آراء

سامى شرف

15-11-2020 | 13:32

عندما تسلمت عملى معيدًا فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة القاهرة فى 19 مارس عام 1966 نسيتُ من فرحتى أن أرسل رسالة شكرٍ إلى الرئيس جمال عبد الناصر الذى كان لتدخله كل الأثر فى تعيينى وَردِّ الظلم عني. ويبدو أن السبب فى ذلك هو خجلى الغالب عليَّ إلى اليوم، وربما مهابة الشخصية والمنصب كان لهما أكبر الأثر فى اكتفائى بالامتنان العميق فى وجدانى وفى ضميرى على السواء. ومرت الأيام وتوفى جمال عبد الناصر وأخذه الله إلى جواره مرضيًّا عنه من كل الفقراء الذين كان نصيرًا لهم. ودخلنا فى الحقبة الساداتية إلى أن وصلنا إلى سبتمبر عام 1981، وكنتُ فى تلك السنوات عضوًا فى جماعة الدفاع عن الثقافة الوطنية، ورافضًا لاستكمال التطبيع مع إسرائيل طالما ظلت القضية الفلسطينية معلقة وينال الظلم يوميًّا من أبرياء الفلسطينيين ومن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أصدرت جماعة الدفاع عن الثقافة الوطنية مجموعة من المنشورات التى لم أتردد فى التوقيع عليها، ومن الواضح أن هذا التوقيع كان السبب وراء وضعى فى قوائم المفصولين من الجامعة فى سبتمبر عام 1981. ولحسن الحظ لم أبق عاطلًا عن العمل لفترة طويلة، فقد جاءتنى دعوة للعمل أستاذًا زئرًا فى جامعة استوكهلم فى السويد، وتقبلتُ الدعوة شاكرًا الرجل الذى كان وراءها، وهو المرحوم الدكتور عطية عامر.


وفى أثناء إقامتى فى السويد فى مدينة استوكهلم أخبرنى الدكتور عطية عامر - عليه رحمة الله - بأن السفير المصرى عمر شرف يدعونى على مأدبة غداء أُقيمت تكريمًا لي. ولم يدخل الكلام رأسي. فأنا مطرود من الجامعة المصرية والسفير مصرى يعمل داخل النظام السياسى الذى طردني، فمن الأولى أن أعتذر عن دعوته وأرفض الذهاب. وهذا ما قلتُه بالفعل للدكتور عطية عامر الذى رفض هذا المنطق بشدة، وألح عليَّ فى ضرورة قبول الدعوة والذهاب معه إلى حفل الغداء. واضطررت فى النهاية إلى أن أطيع الدكتور عطية عامر، وأستجيب إلى إلحاحه. ولحسن الحظ أن السفير هاتفنى شخصيًّا وأخبرنى باسمه وهو عمر شرف رحمه الله رحمة واسعة، وداعبنى قائلًا بأنه ليس عدوًّا لى بل مُحب، فلم أملك إلا أن أذهب بالفعل مع عطية عامر إلى منزل السفير فى مدينة استوكهلم.

وبالفعل وصلنا إلى مقر إقامة السفير الذى استقبلنى بحرارة غامرة ومحبة صافية تأثرت بهما كل التأثر. واصطحبنى إلى حيث يجلس الضيوف من المدعوين إلى مأدبة الغداء التى كان يجلس هو على رأسها، وأجلسنى إلى جوار شخص لم أكن أعرفه وقد بدت على وجهه آثار المرض والعمليات الجراحية التى أُجريتُ له فى فرنسا. ولاحظ السفير أننى كنت أعامل جارى بتحفظٍ فإذا به يفاجئنى بالسؤال: يا جابر ألا تعرف أخى سامى شرف؟ وهنا انتبهت وربط ذهنى بسرعة بين الاسمين واستنتجت أن عمر - رحمه الله - هو الأخ الأكبر لسامى شرف. وبالطبع تذكرت واقعة تعييني، والدور الذى لعبته شكواى إلى جمال عبد الناصر، ففرحتُ بالرجل سامى شرف- وقبَّلتُ وجنتيه مُرحِّبًا ترحيبًا حارًّا به. وقلتُ له أمام المدعوين: هأنذا أراك أخيرًا لكى أسألك سؤالًا لم أعرف إجابته إلى اليوم وهو: كيف وصلت شكواى إلى عبد الناصر، وتظلمى من الغبن الذى وقع عليَّ؟ وقد كنتُ أعرف بالطبع أنه كان يشغل منصب مدير مكتب الرئيس جمال عبدالناصر وسكرتير الرئيس للمعلومات. فابتسم الرجل فى مودة وقال لي: لم يكن مكتب عبد الناصر تمر عليه شكوى مواطن مصرى دون فحص وتمحيص. وكنا نختصر كل شكوى فى سطر ثم نعرض المختصرات على عبد الناصر، فإذا استوقفه موضوع من الموضوعات وضع علامة عليه, لكى نعطيه الشكوى نفسها، وهذا ما حدث معك، فقد قرأ الملخص الذى أعددناه له ولكنه أراد أن يقرأ خطابك بنفسه، فأعطيناه الخطاب، ولم يصدر أوامر شفاهية، وإنما أمسك بالقلم وكتب على ظهر الخطاب تعليماته الموجهة إلى وزير التعليم العالى وبطريقة حاسمة. وأرسلنا الخطاب وعليه التعليق إلى مكتب وزير التعليم العالي، ثم عرفتُ فيما بعد أنك قد عُينت، وأصبحت شخصية لها صوت خاص بين المثقفين. وكنتُ أنا أتابعك شخصيًّا وأتابع مواقفك.

وتبادلتُ أنا وسامى شرف الأحاديث المتنوعة فى كل مجال، وفى حميمية تعطينى الحق فى أن أجعل من نفسى صديقًا له. وقد استمرت هذه الصداقة منذ أن اكتمل شفاؤه وعاد إلى مصـــــر مواصلًا الكتابــة عــــن عبد الناصر وعصره، وتقديم أفكاره الوطنية فى كل القضايا التى تمس شؤون الوطن وأمنه القومي. هكذا عرفتُ الإجابة عن السؤال الذى ظللتُ أطرحه لسنوات على نفسى وهو: كيف وصل خطابى إلى عبد الناصر؟ وهل كان عنده مكتب يهتم فعلًا بشكاوى المواطنين؟ وهذه سمة من سمات الحاكم العادل الذى ينحاز إلى المظلومين، فيرد عنهم الظلم، وهذا هو عبد الناصر الذى لا أزال أضعه فى مكانة خاصة من قلبى إلى جانب طه حسين. وعندما كتبت الأحد الماضى الموافق 1 نوفمبر عن عبد الناصر نصير الفقراء كان أول تليفون وصلنى هو تليفون صديقى سامى شرف، ولكنه هذه المرة كان مُثقلًا بهموم المرض كما حدثني، وهموم السنوات التى عاشها ولا يزال يعيشها مناضلًا مُدافعًا عن الزمن الناصرى الذى أخلص له ودافع عن قيمه بالحماسة نفسها التى طالما دافع بها رغم وصوله إلى ما يجاوز التسعين من عمره, أمدَّ الله فى هذا العمر الجميل، وأطال لنا فى عمر هذا الإنسان العظيم, الذى كلما أذكره أذكر عبد الناصر الأعظم، والزمن الجميل، وكل أحلامى بالحرية والعدل الاجتماعى والتحرر الوطني.

يا أستاذ سامى دعواتى لك بالصحة والسعادة، ولا تشغل بالك بالأمراض, حفظك الله لنا ولمصر, قيمة وطنية لا بد أن يذكر فضلها المصريون أمثالى على الأقل.

نقلا عن صحيفة الأهرام

المادة السابعة من الدستور

سبق أن كتبتُ رأيى فى هذه المادة فى هذه الجريدة عبر مجموعة من المقالات تحت عنوان: ذكريات الدستور، وكان ذلك فى 21/6/2020 على وجه التحديد. وفيها علَّقت بأن

استفتِ قلبَك

كان من الطبيعي أن يتطرق الحوار بيني وبين الإعلامي عمرو أديب إلى مسألة الفتوى. وكان من الطبيعي أن يسألني عمرو أديب عن حقيقة الفتوى، وهل من حق أي مسلمٍ أن

حوار عمرو أديب

منذ صدر كتابي: «دفاعًا عن العقلانية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أواخر العام المنصرم، وتأتي إلىَّ أصداء أفكاره من القراء والمُهتمين بموضوعاته. وكان

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة