آراء

فتاة الأوتوبيس .. عايزة حقها

7-10-2020 | 07:54
Advertisements

ركبت الأوتوبيس من القاهرة عائدًا إلى بيتى فى مدينة طنطا، وبعد أن وصل الأوتوبيس إلى الطريق الزراعى، قامت المضيفة - فتاة صغيرة فى العشرينيات - وبدأت بدفع عربتها الصغيرة التى تتجمع عليها مختلف السلع التي قد يبتغيها الركاب من العصائر والشاي والقهوة والبسكويت والساندويتشات ...إلخ. 

 
انتبهت إلى طريقة حديثها مع الركاب وأسلوب عرضها لسلعتها، مقارنًا ذلك غصبًا عني بالمضيفات اللواتي تعودت على التعامل معهن على الطائرات، والحق أقول إن الفتاة كانت جيدة في أداء مهمتها ولا يفرقها عن مضيفة الطائرة إلا الحديث بلغة أجنبية، والتي ربما تتقنها وأنا لا أعلم، المهم أنه قد أعجبني أداؤها لوظيفتها.
 
سارت الأمور على ما يرام، كنت أجلس في منتصف الأوتوبيس، وكانت تقترب مني، ولحماستي للفتاة قررت أن "أنَفَعها" وأشتري منها كوب نيسكافيه، ورأيتها تصل إلى الصف الذي يقع أمامي مباشرة؛ حيث كان يجلس أربعة زملاء شباب، اثنان على اليمين واثنان على الشمال، وقفت المضيفة في الوسط تعرض عليهم السلع التي أمامها بابتسامة رقيقة رسمتها على وجهها للوفاء بمتطلبات الوظيفة. 


قال أحدهم: عايز شاى فسألته عن مقدار السكر، فقال لها أنا مش عايز سكر خالص، ففهمت المضيفة - وأنا كذلك - أنه يريد شاي سادة، لكنه قال وهو يشير برأسه إليها: أنا عايز من ده، خفتت ابتسامتها وقالت بأسلوب جاد ما زال يتوافر فيه قدر من الاحترام حفاظًا على أكل عيشها: أفندم! فقال جاره: إيه مالك.. فيه إيه.. بيقولك عايز من ده، يعني مش عايز سكر وعايز عسل من ده! 
 
رجعت البنت للوراء وقالت بصوت مرتفع: إيه إللى حضرتك بتقوله ده، ما يصحش كده.. فاندفع الزميلان من الجانب الآخر للدفاع عن زميليهما وقد لاحظا ارتفاع صوت الفتاة وانتباه الركاب القريبين لذلك.. وقال أحدهم: "فيه إيه يا بت ما تحترمي نفسك شويه قلنا مش عايزين حاجة يبقى مش عايزين حاجة"، ولحقه الآخر قائلًا: بطلي بقى السهوكة اللي بتعمليها من الصبح، امشي من هنا".
 
كل هذا يجري وهم لا يشعرون أن هناك من يجلس خلفهم مباشرة مراقبًا لما يحدث ومسجلًا لكل ما قيل في عقله تحسبًا للحظة كان يظنها تقترب. 
 
وبالفعل جاء الكمساري وسأل ماذا حدث؟ انفجرت البنت تحكي له تعرضهم السافر لها وكيف ردت عليهم، أنصت إليها ووجدتها لم تزد حرفًا على ما حدث.. وما إن انتهت حتى انفجرت ماسورة من السباب والشتائم للفتاة من الشباب الأربعة بمنتهى التعالي والعجرفة، يذكرون فيها سفالتها ونحنحتها لهم لكي يشتروا منها، وكيف أنهم قد زجروها وطلبوا منها الانصراف.
 
نظر الكمساري إليهم، وقد بدا عليه معرفته جيدًا لأخلاق الفتاة وقال: حسنًا هذا كلامكم، وهذا كلامها، أقسم بالله أنه لو شهد أحد الركاب على أنكم قد تعرضتم لها، وأنكم كاذبون فيما قلتم، فسوف أتجه بالأوتوبيس إلى أقرب قسم وأسلمكم إليه.
 
واستدار يمينًا ويسارًا سائلًا الركاب: هل رأى أحدكم ما حدث يا حضرات؟ مرت لحظات والكل صامت.. إلى أن رأيت ما كنت أنتظره، فرحة الانتصار وقد بدأت ترتسم على وجوه الشبان.. فقلت له فورًا: أنا رأيت ما حدث منذ البداية.. فجأة قفز الشبان الأربعة من كراسيهم صارخين: شفت إيه؟ إحنا ما عملناش حاجة!! فقلت لهم بهدوء لم أكن أتوقعه من نفسي في تلك اللحظة: مش عايز أسمع ولا كلمة، كلامنا هيكون في القسم.
 
نظرت إلى الكمساري.. وكان من السهل أن أقرأ على وجهه علامات الإعجاب بشجاعتي والنقمة عليها أيضًا، حيث أصبح واجبًا عليه – بعد شهادتي - أن يفي بقسمه ويسلمهم للقسم، وأظنه لم يكن يتوقع أكثر من صمت جماعي يعقبه بعض همهمات الغضب من هنا وهناك، ثم نصل ويرحل الشبان من الأوتوبيس وكأن شيئًا لم يحدث. 
 
لكن ظهوري فى المشهد غير هذا السيناريو تمامًا.. فوجدته يسألني: حضرتك متأكد إنهم عملوا كده، قلت: طبعًا وسمعت كل كلمه.. سألني: ومستعد تشهد، قلت له: أكيد.. فنظر إليَّ وانصرف وجلس بجوار السائق، وكل فترة يلتفت وينظر ناحيتي.. وأقرأ في عينيه أنه لا يدري ماذا يفعل.. ويتمنى أن أغير كلامي، أو أن يستدير المرة القادمة فلا يجدني.
 
كنا قد قاربنا على الوصول، والسائق والكمساري يجلسان وقد أخذا المضيفة إلى جوارهما، والشبان الأربعة أمامي في حالة صمت لا يخلو من بعض الهمسات واختلاس بعض النظرات إلى الشاهد الوحيد القابع خلفهم!! 
 
ولما استشعرت أن الكمساري لن يفعل شيئًا مما قال، ذهبت إلى مقدمة الأوتوبيس وجلست خلفه وقلت له قبل أن أغادر الأوتوبيس: على فكرة البنت دي كويسه، وإن شاء الله لا يتكرر معها هذا الموقف، لكن إذا تكرر، ووجدت شخصًا مثلي مستعد أن يشهد بالحق، أنصحك ألا تضيع الفرصة.. وتجيب لها حقها.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. حسام الإمام يكتب: قبل ما تناسب حاسب

لم يكن من الصعب عليها فهم ما يحدث، لكن كان من المستحيل تصديقه، قد يكون الإنسان طماعاً أو نصاباً يتاجر بالكلمات، لكن أن يتاجر بأحاسيسه ومشاعره، هذا الصنف

د. حسام الإمام يكتب: الإدارة بالابتسامة

ليس حلمًا بل واقع عشت تفاصيله يومًا بيوم ، أصابني الذهول في بداية اللقاء، وصاحبني التعجب والترقب خلال الرحلة حتى وجدتني أندرج تلقائيًا في تلك المنظومة،

د. حسام الإمام يكتب: انزل من فوق الحصان

عبارة جديدة فى قاموس الفهلوة والحداقة والشطارة المعجونة مع بعض الجرامات من فلسفة سيبلي نفسك وأنا أرسيك على الحوار ، مضافًا إليها قدر كافِ من رحيق الانهزامية

د. حسام الإمام يكتب: خليك بعيد

رغم صدق أحلام زينب معي دومًا، لكنني لم آخذها ولا مرة واحدة مأخذ اليقين، بل أسمعها وأقول خيرًا إن شاء الله، ولا أعيد صياغة خططي وخطواتي بناء على الحلم.

أحب ما تعمل "حتى" تعمل ما تحب

ارتبطت كلمة حتى في أذهان الكثيرين بالرائع صلاح ذو الفقار وهو يتحدث إلى البرنس أحمد مظهر في فيلم الأيدي الناعمة ويقول: أكلت السمكة حتى ذيلها.. بالك انت حتى هنا ليها كام معنى؟

لما تكبر نفسك تبقى إيه؟

مش عارف، بجد مش عارف كان نفسى لما أكبر أبقى إيه ممكن أقولك أبويا وأمى كان نفسهم لما أكبر أبقى إيه، لكن أنا شخصيًا كان نفسى أبقى إيه .. مش عارف. دايمًا

ساقط توجيهية وسمسار وقباني.. وبالعكس

يبقى الباز أفندي ويافطة الباز أفندي في فيلم ابن حميدو، المشهد الرئيسي الذي يجب أن ينحني أمامه عالم النكتة، وتتضاءل بجانبه كل الإيفيهات في كل زمان ومكان، دون أي مبالغة.

الرحلة انتهت

أنا بطبيعتى أحب السفر جداً وكنت أتمنى دوما أن أعمل فى مجال يسمح لى بالترحال والتجوال خارج مصر . فى أحد الأيام تلقيت دعوة من إحدى الجمعيات المتخصصة فى شئون

عادل إمام .. عفوًا الزعامة لها أصول

هل يستحق عادل إمام فعلاً لقب الزعيم؟ هل حقق على مدى تاريخه ما يؤهله لنيل هذا اللقب فى حضور قامات كبيرة قدمت للفن الكثير والكثير؟ هل هناك ما يميزه لنيل

الزمن الجميل

انتقادات عديدة توجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت دون أي شك ولا جدال اللهو الخفي السارق للوقت، المفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والزوج وزوجته

أشياء لا تشترى

وصل إلى قاعة الفرح هو وزوجته لحضور زفاف ابنة أحد أصدقائه الأعزاء، استقبله صديقه والد العروسة استقبالًا حارًا واختار له مكانًا مميزًا بين المعازيم، وجلس الجميع ينتظر وصول العروسين...

عفوًا سيدتي .. لست هذا الرجل!

الليلة باردة.. حمل كوب الشاي الساخن بين يديه وذهب نحو النافذة.. رأى قطرات المطر تنساب على زجاج النافذة كدموع التائب الذي يتطهر من ذنبه.. يارب كم أنا محتاج

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة