آراء

الثقافة المنشودة بين .. جمال الثقافة .. وثقافة الجمال!

27-10-2020 | 11:58
Advertisements

أعلم جيدًا أن العنوان قد يبدو غريبًا على القاريء؛ ليس عن طريق التأثير في وجدانه باستخدام ألفاظ اللغة فيما يسمى بموسيقى السجع والطباق والجناس؛ ولكنه الاجتهاد في محاولة إيجاد التفسير الأمثل لمضامين ومفاهيم كلمة "ثقافة" بالمعنى الشامل المادي والمعنوي؛ وحتى تكون هي ـ أي الثقافة ـ الغالبة على السلوكيات العفوية والفطرية بين أفراد المجتمع الإنساني؛ يستوي في هذا أبناء الطبقة الدنيا أو أبناء "الطبقة العلِّـيوي"!


ولكن قد تأتي هذه الغرابة لتكرار الدخول في تلك المحاولات التي تبحث عن مضمون شامل لها؛ على أمل الوصول إلى تعريفٍ "وافٍ" لمفهوم تلك العبارة؛ والوقوف على التعريف القاطع الذي يشفي غليل كل من يبحث خلف معناها ومبناها ومدلولها ومدى تأثيرها في وعلى الإحساس الجمعي داخل المجتمعات الإنسانية التي تبحث جاهدةً عن الرقي والتقدم والازدهار.

ولكني كباحثة أكاديمية؛ أجد أنه من واجبي ـ الوطني والإنساني والأكاديمي ـ ضرورة مخاطبة رجل الشارع العادي بما يجب أن تكون عليه سلوكياته وعاداته الفطرية والعفوية؛ وهي العادات التي يجب أن تشكِّل ـ في الأساس ـ الجزء الأكبر في مفهوم "الثقافة المنشودة" التي نبحث عنها في طيات المجتمعات الإنسانية والحضارية، ولأبتعد بالقارئ ـ غير المتخصص ـ عن المصطلحات اللغوية المعقدة التي يتعامل بها أساتذة علم الاجتماع في مدرجات العلم والتحصيل داخل الجامعات والمعاهد العلمية.

فأقول بإيجاز: إن الثقافة هي مجموعة السلوكيات الاجتماعية التي تشتمل على كُل أو بعض الظواهر التي تنتقل من خلال تقليد الطفل في مطلع حياته؛ هذا التقليد الذي يقوده ـ تلقائيًا ـ إلى تعلم بعض الممارسات الاجتماعية السائدة من حوله؛ والتأُثر بالممارسات والأشكال التعبيرية مثل الرسم والموسيقى والشعر والرقص واختيار الملابس التي تتطابق مع المعيار السائد في المجتمع؛ بالإضافة إلى اكتساب طقوس المناسبات الاجتماعية المختلفة، ليبدأ خلال مرحلة النضوج واستكمال تكوين الشخصية؛ في ممارسة سلوكيات اختياراته لمضامين "الثقافة المادية" كالانضمام إلى المؤسسات السياسية والتجمعات الحزبية واعتناق ما يناسبه من معتقدات أدبية أو فلسفية أو أيديولوجية؛ وربما عقائدية أيضًا، وعلى محتوى ومضامين هذه الأسس يكون الحكم على مدى ثقافة المجتمع الكلية، ومعرفة انعكاس هذا التشبع على معاملات الفرد اليومية مع مجتمعه الذي يبدأ من البيت والشارع والحي من حيث النظام والنظافة والالتزام بالأعراف السائدة داخل المجتمع بكل طوائفه وانتماءاته.

فلنقُل إذن إن "الثقافة" ـ بشكلٍ عام ـ هي مجموعة العادات والتقاليد والقيم الإيجابية السائدة في المجتمع، مع الحذر كل الحذر من إدمان اعتناق "الثقافة الاستهلاكية" التي سادت منذ فترة ليست بالقليلة ـ للأسف ـ داخل مجتمعاتنا المصرية والعربية والشرقية؛ وهي التي تنسف في طريقها كل مظاهر الجمال المادي والمعنوي: المادي باعتياد العين على مشاهدة مناظر ومظاهر القبح والاعتياد على وجود "أهرامات القمامة" في أركان الشوارع والحدائق لتصبح جزءًا لايتجزأ من المشاهدات اللحظية اليومية؛ والقبح المعنوي الذي يؤدي إلى جفاف وضمور شرايـين أجهزة الاستشعار الروحي والوجداني داخل النفس البشرية عامة؛ فلا يشعر المرء بمدى القُبح الذي يطمس بوصلة البحث عن الجمال؛ لتستوي كل الأشياء تحت نظره ومشاعره!

ولنأتِ الآن إلى القول الفصل؛ والذي من أجله تكبدت مشقة البحث عن المعاني التي يجب أن تسود للثقافة المادية والمعنوية داخل المجتمع؛ ومن هي الجهة المنوط بها غرس ـ أو زرع ـ بذور ثقافة الجمال في أعماق تربة المجتمع؛ لتصل بأفراده إلى تذوق جمال الثقافة في كل مظاهرها المادية والمعنوية؟

ولكني ـ إحقاقًا للحق ـ أعترف وأقول: إننا من تركنا هذه البذور للعطن والتعفن والذبول والموت؛ يوم تحولت "غرفة الموسيقى" و"غرفة الرسم والصلصال" و"حصة الألعاب البدنية" في المدارس .. إلى "فصول" تتكدس فيها أجساد بلا روح؛ تتعلم ـ بالكاد ـ أن تفُك الخط!

ولكن تبقى المعضلة التي يتوجب علينا إيجاد الحلول الناجعة لها؛ وهي كيف نصل بالمواطن العادي إلى القناعة التامة بأساليب الثقافة الإيجابية: المادية والمعنوية.. الواجب اتباعها؛ والوقوف على طرق تعريفه بأنها الوسيلة الوحيدة والمثلى لإشباع حاجاته النفسية والاجتماعية؛ للانصهار ضمن منظومة المجتمع الذي يتنفس بين جدرانه؛ ليصبح الكل في واحد؟!

تلك هي مسئولية المؤسسات السيادية في الدولة؛ وبخاصة القائمة على رسم السياسة التعليمية للأجيال الصاعدة؛ بالتضافر والتوازي مع من يملكون ريشة تجسيد "لوحة الثقافة" على أرضية وسماء المجتمع، وتلك مسئولية لو تعلمون عظيمة في ظل العشوائية التي تتخبط فيها "السياسة التعليمية" التي تجمع تحت مظلتها أشكالًا تعليمية شتي؛ تتقافز بين مدارس ومعاهد التعليم الياباني والإيطالي والألماني ومعاهد اللغات الحيَّة؛ والمعاهد الدينية التي تمنح "كتب التراث" مركز الصدارة ؛ دون التركيز على مفاهيم إعمال العقل والمناداة بـ"تجديد الخطاب الديني"؛ تلك الدعوة التي طالما نادى بها القائد والزعيم/عبدالفتاح السيسي في العديد من المؤتمرات الشبابية ولقاءاته الدائمة مع رجالات القوات المسلحة، الأمر الذي صنع هذا التضارب الموجود على الساحة المصرية ـ الآن ـ في مفاهيم الثقافة الجمعية؛ لأن المجتمع تحوَّل إلى مايشبه "الجُزُر المنفصلة"؛ ولكل جزيرة ثقافتها وسلوكياتها وعاداتها، ومن الطبيعي في هذا المناخ ألا تتوحد الأهداف والمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية!

فهل من توقف لالتقاط الأنفاس اللاهثة في ماراثون محاولة "إصلاح السياسة التعليمية" لتوحيد المقامات في معادلة الثقافة المنشودة للمجتمع؟

ترى .. هل سأجد العديد من الدوائر؛ نتيجة لإلقائي هذا الحجر في هذه "البِركة الآسنة" ـ بكسر الباء ـ للتعليم في مصرنا المحروسة؟

على أحر من الجمر .. ننتظر الإجابة الشافية؛ للتعرف على مفاهيم ومضامين "ثقافة الجمال".. التي تصل بنا إلى أن نتذوق "جمال الثقافة"!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة