آراء

الأزمة في خطاب ماكرون

17-10-2020 | 18:31

تعرّضَ مقال الأسبوع الماضى إلى الجزء الخاص بمشكلة إدماج المسلمين فى المجتمع الفرنسى وهى المشكلة التى عبر عنها ماكرون فى خطاب 2 أكتوبر بالانفصالية الإسلامية، وذكر المقال أن من حق ماكرون كرئيس لفرنسا أن يواجه التأثيرات الخارجية على مواطنيه ممن يدينون بالإسلام.


أما مقال هذا الأسبوع فإنه يتعرض لشق آخر فى الخطاب أثار جدلًا كبيرا وردود أفعال إسلامية غاضبة داخل فرنسا وخارجها بسبب وصف ماكرون الإسلام بأنه فى أزمة حول العالم، وفى تدليله على ذلك استند إلى التوتر الحاصل بين الأصوليات وبين المشروعات الدينية والسياسية التى نراها فى كل مناطق العالم والتى تقود إلى التشدد البالغ حتى فى الدول التى يمثل فيها الإسلام دين الأغلبية.

وعندما نتأمل المؤشر السابق نجده يخص دولة مثل تركيا لها مشروعها التوسعى الذى يوظف الدين فى السياسة، كما أنه يخص الحركات الإسلامية المسيسة التى تتذرع بالدين للدفاع عن مصالحها البراجماتية البحتة، وعند نقطة معينة يحدث تقاطع بين تركيا وتلك الحركات فإذا بها تحركهم مثل قطع الشطرنج من ساحة لأخرى من ساحات الصراع، فمن سوريا تنقلهم إلى ليبيا، ومن ليبيا تأخذهم إلى القوقاز، وإذا بمفهوم الجهاد يتحول إلى سلعة تُباع وتُشتَري، ولا بأس من أن تستفيد القوى الكبرى وتدخل السوق من وقت لآخر فتشترى جهاد الحركات الأفغانية لتضرب الاتحاد السوڤيتى أو تنسق مع فزاعات / حركات أخرى لتحجّم إيران.

والأمر على هذا النحو يكون السؤال إذن هو أين بالضبط موقع الإسلام كعقيدة دينية من هذه الشبكة الأخطبوطية من المصالح التى تخص أمراء الحروب والقوى الإقليمية والدولية على حدٍ سواء؟. يمضى ماكرون خطوة أبعد فى التدليل على أزمة الإسلام فيستشهد ضمن ما يستشهد بالحالة التونسية فيقول فى هذا الخصوص منذ 30 عاماً كان الوضع مختلفاً بشكلٍ جذرى فى تطبيق هذا الدين وطريقة الحياة، وإن التوترات التى نعايشها فى مجتمعنا موجودة فى هذا المجتمع الذى لاشك هو أحد أكثر المجتمعات تعليما وتطورا فى المنطقة.

نتوقف أمام هذا الاستشهاد بتونس ونناقشه. إن ماكرون عندما ألقى خطاباً أمام البرلمان التونسى فى فبراير 2018 كان له رأى إيجابى جداً فى التجربة التونسية، إذ اعتبر أن ثورتها الثقافية قد أنشأت رابطة سلمية بين الدولة والحياة المدنية والدين، وهذا معناه أن هناك توافقاً بين الإسلام والديمقراطية فى رأيه، أكثر من ذلك اعتبر ماكرون أن المساواة بين الرجل والمرأة الواردة فى الدستور التونسى مصانة بأكثر مما هى فى دستور فرنسا، وبالتالى يكون السؤال هو لماذا غيّر ماكرون نظرته للتجربة التونسية؟ إن كان التغير قد حدث بسبب ظهور حركة النهضة الإسلامية فى المشهد السياسى التونسى ومحاولاتها المتواصلة أسلمة الفضاء العام، فمن قال إن حركة النهضة تمثل الإسلام حتى يمكن الحكم على الإسلام من خلالها؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فعندما خطب ماكرون فى تونس عام 2018 كانت حركة النهضة موجودة بالفعل على الساحة السياسية منذ سبع سنوات كاملة، ومع ذلك كان رأى ماكرون فى تونس أنها تمثل أملاً رائعاً، والآن بعد مضى عامين على خطابه فى البرلمان التونسى فإن شعبية النهضة متراجعة والانشقاقات عنها تتوالي، ومن ينظر لها يجدها فى موقف الدفاع عن نفسها لأسباب كثيرة.

ثم إن هناك إشكالية ذات بعد فلسفى فى التعامل مع وصف ماكرون للإسلام بأنه فى أزمة. لقد أكد الرئيس الفرنسى فى خطابه أنه فى الوقت الذى يتمسك فيه بتطبيق قواعد الجمهورية بكل صرامة وفى كل مكان على أرض فرنسا، فإنه لن يسقط فى الفخ الذى يحاول المتطرفون- يقصد داخل تيار اليمين- أن يجروه إليه من خلال حمله على إدانة كل المسلمين، وهذا كلام جيد ومنطقى جداً، لكن السؤال هو كيف يمكن التسليم بأن المسلمين ليسوا كلاً واحداً وفى الوقت نفسه يتم إطلاق حكم عام على الإسلام كدين بأنه فى أزمة؟، لو كان الإسلام مأزوماً حول العالم لكانت النتيجة الطبيعية هى أن يكون كل المسلمين مأزومين، والعكس صحيح.

وهكذا يتضح لنا أنه بينما خلط ماكرون فى مستوى أول بين ممارسات الدول والحركات التى توظف الدين لتحقيق مآربها وبين العقيدة الإسلامية، فإنه قد ميّز فى مستوى ثانٍ بين أداء بعض المسلمين وبين نفس العقيدة الإسلامية. وهذه الجزئية القلقة فى الخطاب ربما كان سببها محاولة ماكرون المزايدة الانتخابية على تيار اليمين دون أن يخسر أصوات الناخبين المسلمين، لكن هذا القلق كان السبب فى أن انهالت السهام الناقدة على ماكرون، وهى سهام بعضها مدفوع بالغيرة على الدين، لكن بعضها الآخر له أسبابه السياسية، خصوصاً فى ظل الاشتباك الفرنسى مع العديد من القضايا الإقليمية والدولية، ولذلك نجد أن المنصتين القطرية والتركية كانتا من أكثر المنصات هجوماً على الخطاب وصاحبه.

تبقى ملاحظة أخيرة حول ظاهرة قديمة فى فرنسا وفى أوروبا بشكل عام، وتلك هى التى تتعلق بالتعامل مع معاداة السامية باعتبارها عملاً محظورا يجرمه القانون، والتعامل فى المقابل مع السخرية من الرموز الإسلامية باعتبارها أمرا مباحا وتطبيقا لحرية الرأى والتعبير. وفى خطاب ماكرون يوم 2 أكتوبر تعرض فى أكثر من موضع لرفض كلٍ من الإرهاب والعنصرية ومعاداة السامية بوصفها تتناقض مع الجمهورية، وفى الواقع ستظل هذه الازدواجية غير مفهومة بالنسبة لكثير من المسلمين الذين يرون أنه إما أن يكون هناك أخذ بحرية الرأى والتعبير فلا تكون هناك محظورات على نقد أى شيء بما فى ذلك السامية، وإما أن يكون هناك رفض للعنصرية بمعناها الواسع الذى يشمل التنمر ضد كل الأعراق والأديان والألوان فلا تُستثنى من هذا الرفض الرموز الإسلامية، لكن الكيل بمكيالين تحت تأثير قوة اللوبى اليهودى فى فرنسا فهذا هو ما لا يتفق مع المساواة كقيمة أساسية من القيم الجمهورية.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة