صناعة الوعى صناعة ثقيلة أصعب بكثير من جميع الصناعات الحرفية والمهنية، وبخاصة إذا كانت تتطلب تغيير بعض القناعات أو الموروثات الفكرية والأيديولوجية، أو تعديل المسار الفكري، فالتخلية أصعب بكثير من كل عمليات التحلية.
موضوعات مقترحة
وأرى أن عملية تعديل المسار الفكرى وتصحيح المفاهيم الخاطئة يتطلبان تضافرًا مجتمعيًا كبيرًا بين جميع مؤسسات صناعة الوعي: الدينية ، والتعليمية، والإعلامية، والثقافية، والفكرية، والتربوية، والأسرية، والفنية، لننجو بأبنائنا وشبابنا ومجتمعاتنا من محاولات الاختطاف وعمليات التغييب وتزييف الوعى.
أما فيما يتصل بمواجهة عملية تزييف الوعى فأرى أنها تحتاج إلى أمرين أساسيين:
الأول: التكاتف بين جميع مؤسسات بناء الوعى والتنسيق فيما بينها لمواجهة عمليات التزييف والتغييب.
الأمر الآخر: الاتصال المباشر، وهذا الدور يقوم به بصفة أساسية إمام المسجد، سواء فى مسجده أم فى محيطه المجتمعي، ويقوم به المعلم فى مدرسته ومحيطه المجتمعي، وأستاذ الجامعة فى جامعته ومحيطه المجتمعي، كما أن على كل كاتب ومفكر وإعلامى ومثقف وأديب أو فنان ألا يقتصر دوره على حدود ما يكتب أو يقدم من عمل علمي، أو فنى أو درامى أو غيره، إنما عليه أن يجتهد فى أقصى درجات التواصل بينه وبين ذويه ومحبيه ومتابعيه، كما أن للمرأة الواعية دورًا كبيرًا فى ذلك، وهو ما تقوم به واعظات الأوقاف بالتعاون مع المجلس القومى للمرأة، سواء فى دروسهن أم فى محيطهن الاجتماعي، أم بالتعاون مع الرائدات الريفيات والمرشدات الصحيات من خلال حملات طرق الأبواب وغيرها.
وإذا كان تشكيل وعى أمة أو بناء ذاكرتها لا يتم بين لحظة وأخرى أو بين عشية وضحاها، إنما هو عملية شاقة ومركبة، فإن الأصعب هو إعادة بناء هذه الذاكرة أو ردها إلى ما عسى أن تكون قد فقدته من مرتكزاتها، فما بالكم لو كانت هذه الذاكرة قد تعرضت للتشويه أو محاولات الطمس أو المحو أو الاختطاف، ولا سيما لو كان ذلك قد استمر لعقود أو لقرون؟!
لقد تعرضت ذاكرة الأمة عبر تاريخها الطويل لمحاولات عديدة من المحو أو الشطب أو التغيير، ناهيك عن محاولات الاختطاف وحالات الخمول والجمود، وأصبحنا فى حاجة ماسة إلى استرداد هذه الذاكرة من خلال إعادة تنشيطها وتخليصها مما علق بها من شوائب فى مراحل الاختطاف والتشويه التى قام بها أعداء الأمة ومن وظفوه لخدمتهم من جماعات التطرف والإرهاب.
وإذا كان من حاولوا السطو على ذاكرة أمتنا قد استخدموا المغالطات الدينية والفكرية والثقافية والتاريخية للاستيلاء على هذه الذاكرة، فإن واجبنا مسابقة الزمن لكشف هذه المغالطات وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وبيان أوجه الحق والصواب بالحجة والبرهان من خلال نشر الفكر الوسطي المستنير، مع اعتبار العمل على صنع حالة من الوعي المستنير واسترداد ذاكرة الأمة التى كانت مختطفة أولوية المرحلة الراهنة، مع التكثيف والإلحاح المستمر على مفردات هذا الوعى.
على أن بناء الوعى يتطلب الإلمام بحجم التحديات التى تواجهنا، لأننا دون إدراك هذه التحديات ودون الوعى بها لا يمكن أن نضع حلولا ناجحة أو ناجعة لها، وإذا كان المناطقة يؤكدون أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن معالجته أو مواجهة ما يرتبط به من تحديات لا يمكن أن تتم دون سبر أغوار وأعماق ما يراد الحكم عليه أو معالجته.
* نقلًا عن صحيفة الأهرام