ثقافة وفنون

باسم درويش: حفلي كان تحديًا.. ومصر تركت المجال لصناع الموسيقى بعكس أوروبا في أزمة كورونا | حوار

6-11-2020 | 19:03

باسم درويش الموسيقار المصري

سارة نعمة الله

رحلة مدتها دقائق قصيرة بين كل مقطوعة وأخرى، يطوف فيها المستمع بين سحر الحالة الروحانية وجاذبية الموسيقى التي تطوع فيها الألحان بين الجاز والكلاسيك، مقطوعات تؤكد من صانعها أن المزيكا معشوقته التي يقدم بها فكر ورؤى معينة يتحدث فيها عن قيمة الجمال وأهميته.


باسم درويش الموسيقار المصري الذي نجح في تأسيس فرقته الألمانية "كايرو ستبس" محققًا بها نجاحًا أمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا وصل أصداءه إلى القاهرة التي بات جمهوره فيها يتجاوز الآلاف، ويستكمل هذه الأصدقاء الناجحة بحفل مميز قدمه لجمهوره بمهرجان الموسيقى العربية بدورته الـ ٢٩ المقامة حاليًا، مقدمًا فيها برنامجًا شرقيًا خالصًا حيث قدم مقطوعات: "جاردن سيتي" و"بكرا"، "رقصة النيل" بخلاف الظهور الخاص للمطرب علي الهلباوي معه في غناء مقطوعة "أرابيسكان"، التي امتزجت برائعة "زدني بفرط الحب"، وذلك في مشاركة استثنائية وتاريخية كأول فرقة ألمانية الأصل تعزف في مهرجان الموسيقى العربية.

عن نجاح هذا الحفل وتجربة تقديمه بفرقة مصرية خالصة، واحتفاء الجمهور المصري به، ومستقبل صناعة الموسيقى بعد أزمة كورونا وأخرى، حاورت "بوابة الأهرام" الموسيقار المخضرم باسم درويش متحدثًا عن هذه الأمور وغيرها كما يسرد على لسانه بالسطور التالية:

"الحفلة كانت بالنسبة لي تجربة جديدة تمامًا لأَنِّي أول مرة اشتغل بدون فرقتي تمامًا حيث إنني قدمت إلى مصر ولم أكن أعرف أني هعمل حفلة، وحضرت بدون العود الخاص بي، وخلال تواجدي تلقيت عرض المشاركة بالمهرجان من مديرته الدكتورة جيهان مرسي، وبالنسبة لي كان شرفًا وتحديًا كبيرًا جدًا، ومن أجل التجهيز مكثت بالقاهرة لمدة شهر أحضر لهذا الحفل بشكل خاص وذلك حتى أجد موسيقيين مصريين يستطيعون أخذ دور زملائهم الألمان في فرقتي "كايرو ستبس".

ربما يكون فكرة إيجاد الموسيقيين التحدي الأكبر، فبالنسبة لي الموسيقي الحقيقي ليس من يمتلك فقط مهارة موسيقية لكن لابد أن أجلس معه وأشاهد روحه وفلسفته الموسيقية هل تناسبني أم لا، لأن فرقتي لديها رسالة وهذا يتطلب أن يكونوا جميعهم فكرا موحدا وشبه بعض، لهذا يعد المايسترو ناير ناجي هو الأقرب لي بالنسبة لمن تعاملاتهم معهم في تولي قيادة الأوركسترا.

والحقيقة أن الموسيقيين المصريين الذين تعاونت معهم في حفلي قاموا بدورهم على أكمل وجه وبشكل مميز، وأحمد الله أصبح لدي فريق مصري من الذين استطعت تكوينهم هنا من المقرر أن أقدم معهم فيما بعد حفلات فرقتي بالقاهرة. أما المايسترو ناير ناجي فأتوجه بجزيل الشكر له لما قدمه لي من بروفات كبيرة وكذلك الموزعيين من محمد سعد باشا، وجورج قلته وأوركسترا القاهرة السيمفوني وإدارة الأوبرا التي وفرت لي كل هذه الإمكانات".

وعن فكرة إقامة حفله بمسرح مفتوح "النافورة" بما يخالف المعتاد في حفلاته، ومدى التفاعل الجماهيري معه، يكمل درويش حديثه:"الحقيقة أن نوع الموسيقى الذي نقدمه بفرقتي يتطلب قاعة مغلقة ، وانا لا أفضل العمل في المسرح المكشوف لأن فرقتنا ليست من طابعها أجواء "الصخب والهيصة"، ولكن لم أندم على تقديم حفلي بمسرح النافورة ومن قبله مسرح القلعة ضمن فعاليات مهرجان القلعة، وصحيح العدد كان قليل نسبيًا من المعتاد لكن كنّا فرحانين بوجود الجمهور لأَنِّي ضد الحفلات الأونلاين، والعدد كان معقول بالنسبة لأزمة كورونا، بخلاف أن المسرح والصوت والإضاءة كانوا في حالة جيدة جدًا.

والتجهيزات التي أعدت للمسرح هذا العام أعتبرها من أفضل الدورات لأَنِي بحضر المهرجان من بداياته ولكن أول مرة أعزف به كعازف منفرد، وأيضًا أول مرة فرقة ألمانية الأصل تعزف موسيقى عربية، وكنت حريص أن أقدم برنامج شرقي خالص، والحقيقة وجدت تفاعل كبير معي من الحضور.

ونحن دائمًا نستخدم في حفلتنا صور مرئيّة تشرح طبيعة المقطوعة التي نتحدث عنها، فكلًا منها له قصة منفردة كالقاهرة القديمة أو مكان من القرن الـ ١٨ أو مكان متعلق بالشارع المصري، والفنان أسامه بشرى هو الذي يصمم لنا هذه الصور، ورغم صعوبة ذلك بالمسرح المكشوف إلا أنه خرج بالحفل في أفضل صورة بسبب الإمكانيات الهائلة التي قدمتها الأوبرا لنا، وبالتأكيد كل الشكر لوزارة الثقافة على إتخذها خطوة جريئة بإقامة المهرجان بالمسرح المكشوف وأشكر جميع الإدارة الفنية على اكتمال منظومتها بهذه الاحترافية".

مغامرة كبيرة خاضتها دار الأوبرا في إقامة المهرجان هذا العام وسط مخاوف أزمة جائحة كورونا والتي آثرت بالطبع على مستقبل صناع الموسيقى والموسيقيين، وهو ما يؤكد عليه درويش بحديثه: "فكرة أننا نعمل مهرجان في وقت العالم كله مطفي يثبت أننا باختصار "مصر" أي مركز الحضارة والفنون حتى لو إمكاناتنا ربما تكون أقل من غيرنا، وحيث إننا بلد فن وحضارة فأن الموسيقى لا تتجزأ من حياتنا اليومية وشعبنا يتغلب على المصاعب بروحه ثقافته المتأصلة بتربته، وهو بالفعل إنجاز لم يحدث لأن أوروبا قفلت وقعدنا فالبيت برغم ما لديهم من إمكانات تجبرهم على أن يقدموا حفلات بأماكن مفتوحة لكنهم لم يفعلوا ذلك.

والحقيقة أن الموسيقيين يعانون جدًا بأوروبا وتحديدًا بألمانيا وهناك حركة غير عادية من الموسيقيين والفنانين ضد الحكومة لأنه لم يعطيهم أحد أي اعتبار، وأريد أن استغل الفرصة أن الموسيقيين من أوروبا وألمانيا يحضروا لمصر عقب تجاوزنا لأزمة كورونا وأعتقد هيكونوا مبسوطين جدًا بينا، وإقامة المهرجان تؤكد إرادتنا كدولة أن نستمر ونواجه حتى في أحلك الظروف لأن دي طبيعتنا كمصريين".


ونحو شغف الجمهور المصري نحو موسيقى درويش واهتمامه بمتابعة أعماله التي أطلق منها بحفله أحدثها بعنوان "انفراج" من ألبوم الفرقة الجديد "ديوان كافيه"، يضيف الموسيقار المخضرم: " كثيرًا نظلم الجمهور المصري عندما نختزل ثقافته في الأشياء المتدنية، وهناك مثلًا حفلات عمرخيرت تكون كاملة الحجز دائمًا وهذا يدل على أن الناس محتاجة مزيكا، وصحيح أن الردىء صوته عالي لكن ليس معنى ذلك أنه على صواب، وأنا لست قلقًا في الواقع لأن هذه حالة عادية فيما يتعلق بمسألة التدني في المحتوى المقدم بالعالم كله، وصحيح أن المصريين يبحثون على الغناء بالمقام الأول لكنه أيضًا يبحثون عن الموسيقى، وهذه الحفلة التي جاء فيها الجمهور خصيصًا مخاطرًا بنفسه ليحضر حفلة موسيقية فهذا قمة الرقي والشغف من قبله.

ويضيف درويش في حديثه عن مستقبل صناعة الموسيقى بعد جائحة كورونا: "المأساة حاصلة في العالم، وكل مرحلة فيها يكون بها اضمحلال، وأفضل فترة مثلًا في المقطوعات الشعرية والأدب كتبت في هذه العصور بالدولة الوسطى في مصر، وأي عصر مثل هذا سوف يكون فيه ثراء في الأدب والفكر والثقافة ويحدث عملية نوستالجيا من أجل استرجاع قوانا الفنية للتغلب على الواقع.

والتجربة تشير أن كورونا عملت هزة في العالم وبدأ الجميع يراجع نفسه فيما يسمعه ويفكر به، وهذا ينتج فن جيد وواقعي سوف يكون له تأثير في الأجيال القادمة، ولكن على الجانب الآخر هذه الجائحة جعلت الكثيرون خصوصًا في ألمانيا سوف يتركون العمل الفني والموسيقي بكل محتوياته من عازفين ومهندسين صوت وإضاءة وتسويق وذلك بلا رجعة، وهناك إحصائية تشير إلى أن ٣٠ بالمئة من أبناء المجال تركوه في آخر ٦ شهور وهذه كارثة، لكن في مصر لم ندخل في هذه المرحلة لأن الدولة تترك الحياة تسير طبيعيًا بشكل متوازي وهذا معجزة وذلك في الوقت الذي تنتهي فيه الموسيقى في أوروبا وحتى تعود ليس هناك أقل من خمس سنوات.

ونحن في مصر جميع آرقامنا على جميع المستويات تشير لنهضة كبيرة وتقدم بالطبع ينعكس على مجال الموسيقى، ما يعنى أن الريادة ستكون لنا بالمرحلة المقبلة، وأتمنى أن يكون لدينا فرصة لعمل دراسة جدوى لاستقدام الكوادر الفنية من هؤلاء الذين على وشك ترك المجال الموسيقي بسبب أزمة كورونا بشرط أن يكون هناك شباب يقودون هذه المرحلة.


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري


جانب من حفل باسم درويش الموسيقار المصري

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة