آراء

الحد الأدنى للأجور.. والقطاع الخاص

14-10-2020 | 15:13
Advertisements

فى اطار تناولنا لمشكلات الأجور فى المجتمع خلال الفترة الحالية وبعد الحديث عن الحد الأقصى، نعرج الأن لتناول الحد الأدنى. وهنا نلحظ على الفور ان الحكومة قامت بالإعلان عن هذا الحد بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء، الصادر فى يوليو 2019، وحدده بـ 2000 جنيه للدرجة السادسة، للموظفين والعاملين لدى أجهزة الدولة والهيئات الاقتصادية.وأصبح السؤال وماذا عن القطاع الخاص؟ هنا يرى البعض ان التوقيت غير مناسب تماما لطرح الموضوع فى ظل الأوضاع السائدة حاليا فى سوق العمل، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة الى نحو 10% ،فضلا عن ارتفاع نسبة المتعطلين الذين سبق لهم العمل ومحدودية الاستثمارات الخاصة نتيجة لفيروس كورونا وتباطؤ النموالاقتصادى.


وقبل مناقشة هذه المسألة تجدر الإشارة الى ان معظم المشتغلين بأجر يعملون لدى القطاع الخاص المنظم وغير المنظم. وبالتالى فان التركيز على إصلاح الخلل فى الأجور يجب ان يتم على مستوى المجتمع ككل وليس فقط الحكومى. خاصة ان السياسة الحالية قد ترتب عليها سير حركة التشغيل، على عكس الاتجاه المستهدف منها، فأصبح العمل الحكومى هو الأكثر جاذبية للعمالة، خاصة ان متوسط الاجور لديه اعلى من القطاع الخاص وارتفع نصيبه من اجمالى المشتغلين من نحو 18% الى 21% ، .بينما انخفض نصيب القطاع الخاص من 36% الى 32% خلال نفس الفترة، بينما كانت السياسة الاقتصادية تهدف الى ان يستوعب القطاع الخاص المنظم المزيد من قوة العمل وليس العكس.

ان معظم البلدان تقريبا تضع حدا أدنى للأجور، مع اختلاف فى التفاصيل، فالبعض مثل فرنسا يطبق حدا أدنى موحدا للمجتمع ككل بينما فى بلدان اخرى مثل نيوزيلاندا وجنوب افريقيا تفرق بين القطاعات وأنواع العمالة. وبغض النظر عن الجدل النظرى حول هذه القضية، والذى لم يحسم حتى الآن، الا ان هناك قدرا متزايدا من الاجماع على ان وجود حد ادنى للأجور معتدل، يؤثر بالإيجاب على المجتمع للعديد من الاعتبارات الاقتصادية المعيشة، منها ان الأجور ليست مجرد عنصر من عناصر التكاليف فحسب، بل هى أيضا مصدر الدخل الأساسى لقطاع عريض من المجتمع، معظمهم يمثلون تيارا متدفقا للإنفاق الاستهلاكي، فى ضوء الميل المرتفع للاستهلاك لدى هذه الشريحة.وبالتالى فهى تسهم فى إنعاش الاقتصاد القومي.هذا فضلا عن ان الأجور هى المصدر الرئيسى لدخل الفقراء وفقا لما أكده بحث الدخل والإنفاق عام 2017/2018 إذ انها تشكل 44.4 % من إجمالى مصادر الدخل للفقراء. كما ان نحو 40% من الفقراء يعملون لدى القطاع الخاص المنظم والاستثماري. فضلا عما يتميز به المجتمع من ارتفاع معدل الإعالة.

المناقشات الدائرة حول الحد الأدنى للأجور تركز على تأثيرها على النمو، إذ يرى البعض أنه سيؤدى إلى الإبطاء من النمو الاقتصادى والى تشويه إشارات السوق. وخير معبر لوجهة النظر هذا تقرير الحرية الاقتصادية فى العالم الذى يرى أن وضع حد أدنى للأجور هو تعد على الحرية الاقتصادية لأصحاب الأعمال، الأمر الذى يقلل من الحوافز الخاصة بسوق العمل ويحد من التوسع فى استخدام المزيد من العمالة. وبالتالى يرى هؤلاء انه ينبغى على الدولة إن تسمح لقوى السوق بتحديد الأجور حتى تتفادى المزيد من البطالة.

وللرد على هذه الانتقادات نرى أن أسواق العمل تختلف عن الأسواق الأخرى للسلع نظرا لما تتسم به من خصوصية تكمن فى كونها أسواقا غير تنافسية بصفة عامة، بل قد تتسم بعدم التساوى فى القوى بين أصحاب الأعمال والعمال، ناهيك عن عدم مرونة أسواق العمل وصعوبة القدرة على الحراك العمالى وعدم كفاية المعلومات، وتولد هذه الظروف نتائج غير عادلة ولا تتسم بالكفاءة، خاصة عندما يكون العمال فى وضع ضعيف فى المساومة. مما يجعل أصحاب الأعمال قادرين على تخفيض الأجور أو إجبار العمال على العمل فى ظروف تتسم بالخطورة أو يمارسون التمييز ضد جماعات بعينها.

ويتوقف تأثير الحد الأدنى للأجور، من نتائج ايجابية أو سلبية، فى قدرته على التأثير على فرص العمل والإنتاجية وهو ما يتوقف بدوره على هيكل السوق ومستوى الحد الأدنى، وقدرة الحكومة على تنفيذه. وبالتالى فان سياسات الحد الأدنى يجب أن تتسم بالكفاءة والمرونة وتعزيز العمل اللائق.

ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار عدة محاذير حتى تؤتى هذه السياسة ثمارها. منها التوازن بين حماية العمال من جهة وإيجاد الحافز لدى الشركات على الاستثمار والتشغيل من جهة أخرى. وبعبارة أخرى فإذا كان الحد الأدنى أعلى من اللازم فانه يؤدى بالضرورة إما إلى خفض العمالة أو تقليل فرص العمالة، الأقل مهارة. وبالتالى فمن المهم ألا يكون الحد الأدنى مغالى فيه. وهو ما يتطلب الانسجام مع الأوضاع الاقتصادية فى الأسواق ويحقق مستوى لائقا للمعيشة.

وتدلنا التجارب الدولية على ان الحكومة هى التى تضع الحد الادنى بالتشاور مع النقابات العمالية ومؤسسات الاعمال، وفى مصر فقد أوكل قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 هذه المهمة للمجلس القومى للأجور، خاصة ان تشكيله يمثل الاطراف الثلاثة المعنية بالموضوع. ومن هنا جاءت التسمية «مجلس قومى» وليس «مجلس اعلى» كما جاء بمشروع قانون العمل المعروض على البرلمان، اذ ان الثانى هو مجلس حكومى بالاساس بينما القومى مفهوم أوسع وأعم.

عموما فان الوضع الحالى يتطلب قيام المجلس بوضع الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع جميع الأمور المرتبطة بالأجور. وهو ما يتطلب بدوره تعديل المادة (34) لتعطى للمجلس الصلاحية الكاملة فى إقرار العلاوة السنوية وفقا لما يراه من متغيرات اقتصادية واجتماعية معينة وما يتوقعه من سياسات وإجراءات. وذلك بدلا من الوضع الحالى الذى حددها بـ7 % من الأجر الأساسى كحد أدنى، لان ذلك أفقد المجلس أهم آليات التعامل فى هذه المسألة كما إن تحديد العلاوة بالأجر الأساسى فقط فيه ظلم شديد للعاملين، وبالتالى يجب أن يعطى المجلس الصلاحية الكاملة فى إقرار هذه المسألة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

اقرأ أيضًا:
Advertisements
ضريبة الدخل والفصل بين السلطات

ان إعفاء المكافآت الممنوحة لأعضاء البرلمان من ضريبة الدخل يأتى أساسا لرغبة المشرع فى الفصل بين السلطات.. جاء ذلك التصريح على لسان وكيل لجنة الخطة والموازنة

كأس العالم لليد والاستثمار في الرياضة (3)

أوضحنا خلال المقالين السابقين أهمية الاستثمار فى صناعة الرياضة ودوره فى التنمية المجتمعية عموما والبشرية على وجه الخصوص، واصبح التساؤل الى اى مدى تعاملت

كأس العالم لليد والاستثمار في الرياضة (2)

أشرنا في المقال السابق الى أهمية وضع الرياضة فى خدمة التنمية البشرية بغية جعلها إحدى الأدوات المساهمة فى رفع كفاءة الأفراد والمساهمة فى تطوير الإنسان وهو

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة