آراء

مصارحاتٌ واجبة عن صراع الثقافات في فرنسا (2-2)

14-11-2020 | 13:05

يصعب اليوم إنكار أن هناك شكلاً ما من أشكال صراع الثقافات فى العالم، وفرنسا على وجه الخصوص، ربما كان الأدق تسميته بالصدام أو الأزمة، لكن شاعت تسمية الصراع وفرضت نفسها.


إذا نحّينا الإرهاب جانباً باعتباره الشر المستطير الذى تعانيه المجتمعات الغربية والإسلامية معاً، وتقف ضده فى نفس الخندق معاً، فإن سؤال صدام الثقافات الذى نرجوه حواراً يبقى قائماً. ويبدو أننا أخفقنا فى هذا الحوار الذى اتسم أحياناً بالدبلوماسية ولم يخل من نفاق متبادل وممارسة (التقية) من الطرفين معاً باستثناء مقاربات فكرية شجاعة وعميقة انزوت بعيداً عن صخب المقاربات الإعلامية إياها. الآن ليس أمام الطرفين سوى المصارحة كشرط إيجابى وعقلانى بل نفسى لتجاوز ذكريات الصراع القديم وتبديد الشكوك الراقدة فى تاريخ العلاقة بينهما منذ قرون.

لعلّ الجزء الأكبر من هذا الشك التاريخى يكمن فى تخوّف الغرب (فرنسا تحديداً) من التغلغل الإسلامى المتصاعد فى المجتمع الفرنسي، وهو تغلغل يرى البعض أنه يحمل ثقافة تناقض القيم الجمهورية والعلمانية كما تحددها القوانين الفرنسية. على الجانب الآخر يرى المسلمون أنهم ضحية لمشاعر الرفض والكراهية من جانب تيارات وأحزاب تجهر بعنصريتها زادت أخيراً بفعل ممارسات حرية تعبير يراها المسلمون تحقيراً لانتمائهم الدينى ويعتبرها الفرنسيون أمرا مقبولاً فى مجتمع ديمقراطى تعوّد من باب التسامح على قبول ما يشوبها من شطط أحياناً. فى هذا الحوار المنشود ثمة إشكاليات يجب مواجهتها من الطرفين معاً. لدى المسلمين فى فرنسا إشكالية عدم اندماج فى المجتمع وانعزالية حقيقية داخل جيتوهات اجتماعية ودينية وثقافية. لكن تيسير وتشجيع هذا الاندماج يتطلب جهوداً وإصلاحات ومبادرات حكومية، الفرنسيون أدرى بها.

أما المسلمون خارج فرنسا والغرب عموماً فلديهم إشكالية إيصال رؤيتهم وتوضيح مواقفهم لتصحيح الكثير من الانطباعات والصور الذهنية النمطية والتعميمات السلبية عن الإسلام والمسلمين. ربما يكون لدينا جهود ومبادرات متفرقة لكن المطلوب هو انفتاح إسلامى أكبر وأوسع على المجتمعات الغربية التى ما زال الكثيرون فيها مشوشين بشأن حقيقة الإسلام، تشويش وصل إلى حد الإسلاموفوبيا بفعل الإرهاب وأشياء أخرى.

مثل هذا الانفتاح يتطلب استخدام وسائل ولغات التواصل التى تتيحها التقنيات الحديثة، والأهم هو تطوير هذا المحتوى، فقد أصبح التواصل مع الآخر علماً وفناً له طرقه وأدواته ومتخصصوه. دور الأزهر هنا مطلوب وملح بحكم رمزيته التاريخية الوسطية وما يمتلكه من رصيد روحى فى العالم كله، لكن دعونا نعترف بأن شرط نجاح هذا الدور هو التحلى بشجاعة تقديم الرؤية الإسلامية الصحيحة فى القضايا الجدلية الملتبسة التى تثير مخاوف الآخرين من الوجود الإسلامى فيها مثل حرية الاعتقاد الديني، ومسألة الجهاد، وموقف الإسلام من الآخر المختلف دينياً.

على الجانب الآخر، هناك مصارحة مطلوبة فى فرنسا تتعلق بإشكالية التوفيق بين (حرية) التعبير و(الحق) فى الكرامة الإنسانية ومن صورها حماية المعتقد أو الانتماء الدينى من التحقير أو الازدراء أو الحض على كراهية أصحابه. فالأزمة التى اندلعت بسبب الرسوم الكاريكاتورية يمكن أن تتجدّد بشأن ممارسات أخرى لحرية التعبير. هنا ثمة تدقيق واجب مؤداه أن (حرية) الاعتقاد الدينى تختلف عن (الحق) فى حماية المعتقد أو الشعور الديني. المسألة ليست فى حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد الديني، فلكل شخص حرية أن يؤمن أو يكفر، المسألة هى حرمة المعتقد الدينى وحماية المنتمين إليه من الازدراء أو التحقير أو الحض على كراهيتهم. حرية الاعتقاد الدينى مكفولة بالدساتير والقوانين والصكوك الدولية، بل إن هذه الحرية مقررة بالنص القرآني: «لا إكراه فى الدين» (سورة البقرة آية 256).

والواقع أن التمييز بين مكوّن الحرية ومكوّن الحق فى مسألة الاعتقاد الدينى كفيل باستجلاء الالتباس القانونى الحاصل اليوم. فالقانون يحمى حرية التعبير والحق فى الكرامة الآدمية معاً لكن حينما يتعارضان فإن (الحرية) تجد قيدها وشرط ممارستها فى عدم الإضرار (بالحق) المحمى قانوناً مثل الحق فى الكرامة الآدمية بما تعنيه من حظر التمييز بين البشر أو ازدرائهم أو الحض على كراهيتهم بسبب انتمائهم لدين أو عرق أو لون أو جنس. التأصيل السابق ليس بدعة بل هو مؤدى قراءة أحد أبرز أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فى 20 سبتمبر 1994 بشأن القضية المعروفة Otto-Preminger Institute ضد النمسا ، حيث قررت المحكمة أن حرية التعبير بالرغم من كونها أحد أسس المجتمع الديمقراطى ليست مطلقة ولكنها مقيّدة بعدم الإضرار بحقوق الغير والإساءة إلى شعورهم الديني. وقد تلمست المحكمة الخط الفاصل بين حرية التعبير المكفولة قانوناً وبين التحقير الدينى المحظور فى ثلاثة معايير، هى الضرر الذى يلحقه التعبير بالغير، وجسامته، وانتفاء جدواه، معتبرة أن الجدوى تنتفى إذا كان التعبير لا يمثل أى إضافة للنقاش العام الذى يثرى حركة التقدم الإنساني.

إذا كان هذا هو رأى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فالمطلوب اليوم هو تقنين هذا التوجه القضائى من خلال صياغة اتفاقية دولية لحظر ازدراء الانتماء الدينى متى توافرت شروط وضوابط معينة تكفل إقامة التوازن لتفادى الشطط فى ممارسة حرية التعبير من ناحية والمبالغة فى تقدير الإساءة للشعور الدينى من ناحية أخرى. لا مفر إذن من البحث عن توازن قانونى مطلوب. فى الفقه المصرى لدينا كتابات وأطروحات أكاديمية بارزة فى الموضوع، منها الأطروحة العلمية لزميلنا دكتور طارق سرور الأستاذ بحقوق القاهرة ومؤلفاته المتعمقة اللاحقة. وللمستشار دكتور خيرى الكباش أطروحة دكتوراه متميزة ناهزت الألف صفحة عن الحماية الدولية لحقوق الإنسان، يطرح فيها فكرة قد تمثل أحد مخارج الأزمة انطلاقاً من حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد النمسا الذى اعتبر أن فيلم مجلس أساقفة الحب يعد تجاوزا لحرية التعبير. الفكرة هى الاكتفاء بالجزاء العينى المتمثل فى مصادرة الفيلم السينمائى أو التحفظ عليه (أو على أى شكل آخر من أشكال التعبير الفني) بدلاً من الجزاء الشخصى الجنائى الذى يلحق بمرتكب المخالفة. وفكرة التدابير العينية غير الشخصية ذات مساحة واسعة للبدائل والاختيارات. المهم هو إقامة التوازن بين حرية التعبير والحق فى احترام كرامة الانتماء الدينى لشخص أو لجماعة من الأشخاص أياً كان هذا الانتماء لمسلمين أو غير مسلمين.

فى نهاية المطاف، لنعترف بأن نصوص القانون لن تحسم وحدها التوازن المقبول من الطرفين بين حرية التعبير والحق فى احترام الشعور الديني، ثمة عناصر أخرى تعزّز حكم القانون مثل الثقافة والتعليم والثقة المتبادلة والقيم المشتركة.فكلما ترسخت مثلاً قيمة التسامح لدى أصحاب انتماء دينى معين أمكن تجاوز الحماقات والسخريات العابرة ضدهم، وبالمقابل كلما ترسخت قيمة احترام الآخر لدى من يمارس حرية التعبير تحقّق الالتزام الطوعى بمسئولية الكلمة أو الرسم أو التعبير الفنى عموماُ. فالتطرف والتعصب والكراهية ليست خصائص حصرية ببعض المؤمنين بها لكنها خصائص لبعض العلمانيين أيضاً.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

العلوم الاجتماعية .. أزمة في الدور أم المكانة؟

إذا تجاوزنا مؤقتا مسألة الجدل حول تقسيمات العلوم ومعيار هذا التقسيم فإن العلوم الاجتماعية مثل القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والإعلام والفلسفة

الإصلاح التشريعي كضلع في مشروع مصر التنموي

يذكر التاريخ لنابليون بونابرت الفرنسي إنجازين كبيرين، أولهما حركة فتوحاته العسكرية لتأسيس إمبراطورية فرنسية، وهو إنجاز تجاوزه الزمن وربما طواه النسيان،

ماذا يعني القرار الأخير للمحكمة الجنائية الدولية؟

أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية فى 5 فبراير الماضي قرارًا بشمول اختصاص المحكمة للأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو

متى نقولها بفخر «صُنع فى مصر»؟

حفلت صفحات الأهرام منذ فترة بمقالات مهمة عن التصنيع فى مصر فضلا عن كتابات وأطروحات تحتشد بها المكتبة المصرية.

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

«التطبيع».. فلنصحّح المفهوم أولا

ماذا جرى للأخلاق فى ديارنا؟

لأن المجتمعات الحية الواثقة لا تخجل من مصارحة نفسها ومراجعة أحوالها ثمة حاجة هذه الأيام لأن نتوقف ونتساءل عما جرى لأخلاق المصريين. فالذى نشاهده ونسمعه

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة