى، يضاف الى ماسبق ان معظم بيانات لجنة السياسة النقدية بالبنك كانت تشير الى ان تحجيم التضخم، والحفاظ على القوى الشرائية للعملة المصرية يدفعها لرفع الفائدة حين يرتفع معدل التضخم، وخفضها حين يتراجع المعدل، ليتمكن من الوصول إلى مستهدفاته.

واستخدم المركزى هذه الأداة للتخفيف من الضغوط الواقعة على التضخم فى الاقتصاد المصرى منذ تخفيض قيمة الجنيه المصرى فى نوفمبر 2016. وذلك قبل ان يعود لتبنى استراتيجية التيسير النقدي، وبالتالى خفض الفائدة. رغبة منه فى ان يؤدى ذلك الى جذب المزيد من الاستثمارات، وذلك انطلاقا من فرضية اساسية مفادها ان هناك علاقة سببية مباشرة بين اسعار الفائدة وحركة الاستثمارات فى المجتمع. وهو ماينشئ صلة مباشرة بين السياسة النقدية وسلوك القطاع الخاص الاستثمارى. وذلك لكون اسعار الفائدة تمثل نفقة الاقتراض بغرض الاستثمار، ومن ثم فان خفضها سوف يترتب عليه تشجيع الاسثتمار ومن ثم زيادة الإنتاج.

كذلك فان تخفيض الفائدة يقلل من اسعار الاستهلاك الجارى، بالقياس الى الاستهلاك فى المستقبل، بحيث يتوقع ارتفاع الطلب على الاستهلاك الحالى وذلك على حساب المدخرات الخاصة من جهة اخرى. ونتيجة لذلك يرتفع الإنفاق الخاص على كل من الاستهلاك والاستثمار وتحدث زيادة عامة فى الطلب الكلى يمكن ان تؤدى بدورها الى انتعاش الاقتصاد.

والسؤال الذى يتبادر للذهن سريعا هو الى اى مدى تنطبق هذه الفرضية على الواقع الاقتصادى المصرى، او بمعنى آخر هل يلعب سعر الفائدة دورا مؤثرا وأساسيا عند اتخاذ القرار الاستثمارى؟ وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك تشتتا شديدا فى معدلات الفائدة السائدة بالأسواق، وبين البنوك وبعضها البعض، فسعر الخصم يسير فى اتجاه وسعر الودائع فى اتجاه آخر والقروض فى اتجاه ثالث. وهى قضية غاية فى الأهمية، خاصة ان اخطر ما يصيب سعر الفائدة هو عدم الانسجام والتناسق فيما بينهما. الجانب الآخر فانه اذا كانت اسعار الفائدة تؤثر على جانب العرض لأنها تؤثر على حجم الاستثمار ونوعيته وبالتالى التأثير على حجم الاقتراض وتوزيعه، ومن ثم على نمو الإنتاج. فانها تؤثر أيضا على حجم الطلب الكلى عن طريق التأثير فى حجم الاستهلاك الجارى ومن ثم الادخار. وبالتالى فعند تناولنا قضية سعر الفائدة يجب دراسة كل من هذين العنصرين معا، لمعرفة سعر الفائدة التوازنى الذى يجب ان يسود بالاسواق ويحقق الهدفين معا.

من هذا المنطلق يمكننا الإجابة عن التساؤل هل القرار الاستثمارى من جانب القطاع الخاص يتوقف على معدل الفائدة ام ان هناك العديد من المسائل المهمة والاكثر حيوية بالنسبة لهذا القرار؟

ورغم أن الإجابة عن التساؤل ليست بالسهولة التى يتصورها البعض فإننا نرى ان المناخ الاستثمارى اكثر تأثيرا من الاعتماد على آلية واحدة لضبط الامور بالسوق. وليس أدل على ذلك مما أشار اليه بارومتر الاعمال الذى يصدره المركز المصرى للدراسات الاقتصادية ، والذى أشار الى ان اهم المعوقات التى تواجه الشركات هى التضخم وصعوبة التعامل مع الجهات الحكومية والمنظومة الضريبية والفساد، بينما جاء ارتفاع أسعار الفائدة فى المرتبة الثالثة عشرة، وعدم توافر السيولة لدى الجهاز المصرفى فى المركز الاخير وهى نفس نتائج تقرير ممارسة الاعمال للبنك الدولى تقريبا. الامر الذى يؤكد ان القرار الاستثمارى لايتوقف على سعر الفائدة فقط وان العلاقة بين الاستثمار والفائدة ليست بنفس درجة المرونة التى يراها المؤيدون لخفض الفائدة.

بالاضافة الى ماسبق فهناك العديد من الآثار السلبية المحتملة لخفض الفائدة يجب العناية بها ودراستها. ويأتى على رأسها ان اسعار الفائدة المنخفضة قد تدفع الشركات الى المزيد من الاقتراض ليس فقط لتمويل الاستثمار الثابت، كما هو مأمول، ولكن ايضا لتمويل المخزون السلعى والاستثمار فى العقارات. وهو ماحدث بالفعل خلال الفترة الراهنة حيث لوحظ التوسع المستمر وغير المدروس فى الانشطة الاقتصادية والدخول فى مجالات ليست بالضرورة نفس مجالات التخصص، وهى أحد الاسباب الاساسية التى تكمن فى فشل العديد من المشروعات. كما انها تؤدى الى تحيز لصالح الاستثمارت ذات الكثافة الأعلى لرأس المال، وهو مايؤثر على معدلات البطالة، ناهيك عما تحتاجه هذه النوعية من تمويل خارجى ضخم، الامر الذى يزيد من الطلب على العملة الأجنبية ويضغط بدوره من جديد على سعر الصرف.

وعلى الجانب الآخر فان من اهم الآثار هى التحول للنقد الاجنبى والعودة الى ظاهرة الدولرة من جديد. فضلا عن انها تؤدى الى قيام المدخر الصغير، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفى إما للاكتناز وإما للتوظيف لدى شركات الاموال، وهو مايؤدى فى الحالتين الى آثار سلبية عديدة.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

اقرأ أيضًا:
Advertisements
ضريبة الدخل والفصل بين السلطات

ان إعفاء المكافآت الممنوحة لأعضاء البرلمان من ضريبة الدخل يأتى أساسا لرغبة المشرع فى الفصل بين السلطات.. جاء ذلك التصريح على لسان وكيل لجنة الخطة والموازنة

كأس العالم لليد والاستثمار في الرياضة (3)

أوضحنا خلال المقالين السابقين أهمية الاستثمار فى صناعة الرياضة ودوره فى التنمية المجتمعية عموما والبشرية على وجه الخصوص، واصبح التساؤل الى اى مدى تعاملت

كأس العالم لليد والاستثمار في الرياضة (2)

أشرنا في المقال السابق الى أهمية وضع الرياضة فى خدمة التنمية البشرية بغية جعلها إحدى الأدوات المساهمة فى رفع كفاءة الأفراد والمساهمة فى تطوير الإنسان وهو

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة