آراء

القائد .. ومعزوفة الانتماء!

15-9-2020 | 14:42

في إطار ثقافتنا المعرفية في أوساط النخبة والعامة؛ نجد أن "العصا" كان لها الحظ الوفير في الإضاءة عليها والتعريف بها في أشكال ومواقف متعددة؛ بدءًا من القرآن الكريم والإنجيل، وصولاً إلى الأمثال الشعبية وقصائد الشعراء، وحتى شعراء الربابة في سردهم للملاحم والمعارك بين أبطال السيرة الهلالية وغيرها.


فنجد في القرآن "عصا موسى" حين خاطبه المولى عز وجل في الوادي المقدس طوى: "وَمَا تلكَ بيَمينِكَ يامُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ" ( طه 18/17)، "فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ" ﴿١٠٧ الأعراف﴾، و"عصا سليمان الحكيم" في القرآن؛ وهو يسخِّر "الجن" في العمل والبناء وهو يتكئ واقفًا على عصاه/مِنْسَأتِه: "لَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (سبأ 14)، وفي الإنجيل يأتي ذكرها: "في شفتي العاقل توجد حكمة، والـ (عَصَا) لظهر الناقص الفهم" (سفر الأمثال ـ الإصحاح العاشر ـ 13) وعن ذكرها عند الشعراء ـ فحدِّث ولا حرج ـ فيقول أبي الطيب المتنبي في سخريته وهجائه لكافور الإخشيدي: لا تشترِ “العبد” إلا والعَصَا معهُ… إن العبيد لأنجَاسٌ مناكيدُ!

ويقول الشاعر/نزار قباني في قصيدته: "العصا والرفيق والطريق" مخاطبًا عميد الأدب العربي د.طه حسين: اخلع نظارتيك ما أنت أعمى * إنما نحن جوقة العميان، خذ عصاك ياصديقي وتسلق مثل ضوء شجر الليل السميق، عصاك شمس كل التائهين، وعصاك تنقر الأسفلت نقرًا وتراقص الفراشات الجميلة، والطيور ومساكين المدينة.

ومن الأمثال الشعبية المصرية والعربية: العصا من الجنة، والعصا لمن عصى، وشق عصا الطاعة، ولا ترفع عصاك على أهلك، ويقال الناس عبيد العصا، وألقى الرجل عصاه إذا اطمأنَّ مكانه، لوت الأيامُ كفَّه على العصا: هرم وكبر، ونجدها في العادات والتقاليد الشعبية في الموالد والأفراح "الرقص بالعصا/التحطيب".

ولنا أن نتوقف كثيرًا عند مبتغانا الذي نهدف إليه في هذا الصدد، ونتوقف عند الأداة التي تعمل على معانقة القلوب بالموسيقا والنغم؛ ألا وهي "عصا المايسترو"، وفي الأغلب الأعم يتساءل كثيرون ـ وبخاصة عند غير المتخصصين ـ عن ماهية ومغزى أداء حركات المايسترو المُمسك بالعصا في يده اليمنى، بينما تتحرك الأخرى بحريَّة يمينًا ويسارًا وأعلى وأسفل؛ وعن أهمية الدور الذي يلعبه وما يصاحبه من حركات جسدية؛ وهل هي مجرد طقس من طقوس قيادة الأوركسترا ليس له أهمية.

وإذ كان قائد الأوركسترا "المايسترو" يُعد مُخرجًا للعمل موسيقيًا؛ لكنه يختلف اختلافًا كليًا عن مخرج السينما أو المسرح؛ ففي عالم السينما والمسرح يتعامل من يتولى الإخراج مع النصوص وفقًا لرؤيته لجوانب العمل الفنية في الديكور والحركة على المسرح أو أمام الشاشة؛ في الحدود التي تترجم اللفظ والدلالة لأهداف المؤلف، ولا توجد هذه الحرية عند المايسترو ويقتصر عمله على تنفيذ ما هو مكتوب بلغة الموسيقا في نوتة المقطوعة التي يقوم بالإشراف على عزفها، ولكنه يكون مسئولاً في المقام الأول عن تدريب العازفين في البروفات، لتخرج النغمات في وحدة واحدة لا نشاز فيها من أي آلة من آلات أفراد المجموعة، ليندمج الجمهور مع التحركات الجسدية وتحركات العصا بيمناه في كل الاتجاهات، بينما اليد اليسرى وانقباضات وانبساط الكف بأصابعه الخمس؛ تعطي الإشارات بارتفاع وانخفاض بعض الآلات الوترية أو الإيقاعية، لتصنع التوحد والاندماج بين قلوب المستمعين وروحانية النغم المتصاعد في جنبات القاعة.

ويقال ـ والعهدة على بعض المصادر الموسيقية الثقات ـ إنه ليس للمايسترو في فرق الموسيقى العربية أدنى أهمية، فعازف الرق في الموسيقى العربية هو المايسترو والقائد، لأنه يعطي إشارة البدء للفرقة لتعزف بعدها لحنًا واحدًا طوال الحفل، ومن الأمثلة على ذلك حفلات كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.

هيا بنا ندلف إلى تحليل مدى أهمية تطبيق مبدأ الجماعية في الأداء داخل المجتمع؛ والالتفاف حول الأهداف الوطنية السامية؛ من أجل ضمان الوصول إلى قمة النجاحات المرجوَّة في أي عمل من أعمالنا ومشروعاتنا القومية العملاقة التي تعود بالنفع على الوطن ومستقبل الإنسان على أرضه؛ فنجد أن كلمة مايسترو في اللغة الإيطالية تعني "السيد" أو "المعلم" وهو عنوان الاحترام الشديد الذي يعطى للقائد على المستوى السياسي والحربي؛ وبخاصة في أوقات المحن والخطوب ومجابهة مخاطر الإرهاب الذي يحاول نشر عباءته السوداء على جنبات العالم؛ فالإرهاب ليس له دين أو وطن ـ كما رأينا في عمليات القتل العنصرية على الهوية والعقيدة في حوادث سجلها التاريخ في بقاع متفرقة من العالم ـ وليس لدرء خطره سوى أن نعمل جميعًا في "هارمونية" تحت ظل وبإشارة من عصا المايسترو للقائد السياسي المحنك الذي يسعى بنا إلى عزف سيمفونية الانتماء ومعزوفة الولاء للتوجهات القومية التي كافحت الأجيال من أجل تحقيقها تطلعًا إلى الارتقاء لاستنهاض الوجود المتفرد وبلوغ الغايات المنشودة من أمن وأمان واستقرار على كافة الأصعدة لغد نتمناه مشرقًا بنورانية تسطع بهاء ومكانة وقيمة وحياة رغدة تحت ظل علم خفاق لاينكس أبدًا.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة