آراء

ماكرون والصحوة الجمهورية

10-10-2020 | 14:44

فى 2 أكتوبر الحالى ألقى الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون خطابًا مطولًا من 16 صفحة كاملة، وهذا يعنى أننا أمام وثيقة كبيرة ومحمّلة بالعديد من الأفكار التى من حقنا أن نختلف معها؛ لكن لا يجوز اختزالها فى جملة أو عبارة واحدة.


وسوف أحاول تقديم قراءة تحليلية لخطاب ماكرون ككل ودون اجتزاء، أخذًا فى الاعتبار أنني استوحيت من نصه عنوان المقال «الصحوة الجمهورية»؛ لأن ماكرون أكثر جدًا من استخدام كلمة الجمهورية والجمهورى فى خطابه حتى إننى أحصيت منها 76 مرة، ومرجع ذلك أن فكرة الجمهورية هى فكرة راسخة فى فرنسا، لأنها تستمد شرعيتها من شرعية الثورة الفرنسية أساس فرنسا الحديثة، كما أن فكرة العلمانية كمكّون رئيسى من مكونات الجمهورية تتمتع بقوة مماثلة فى الدولة الفرنسية، عكس العلمانية الألمانية مثلًا التى تتمتع ببعض المرونة وتتأثر بالأفكار الإصلاحية لمارتن لوثر كينج، فإن العلمانية الفرنسية هى علمانية صارمة تنظمها قوانين تعود إلى مطلع القرن العشرين، ولذلك تكررت أيضًا كلمة العلمانية فى مواضع متفرقة من الخطاب.

وهذا التوضيح مهم حتى يوضع الخطاب فى سياقه، والآن إلى تناول قضية الانفصالية الإسلامية التى تكلم عنها ماكرون.

الفكرة الأساسية فى خطاب ماكرون هى محاولة تحرير مسلمي فرنسا من التأثيرات الخارجية الوهابية والسلفية وتأثيرات الإخوان المسلمين التى بدأت سلمية كما قال، ثم بالتدريج تحولت إلى الراديكالية وحملت مشروعًا سياسيًا موازيًا ومتصادمًا مع مشروع الجمهورية الفرنسية.

ماقاله ماكرون هو إقرار بفشل سياسات إدماج المهاجرين المسلمين من أبناء الجيلين الثانى والثالث فى المجتمع الفرنسى، وهذه ظاهرة قديمة تعرض لها رؤساء سابقون حتى إن شيراك شكّل فى عام 2003 لجنة للتفكير فى كيفية تطبيق مبدأ العلمانية في الجمهورية الفرنسية، وشارك فى عضوية هذه اللجنة مفكرون عرب/فرنسيون بارزون أمثال محمد أركون.

لكن ظاهرة فشل الإدماج هذه تفاقمت إلى الحد الذى عبّر عنه ماكرون بلفظ الانفصال، ويقصد بذلك الانفصال الشعورى عن الدولة الفرنسية رغم العيش على ترابها.

وساق ماكرون عددًا كبيرًا من الممارسات الغريبة على العلمانية الفرنسية كأن يُمنَع ركوب بعض السيدات فى أوتوبيسات تعود لجمعيات أهلية؛ لأن ملبسهن غير ملائم، أو كأن تتم المطالبة بتحديد ساعات معينة للنساء فى المسابح، أو كأن يرفض الأهل إرسال أطفالهم إلى المدارس تجنبًا للاختلاط.

والواقع إن كل من يعرف فرنسا يعرف أن هذه الظاهرة حقيقية، وأن هناك مدنًا فرنسية كمارسيليا لا تشبه فرنسا في شيء، وأن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التى أوصلت فرنسا لهذه النقطة، منها ما هو خارجى ومنها ماهو داخلي، وبالتالى من حق الرئيس التصدى لها فلا أحد يقبل خروج أجزاء من دولته أو شعبه خارج سلطته.

لقد لعب المال والفكر دورًا مهمًا فى سلخ المسلمين الفرنسيين عن المجتمع الفرنسى، فحيثما قصّرت الدولة أو حتى غابت عن الضواحى التي صارت أشبه ما تكون بالجيتوهات، كما اعترف بذلك ماكرون «نحن أنفسنا صنعنا انفصالنا»، وحيثما تم تهميش المهاجرين ــ المسلمين بالذات ــ تقدمت الجمعيات ذات الواجهة المدنية والممولة من الخارج لتملأ فراغ الدولة.

لكن الأمر الغائب هو أن المسألة ليست مسألة خدمات فقط، وأن التعريض بالرموز الإسلامية قد يدفع بعض مسلمى فرنسا للانفصال الشعوري عن المجتمع والتواصل مع الخارج، ثم هناك عملية تكوين الأئمة الفرنسيين خارج الدولة بتنشئتهم على قيم لا تتفق مع قيم الجمهورية، إلا أن الخطاب خلا من الإشارة إلى مسئولية الدولة فى استقبال قيادات الحركات الإسلامية، ومن هؤلاء قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية اعتبارًا من عام 1992، كما لا ننسى أن الخمينى أدار الثورة الإيرانية من ضاحية نوڤال لوشاتو الفرنسية، ثم أصبحت أفكار هذه الثورة وممارساتها عبئًا على الجميع.

ومن أجل تعميق الانفصال الشعوري عن الجمهورية الفرنسية، فإنه تتم باستمرار عملية إنعاش ذاكرة المسلمين بالتاريخ الاستعماري لفرنسا، والنتيجة هى أن أبناء الجيل الثالث من المهاجرين الذين لم يعايشوا الاحتلال ينتقدون بمنتهى القوة الحقبة الاستعمارية وينددون بدور فرنسا فى تشويه الهوية العربية / الإسلامية.

وبعد أن وضع ماكرون يده على سبب المشكلة أى التأثير الخارجى على المهاجرين المسلمين والتقصير الداخلى فى حقهم، حدد الملامح العامة للإجراءات القانونية والتنفيذية التى يعتزم اتخاذها، والتى يمكن وصفها بالتحرك على خطين متوازيين، الخط الأول هو قطع علاقة الداخل بالخارج من خلال ضبط عملية التمويل للجمعيات، وإلزامها بتوقيع عقد تتعهد فيه باحترام قيم الجمهورية، وتكوين الأئمة في فرنسا لا فى المغرب ولاتركيا - كما فى السابق - مع الاعتماد على المجلس الفرنسى للديانة الإسلامية من أجل ربط الدين الإسلامى بالواقع الفرنسى.

والخط الآخر هو تأكيد حضور الدولة عبر الحفاظ على حياد المجال العام ومنع تديينه، وزيادة عدد الفصول الدراسية حتى يكون هناك وجود جمهورى «تحت كل مبنى» كما قال ماكرون، وكذلك زيادة عدد ساعات عمل المكتبات، مع إلزامية التعليم فى المدرسة اعتبارًا من سن ثلاث سنوات فلا يُسمح بالتعليم المنزلى إلا لأسباب صحية.

أما النقطة الجديرة بتسليط الضوء عليها فهى قرار تدريس اللغة العربية فى المدارس كى لا يدرسها التلاميذ خارج أسوار المدرسة، والاهتمام بالحضارة العربية / الإسلامية؛ حيث قال ماكرون بوضوح ما نصه «أريد أن تصبح فرنسا البلد الذي يمكن أن ندرّس فيه أفكار ابن رشد وابن خلدون، بالإضافة إلى تشجيع الحوار العلمى والأكاديمى كى لا يُترَك فهم الإسلام كدين، والحضارة التى يحملها، وكذلك الإسهام الذي قدمه لبلدنا وللقارة إلى المناظرات الأيديولوچية».

وهذا يعني الاعتراف بفضل الحضارة العربية / الإسلامية على أوروبا .لكن الملاحظ أن هذه الجوانب الإيجابية فى خطاب ماكرون غابت عن معظم التعليقات؛ لأن قوله «إن الإسلام حول العالم يمر بأزمة» قد خطف الأنظار، وهذا موضوع المقال المقبل.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مراجعات سياسية شيعية

من القضايا المهمة التي لا تلقى اهتمامًا عربيًا كافيًا بها تلك المراجعات السياسية التي تتم داخل الطائفة الشيعية في العراق، وهي مراجعات تعود بداياتها إلى

حول دعوات تغيير النظام في تونس

عقب موجة التغيير التي شهدتها الدول العربية اعتبارا من عام ٢٠١٠، كان أحد أهم الأسئلة المثارة هو السؤال التالى: أى نظامّى الحكم يُعّد الأفضل، النظام الرئاسي

الأزمة التونسية 

قبل أكثر من عام وتحديدًا في شهر أكتوبر ٢٠١٩ نشرتُ دراسة على موقع العين الإخبارية عنوانها «تونس وثلاثية: قرطاج، القصبة، مونبليزير»، تحدثتُ فيها عن الصراع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة