ثقافة وفنون

عن الهوية وهموم الكاتب يتحدث الكاتب وحيد حامد في الجزء الأول من حواره مع "بوابة الأهرام" | صور

17-11-2020 | 21:09

الكاتب وحيد حامد في الجزء الأول من حواره مع بوابة الأهرام

حوار – سارة نعمة الله

أحب التسوق وبنزل اشتري حاجتي بنفسي

مصر في الستينات كانت شرايين ثقافة

الثقافة المصرية تم غزوها بنظيرتها الإسلامية الزائفة بعد نكسة 1967

أعمالي سرقت أمام عيني وسكت لأن مبدأي أني الأصل ومن يقلدني لا يعنيني

التحرش لم يكن موجود وتربينا في مجتمع مفتوح وكان جوانا عسكري

اللي معندوش هم أحسنله ميكتبش ولا يخرج

لم أبع وطني ولا ضميري وكنت دائمًا مع الناس

جانب من الحوار

لا أعرف منذ متى، نما بداخلي أنا وجيلي حب هذا الرجل، لكن الأكيد أنه ارتبط بأسماء ومشاهد أفلام كنّا نرى فيها نجومنا المفضلين عادل إمام ويسرا، نشأت معنا منذ الطفولة..كانت مجرد لقطات عابرة، وباتت تشكل وعينا وإداركنا بكل تفاصيل المستقبل القريب، هنا تتلخص السطور في نموذج "استثنائي" عاش مخلصًا لقلمه..صادقًا في كلمته..ثابتًا على مواقفه.

وحيد حامد، الذي توضع تحت اسمه كثير من الخطوط الحمراء، ربما لجرأته التي جعلته حائطًا منيعًا في مواجهة تيارات متطرفة أو مناقشته هموم المواطن المصري في مراحل تحولات سياسية واجتماعية هامة في تاريخ مصر أو ذكاؤه الذي جعل منه كاتبًا غير نمطي يحمل طازجة الأفكار والرؤى والشخصيات بداخله، ربما غير ذلك للكثير والمثير.

لكن تبقى كلمة السر في رحلة الكاتب الثرية "الاستمرارية" التي جعلت منه كاتبًا متجدد مع كل الأجيال.

ربما تتعدد الأسئلة والموضوعات التي طال الحديث فيها مع الكاتب الكبير نحو قضايا سياسية بعينها، إلا أننا حاولنا في حوارنا معه الوقوف لدى محطات معينة في حياته، وكانت المحطة الأولى في مرحلة الطفولة والعودة إلى الهوية التي باتت أزمة كبيرة في مجتمعنا الحالي.

 "على طاولته المعتادة المجاورة للنيل، يجلس الكاتب الكبير وبجواره حقيبته الكبيرة المحملة بالعديد من الأقلام والأوراق مختلفة الحجم، يحتسي كوبًا من الشاي الأخضر، تطوف عينه في لحظات مثل كاميرا الـ"زووم" تراقب هنا وهناك، يتأمل الآخر ويعود لورقته وقلمه يستكمل كتابته".

البدايات من القرية: "كنت خطيبًا للمدرسة وأكتب القصة القصيرة"

جانب من الحوار

  • تحمل البدايات تفاصيل خاصة في حياة كل منا.. فكيف هي لدى وحيد حامد وما الذي بقي من القرية بداخلك؟

أبدأ من الجزء الأخير، فما بقي بداخلي ووجداني من القرية، هو كل شىء شاهدته بها وتربيت عليه، لم أتخل عن أي جزء ولو صغير من خلال حياتي بها، فقد عشت حياة شاملة بها، وتنقلت من القرية الصغيرة ثم المركز ثم المديرية "أي أنني عشت القرية والبندر".

 وعندما حضرت للقاهرة عشت الأحياء الشعبية، حيث كنت أسكن بالسيدة زينب، فقدعشت المجتمع كله، لحد ما ربنا أكرمني وتعرفت على المجتمع الأعلى كنت زائر ليهم ثم أصبحت منهم "طبقة الفنادق".

لكن صلتي لم تنقطع على الإطلاق بالشارع المصري، وبحب أنزل اشتري حاجتي بنفسي، وبحب التسوق، والاختلاط بالناس وكل الناس صحابي من أول بتاع الجرايد والخضري والسوبر ماركت ومعايا تليفوناتهم أو العكس.

 أما البدايات فأتذكر منها المرحلة الإعدادية، كنت حينها في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وكنت خطيب المدرسة أقول الكلمة الصباحية يوميًا وكان لدى شعبية كبيرة، وفي المرحلة الثانوية كنت أقدم مجلات حائط، وخلال هذه الفترة بدأت أكتب القصة القصيرة، والتي بدأت معي بعد فوز قصتي في "نادي القصة"، والحقيقة أحيانًا يستخبى بداخلك شيء وأنتي لا تعلمي أنه سوف يكون المستقبل، بعدها جربت مرة تانية وكتبت، فقلت خلاص هذا هو طريقي.

  •  لكن كيف تولدت حماسة الاستمرار في الكتابة ذلك الوقت؟

عندما حضرت في الستينات إلى القاهرة جئت مباشرة من الزقازيق لندوة الأستاذ نجيب محفوظ "كنت مصدق نفسي" وكان الراجل لطيف ومهذب، ويسألنا ماذا نكتب ويكون حريصًا على أن يحفز الموجودين "فالقاهرة في تلك المرحلة كانت تجبر أي شخص محدود الموهبة لتخلق منه شيء طيب.

 مقاطعة: كيف؟

القاهرة كانت منارة ثقافية كان الكتاب متوفر ورخيص الثمن حتى أنه كان هناك كتاب يطرح كل ست ساعات في عهد وزير الثقافة الراحل محمد عبدالقادر حاتم، كما كانت المسارح تعمل بكل طاقتها، بخلاف نهضة السينما، وأذكر شارع عماد الدين حينها كان منور والبلد كلها شرايين ثقافة مليانة حيوية.

  • كثير من الآراء تشير أن نكسة ١٩٦٧ أخذت كل هذا اليابس معها، وكانت مرحلة الانهزام للشخصية الثقافية المصرية؟

​​بالعكس الثقافة المصرية حينها نشطت لكن للأسف الشديد تم الاستيلاء عليها وغزوها بنظيرتها الإسلامية الزائفة، وحاولت أنها تقضي على الثقافات الآخرى كالفلسفية أو الإنسانية أو الليبرالية وهذه هي المشكلة، فلم تعد الثقافة حرة.

وقد عايشت هذه الفترات وأعتقد أنها لعبت دورًا في تكويني النفسي والثقافي أيضًا،  ومن يتابع أعمالي من البدايات سوف يجد كل هذه التحولات لأنني دائمًا أواكب كل ما يحدث، ودون تعمد، فما كنت أشعر به كان يخرج مني بتلقائية مترجم في أعمالي.

بين الإبداع والإحباط

جانب من الحوار

  • ذكرت منذ قليل خلال لقاءات البداية مع نجيب محفوظ  عبارة "كنت مصدق نفسي"، هل من الهام أن يصدق المبدع أن بداخله شيئًا ما مهما كانت الإحباطات من حوله؟

طبعًا لابد من ذلك، وبعض الناس من منطلق الغيرة والحقد كانوا يتهموني بسرقة أعمالي من أعمال آخرى على غير الحقيقة،  بالعكس أنا أعمالي اتسرقت قدامي عيني وسكت "لأن مبدأى أني الأصل ومن يقلدني لا يعنيني"،  وهناك أعمال سرقت مني على مستوى عالمي كبير وكان ممكن أرفع قضايا وأخد تعويض لكن لم أحب الدخول في هذه المنطقة.

هنا قررت بدلًا من الدخول في المنازعات القضائية استثمر الوقت في كتابة عمل جديد، "ومتنسيش في حاجة مهمة بترضي غرور أي انسان سوي مضمونها، هو انا أكره أن الناس تاخد مني".

  • لذلك هل من المنطقي أن يصدق المبدع في إبداعه أيًّا كانت الإحباطات؟

الإحباط لا يثني مبدع عن مشروعه مهما كان، فالكاتب يزرع الثقة بالناس والشرط الأساسي أن يكون واثق من نفسه، ولدينا مثل ظريف فاقد الشىء لا يعطيه، ومن يملك عطاءً طيب يراه الناس ويكون هو شاعر به، وهي مسألة ترتبط بنجاح الإنسان في عيون الآخرين.

  • بالعودة للهوية.. هل أصبحت أزمة مجتمعنا الإبتعاد عن الجذور فنحن الآن نستنكر أصل هذا صعيدي وآخر فلاح؟

طبعًا جزء أساسي جدًا، أنك تتمسكي بأصولك هذه بذرة تكبر معاكي لحد ما تتمسكي بالوطن ذاته، وجميعنا بالطبع يطمح لللارتقاء والتطور لكن هناك ثوابت لا يجوز التخلي عنها، وهناك عادات وتقاليد لابد أن تزول.

مقاطعة: مثل ماذا؟

نحن نعيش في مجتمع يؤمن بالغيبيات حتى هذه اللحظة، فتجدي مثلا رئيس نادي يقول إن خسارة الفريق بسسب "عمل معمول؟" لكن المجتمعات تتطور صحيًا بمعنى أنك تتخلصي من كل ما هو لا يصلح لخدمة المجتمع والناس.

  •   هل التخلي عن الجذور سبب في حدوث أزمات لم تكن لها نفس الانتشار في وقت سابق مثل قضية"التحرش"؟

لم تكن موجودة من الأساس إلى عهدًا قريب، وأحكيلك موقف خاص بالطلبة في الجامعة في السبعينات، فقد كانت الجريمة الكبرى عندما فصلوا الأولاد عن البنات في المدرجات، فالفضيلة هنا "وهم" وما حدث كان لأغراض سياسية وأقصد أنه تم غزو المجتمع، ومصر كلها ارتدت الحجاب وهذه كانت رسالة الإخوان المسلمين، وقديمًا بالدراما كانت الشخصيات القوية تخرج وتقول "والله يابلد لأبلسكم طرح".

  • لكن كيف تستقبل أخبار مثل قضايا التحرش؟

نحن عاجزون عن مواجهة مشاكل حقيقية وحلولها في أبسط الأشياء، فليس من المنطقي أن نخرج قانون لكل مشكلة وكأني عملت اللي عليا، فهذه القضية  أخلاقية بالآساس، وما نحتاجه أن نعيد السلوكيات المحترمة ولا نترك التعليم منذ الصغر عرضه لأي حد فلابد من تربية يتبعها سلوك قويم، فقد تربينا في مجتمع مفتوح ولاد وبنات وكان جوانا عسكري، وهذا ما أخذته من والدي ووالدتي، ومن كان يرتكب رذيلة كان يعاقب في لحظتها لكن دلوقتي ليس لدينا ذلك.

"يصمت في وجع من المشهد.. قائلًا: شفتي خلتيني أنفعل"، ابتسم وأعتذر وأعود لمواصلة الحديث".

هموم الكاتب

  • هل الحالة الاجتماعية التي يعيش فيها الكاتب تخدم فكرة معالجته للقضايا التي يتناولها؟

​طبعًا وخصوصًا في مصر، فجميع كتابنا الذين تربينا عليهم والجيل الحالي كلهم يعبر عن بيئة وقطاع كبير متأثرون به، فالحالة الاجتماعية تترك اثارها على إنتاج كل المبدعين ومن هنا يأتي الاختلاف.

  • البعض يرى أن السينما حاليًا تذهب لمخاطبة الغرب من أجل مشاركة العمل بمهرجان أو عرضه بمنصة إلكترونية ما يجعل القضايا المثارة بعيدة عن الواقع؟

كل سينمائي مهموم بقضايا تشغل رأسه، "ومن ليس لديه هم أحسن له لا يكتب ولا يخرج ولا يعمل صحفي"، فجميعنا شايل هم الناس، من ناحية العدالة والصحة والتعليم، فالهم هو الدافع للإبداع، أعمل حاجة حلوة فحياتك الناس تفتكرك بيها.

 وانا أحدثك بصدق شديد أنا أخلصت "يكررها ثلاث مرات" لكل كلمة كتبتها حتى لو كانت وحشة لكن تعاملت معها بحب شديد جدًا وهذا نمط حياتي كله، فلم أكذب على حد لذلك علاقتي مع الجمهور حتى الأجيال الحديدة مرتبطة بشغلي لأَنِّي كنت صادق.

مقاطعة: بالفعل، فعندما بحثت عن اسم "وحيد حامد" بموقع تويتر كل التعليقات "هذا الرجل عاش مخلصًا وصادقًا في كل ما يكتبه".

يستكمل: "لن أبالغ إذا قولت أنني الوحيد الذي لم يتغير رأيه في الإخوان قبل وبعد مجيئهم، لم أنافق ولم أبيع وطني ولم أبع ضميري وكنت مع الناس، ودوري في الموجودين وانتي تلاقيهم ماشاء الله "أراجوزات" في العلن".

  • لماذا لم تعد هموم المواطن هي هم  صناع السينما الأساسي؟

الافلأم الكبيرة يكون وراءها كاتب "الحرفة الجيدة" ثم يأتي دور المفكر الذي يبحث عن هموم المجتمع، "للأسف الشديد الفترة الحالية فيها صنايعية كتيرة بيخبطوا في صاج"، وهذا لعدة أسباب أولها النقل من موضوعات أجنبية وهذه عدوى انتشرت في التلفزيون، وأصبحت الدراما بشقيها لا تناقش الواقع على الإطلاق ومن النوادر أن تجدي عمل جيد، ثم ابتلينا بسينما رخيصة التي وجدت صدى عند ناس ويمثلوها كثر مثل رمضان وغيره، وفي النهاية المنتج عايز المكسب وبالتالي السينما ضاعت ولم تعد تأخذ من الناس حتى تعطيهم بهدف الارتقاء بهم، السينما "دلوقتي أكل عيش".

  • لماذا السينما دائمًا ملف مهمل وغائب؟

لأنه لا يوجد من يحب السينما والفن عموما من الأساس.

في الجزء القادم من حوار "الأستاذ" نتحدث عن صناعة السينما وأزمات الكتابة، وعما إذا كان يتدخل ويختار أبطال أعماله، ويؤكد بوضوح أن إنشغاله بهموم وقضايا مجتمعه أخذته من الاستمرار كثيرًا في كتابة الأعمال الرومانسية التي يعترف بحبه وتميزه بها، ويحكي عن واحدة من أهم ما كتبه في هذا المجال "أنا وأنت وساعات السفر" وكواليس صناعته كما يتحدث عن أزمة الفنان المثقف، وصداقته بالزعيم عادل إمام الذي أكد أنه لم يكن يكتب له خصيصًا على الإطلاق، ويكشف عن أكثر أعماله التي حيرته وتسببت له في أزمات كثيرة.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة